هموم ثقافية

سقراط السوري

 

ثمَّة قامات من المثقَّفين لا يُمكن نسيانها بحال؛ إذ تبقى -حتى بعد الرحيل- حاضرةً في الحياة الثقافيّة، كما في الذاكرة والوجدان؛ يملي الوفاءُ لها ضرورة الحديث عنها، من دون أيّ مناسبة تتعلّق بها.

من هذه القامات الكبيرة، أنطون مقدسي الذي استحقَّ أنْ يُكنى بـ “شيخ المثقَّفين السوريين”، وأنْ يُخاطب “يا مُعلّم”، وذلك لتكريسه حياته في تثقيف نفسه على نحو عميق وأصيل، يُذكّر برموزنا وأعلامنا المفكّرين الكبار في تراثنا الثقافي العربي، وكذلك لحرصه على أن يمنح خلاصة فكره وثقافته وتحليلاته ومعارفه، لمن حوله من أدباء ومشتغلين بالفكر والفن وأصدقاء ومعارف وطلاّب جامعات وزوّار؛ وهو ما حدا بالشاعر اللبناني عبّاس بيضون إلى تلقيبه بـ “سقراط السوريّ“، وقد قال فيه: “أما وقد رحل، فإنّ التراب الذي يحويه سيحوي مكتبة ومحاكمات وخرائط فكرية وعوالم وخطابات، سيحوي مشروعًا بل مشاريع ثقافية كاملة”.

وللحق، لطالما شكَّل مفكّرنا حالة خاصَّة وفريدة، تحضّ على طرح التساؤلات، ومنها: كيف صار لهذا الرجل أن يكون عَلمًا بارزًا، وحجَّة معرفيّة، وأبًا ثقافيًّا، لا يختلف في عمق ثقافته وأصالتها وبُعد رؤاها اثنان من مثقَّفي سوريّة؛ وهو لم يُؤلّف كتابًا يُذكر طوال حياته المديدة (91 عامًا)، ولا ضمَّ خلاصة أفكاره ورؤاه ومقالاته بين دفتي كتاب؟

وكيف صار له أن يحوز إجماع المثقفين السوريين -على اختلاف أجيالهم ومشاربهم واتجاهاتهم ومواقفهم- حول رفعة موقعه في المشهد الثقافيّ، ومبدئيّة مواقفه السياسية والفكرية، ودأبه في العمل على تطوير العقل العربي وتوسيع آفاقه وتحريره من الخوف والدفع به من مختنق الطائفيّة والعشائرية والغيبيّة، نحو آفاق الديمقراطيّة والعلمانيّة، وبناء المجتمع المدني؟

وكيف صار له أن يشتهر على النحو الذي تحقّق له، وليس خلفه جهة أو هيئة، ولا هو سعى إلى وسائل إعلام وجماعات ومنابر وبؤر تلميع وتظهير؛ بل كان منكبًّا -كالمتعبّد- على إثراء ثقافته وفكره مزيدًا، ومتابعًا لكل جديد مبدع أو عمل واعد، ومواكبًا لكل ما يجري للناس في بلده، ويُضيّق عليهم أو يستبد بهم؟

وعن هذه الأخيرة، فمن المشهود لمواقف هذا الرجل العَلَم كيف جهر بالحق في وجه المستبد الصغير ابن حافظ، في رسالة مفتوحة، نشرها في صحيفة (الحياة)، قال فيها: “كفانا يا سيدي، من الكلام الفضفاض: مكاسب الشعب، إنجازات الشعب، إرادة الشعب. الشعب غائب منذ زمن طويل، إرادته مشلولة تقوم اليوم على تحقيق هدفين: الأول، على الصعيد الخاص، أن يعمل ليلًا نهارًا كي يضمن قوت أولاده. والثاني، على الصعيد العام، أن يقول ما يُطلب منه قوله، وأن يتبنى السلوك الذي يُطلب منه (مسيرات، هتافات…).

إنّ الذي يعصم هذا الشعب من الدمار هو أنه يتعايش مع هذا الوضع المتردّي، تعايش المريض مع مرض مزمن. الوضع العام، وباختصار يا سيدي: انهيار عام، سياسيّ واقتصاديّ، وأيضًا ثقافيّ وإنساني”.

حينذاك، كان ثمّة مدعوّة “مها قنّوت” قد حابت الأب وتُبَّعَه، وهلّلت للابن وملحقه؛ فنالت جائزةَ ترضيةٍ بأن ولّيت منصب وزيرة للثقافة، فكان أول قرار توقّعه بقلم حبر الوزارة، إقالة أنطون مقدسي من عمله.

وعمله الذي نهض به وأثرى مطبوعاته وإصداراته على نحو فريد -بشهادة الكتّاب السوريين أنفسهم- هو إدارة مديرية التأليف والترجمة. غير أن صغار الحُكَّام وتُبَّعهم ارتأوا تقدير دوره بفصله. ما عجز عنه المستبد الصغير وتُبَّعه المسوخ، هو فصل هذا الكبير عن ناسه وطلاّبه ومعارفه وأصدقائه الكتّاب والمثقّفين السوريين؛ ذلك لأن أنطون مقدسي نفسه -فكرًا وموقفًا ومسلكًا حياتيًّا- أمسى الكتاب الأغنى والأبدع، في حياتهم وثقافتهم وفكرهم جميعًا.

مقالات ذات صلة

إغلاق