أبحاث ودراسات

سورية 2017: عام صعود وانهيار المشاريع

المحتويات

مقدمة

أولًا: الصعود

ثانيًا: الانهيار

ثالثًا: صعود ثم انكشاف

رابعًا: مراوحة في المكان

خامسًا: كل شيء متغير

سادسًا: خاتمة

 

 

مقدمة

كان عام 2017 قاسيًا على السوريين، كالأعوام الستة التي سبقته، ولم تنطفئ النار السورية أو تهدأ حتى، واستمرّ التدمير الممنهج على المنوال نفسه، وإن بدراجات متفاوتة، كما استمرّ الاستنزاف العسكري والبشري والاجتماعي والاقتصادي، وصعدت خلال هذا العام قوى ومشاريع، وانهارت أخرى، بعد أن صارت سورية ساحة للتنافس الدولي والإقليمي، ولتصفية الحسابات، والمساومات، والحروب بالوكالة، وحلبة لتجريب الاستراتيجيات والأسلحة والمبادرات.

من وجهة نظر صعود وانهيار المشاريع، يمكن القول إن سورية كانت خلال العام الماضي (2017) مختبرًا لصعود وانهيار المشاريع الدولية والإقليمية. فالوضع السوري الراهن المُعقّد، الذي تدخّلت فيه أغلبية الدول الإقليمية الفاعلة في الشرق الأوسط، وأوروبا وآسيا، والدول الكبرى كذلك، شهد حالات غير عادية من الصعود والانهيار، سريعة أحيانًا وصادمة أحيانًا أخرى، إلى درجة دفعت الكثير من المحللين والسياسيين للحديث عن أن السياسات الدولية باتت غير متّزنة ومتسرعة، وتتجسد هذه الرؤى في الحالة السورية.

منذ ست سنوات، أي منذ أن بدأ النظام السوري انتهاج الحل العسكري العنيف ضد المحتجين، وإفلات العنف الطائفي المكبوت فيه، لم تعد القضية السورية قضية محلية، أو صراعًا بين نظام استبدادي شمولي وشعب يريد تغييره بنظام وطني ديمقراطي تعددي تداولي؛ بل كثرت الأطراف المتدخلة، الإقليمية والدولية، وحتى التنظيمات العابرة للحدود، التي سهّلت تصرفات النظام السوري لها هذا التدخل، وباتت سورية ساحة واسعة للتنافس وتصفية الحسابات، والضغوط المضادة، والحروب بالوكالة، ومحطة اختبار لتجريب الاستراتيجيات، وميدانًا لتجريب الأسلحة واختبارها، ومركزًا لتمرير المشاريع القومية والطائفية.

خلال سبع سنوات صعدت قوى وتلاشت وانهارت قوى أخرى. ففي السنوات الأولى للثورة التي انطلقت عام 2011، صعد نجم “الجيش السوري الحر”، المٌكوّن أساسًا من ضباط وجنود منشقين على النظام، وصار تعداده بعشرات الآلاف، وكان يمكن أن يكون نواة لجيش وطني بمقدوره السيطرة على الوضع فيما لو تلقّى دعمًا دوليًا في مواجهة “الجيش النظامي” الذي سخّره النظام لحمايته ولتأديب السوريين وقتلهم، ومواجهة ميليشيات طائفية وأيديولوجية منفلتة أطلقها النظام، وصدّرها له حليفه الإيراني، من لبنان والعراق وغيرها من الدول. لكن، سرعان ما تمزّق هذا “الجيش الحرّ”، بعد أن امتنعت أغلبية الدول الداعمة للمعارضة السورية من تقديم ما يليق به من دعم عسكري وتنظيمي ولوجستي ومالي ملائم، وتوازعته المشاريع، وأضرت به الخلافات، وأفسده المال السياسي أو أضعفه؛ ثم جاء “تنظيم الدولة الإسلامية” إلى سورية، أو جيء به، وحارب هذا “الجيش الحر” الضعيف أساسًا، بدلًا من أن يُحارب النظام الذي يدّعي محاربته؛ ثم جاء التدخّل الروسي العسكري، غير المباشر ثم المباشر، ليُدمّر بقايا هذا الجيش وحواضنه الشعبية بمساعدة ميليشيات طائفية عابرة للحدود وموالية لإيران، الأمر الذي أدّى إلى انهياره ليبقى مجرّد مجموعات متفرقة في شمالي وجنوبي سورية.

وخلال السنوات الأولى للثورة، صعد نجم المعارضة السياسية التي ما لبث أن اعترف بها المجتمع الدولي ممثلًا للشعب السوري، لكن هذه المعارضة قليلة الخبرة، والتي لم تحصل على دعم ملائم من الدول “صديقة الشعب السوري”، سواء أكان سياسيًا أو عسكريًا، وفساد البعض من أطرافها، وتغليب المصالح الشخصية، في أحيان كثيرة، على المصلحة الوطنية العامة، ونخرها بازدواجية الولاء، والضغط عليها للقبول بمنصات ومعارضين من أصحاب المواقف القريبة جدًا من النظام؛ كل ذلك أدى إلى تراجع هذه المعارضة وضياعها، ونكاد نقول إلى أفول نجمها، حيث صارت مرتهنة، من أجل بقائها، للرعاة وللداعمين.

وحدها مصالح الدول الكبرى بقيت في حالة رسوخ؛ وحاول السوريون، وغيرهم أيضًا، طوال ست سنوات، فهمها وتلمّس أبعادها وحدودها، ليعرفوا كيف يمكن أن يتعاملوا معها، وفشلوا. وبقيت هذه المصالح هي التي تُحرّك الأطراف والمشاريع صعودًا وهبوطًا، وفق برامج تكتيكية مرحلية واستراتيجية بعيدة المدى.

 

أولًا: الصعود

في عام 2017 صعد نجم روسيا في سورية بشكل كبير، فخلال السنة الثانية من التدخل العسكري المباشر في سورية لإنقاذ نظامها الذي أوشك على السقوط في بداية التدخل، صارت روسية مسيطرة على القرار السياسي والعسكري السوري بصورة كبيرة، وصارت لها تسع قواعد عسكرية كبيرة، بحرية وجوية، وآلاف الجنود والضباط والخبراء، وباتت الشرطة العسكرية الروسية تُسيطر على أكثر من منطقة وبلدة ومدينة، ولا تسمح حتى للنظام بالتدخل في شؤونها.

صار لروسيا 9 قواعد عسكرية، في مطار حميميم في اللاذقية، وقاعدة المرفأ في طرطوس، الكلية البحرية في جبلة قرب اللاذقية، مطار حماة العسكري، مطار المزة العسكري بدمشق، مطار الشعيرات بريف حمص، قاعدة تدمر بريف حمص الشرقي، قاعدة ومطار جندريس بمنطقة عفرين، ومطار الضبعة العسكري بريف حمص.

أعلنت روسيا غير مرّة، أنها ستُرسّخ بعض هذه القواعد العسكرية في سورية بشكل أوسع وأقوى، خاصة أنها وقّعت مع النظام السوري اتفاقية تُبيح لها ذلك، بدأ تطبيقها في 18 كانون الثاني/ يناير 2017، وتمتد لنصف قرن.

حققت روسيا جزءًا من هدفها بأن تُعيد أمجاد الاتحاد السوفياتي عبر البوابة السورية، وأن تفرض نفسها من جديد كقطبٍ ثانٍ مقررٍ على مستوى العالم عبر سيطرتها على بلد شرق أوسطي مفتاحي، وهذا ما منحها أوراق قوة في مواجهة أوراق قوة أميركية وأوروبية تُرفع ضدها، كالدرع الصاروخي وأوكرانيا والبلقان والعقوبات الاقتصادية وغيرها.

 

ثانيًا: الانهيار

مقابل الصعود الروسي، كان هناك انهيار “درامي” سريع لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وكما ظهر التنظيم في سورية عام 2013 بسرعة وبشكل مفاجئ، انهار أيضًا بسرعة مُخلّفًا المستوى نفسه من المفاجأة بأن تنظيمًا صلبًا ومتشعبًا وعنيفًا ومُسيطرًا، كتنظيم الدولة الإسلامية، ينهار بهذه السرعة في عملية تشبه “التبخّر” في بعض المناطق.

ففي مدينة الرقة شمالي سورية، التي اتخذها التنظيم الإرهابي عاصمة له، قُضي عليه بسرعة تفوق المتوقع، حيث استطاعت الميليشيات الكردية التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي السوري من السيطرة على المدينة بعد نحو شهرين من القصف الجوي الأميركي المكثف عليها، ودمار ما يقرب من 90% منها وفق شهادات محلّية. وعلى الرغم من قوة تصدّي مقاتلي التنظيم- وفق ادّعاء الميليشيات الكردية- إلا أن أيًا من مقاتلي التنظيم لم يظهر، وتبخّر المقاتلون الأجانب، الذين كان الأكراد يقولون إن عددهم بالآلاف؛ وعرضت الميليشيات الكردية مجموعة من مئات السكان قالت إنهم مقاتلون من التنظيم، ونفت منظمات وسكّان محليون هذه الادعاءات؛ فيما جرى تسليم أهالي مقاتلين شيشان، عبر وسطاء، إلى الحكومة الشيشانية؛ وقالت إنها سمحت للمقاتلين بالخروج من المدينة.

كذلك جرى القضاء على “تنظيم الدولة الإسلامية” في دير الزور شرقي سورية، وتمّ قطع التواصل بينه وبين التنظيمات الإرهابية المشابهة في العراق، عبر هجمات جوية روسية مُكثّفة، وتقدّم بري لقوات النظام السوري وميليشياته الرديفة، العراقية واللبنانية، المقربة والموالية لإيران. وبشكل مشابه، تبخّر التنظيم من المدينة بسرعة، وانهار بذلك وجوده في سورية في ظروف تُثير التساؤلات حول الحجم الحقيقي لهذا التنظيم في هذا البلد وعدد المقاتلين فيه، ما يوحي بأن كل الأطراف كانت تُبالغ كثيرًا في تصوير “العدو الإرهابي العابر للحدود”، من أجل تبرير كل ما تقوم به هذه الأطراف من عنف وتهجير قسري وتغيير ديموغرافي.

 

ثالثًا: صعود ثم انكشاف

كان عام 2017 عام صعود للروس، وانهيار لتنظيم الدولة الإسلامية في سورية. لكنه كان بالنسبة إلى حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي السوري وميليشياته العسكرية، عام انكشاف. فقبل نحو ثلاث سنوات أعلن الحزب عن رغبته في ضم ثلاثة “أقاليم” في الشمال السوري إلى فدرالية أحادية يريد تأسيسها، واستقدم مقاتلين أكرادًا من العراق وتركيا لمساندة قواته في السيطرة على أوسع رقعة جغرافية في الشمال السوري، حيث تمّت السيطرة بالفعل على بلدات وقرى عربية بحت لم يكن فيها أي وجود كردي في أي مرحلة تاريخية، قديمة أو معاصرة، وجرى محو بعضها من الوجود، وتهجير سكان بعضها الآخر، وتغيير ديموغرافيتها بعبث مكشوف، مستندًا في ذلك إلى مساندة عسكرية أميركية جوية استثنائية، وإمداد أميركي بالسلاح والدعم اللوجستي.

كذلك رفض هذا الحزب، بـ “إدارته الذاتية” وميليشياته، التحالف مع المعارضة السورية المعترف بها، وتعاون مع النظام السوري، وتوسّع هذا التعاون ليشمل المستوى الأمني والعسكري؛ ثم تعاون مع الإيرانيين؛ وانتقل بعد ذلك إلى التعاون مع الروس الذين عقد حلفًا معهم، سرعان ما تخلّى عنه مقابل حلف وتعاون أهمّ مع الأميركيين. وكل هذا التقلّب كان بهدف تسهيل تحقيق حلمه بالاستقلال بدولة كردية في الشمال السوري صار يُطلق عليها اسم “كردستان الغربية”، أو بأضعف الأحوال وأسوئها الإعلان عن فدرالية كردية من طرف واحد في الشمال السوري.

رفض هذا الحزب، مع حلفائه وأتباعه وميليشياته، تسمية سورية بالجمهورية العربية السورية، وأصرّ على شطب صفة العربية منها، مُستبقًا في ذلك رأي السوريين؛ وغيّر أسماء القرى والبلدات التي احتلّها بأسماء كردية بحت لا تنتمي إلى سورية، وطمس هوية الكثير من القرى العربية غير تلك التي عمل على محو أثرها؛ ورفض التحالف مع المعارضة السورية؛ واستأثر بالقرار الكردي؛ واضطهد القوى والأحزاب الكردية القريبة من المعارضة السورية والمعارِضة لسياساته؛ معتقدًا أن دولته ستولد قريبًا طالما أن الأميركي بجبروته وقوته حليف له.

لكن التصريحات الأميركية كانت هذه السنة مُحبطة له، خاصة حين أوضحت أن التحالف معه موقّت وليس استراتيجيًا، وأن الدعم المقدّم له عسكري وليس سياسيًا، وأنه مصمّم وفق منظور المصالح الأميركية وليس وفق منظور المصلحة الكردية.

كذلك كان لفشل استفتاء إقليم كردستان العراق، وتراجع أكراد العراق عن الاستقلال واعتذارهم عنه، وإدراكهم أنه أمر لا يمكن للقوى الكبرى أو الإقليمية أو المجتمع الدولي أن يقبله أو يُمرّره، انعكاسه أيضًا على أكراد سورية الذين وصلتهم الرسالة التي أشارت بوضوح إلى أن مصيرهم مرتبط بمصير سورية، وأن أقصى ما يمكن أن يطمحوا إليه هو أن يصبح في سورية نظام إداري لا مركزي، الأمر الذي اضطرهم إلى التراجع عن فكرة الاستقلال، ليعودوا ويتحدثوا، من ثم، عن دستور يضمن لهم حقوقهم ضمن سورية الواحدة.

لكن، لا يبدو أن البراغماتية الكردية هذه مُقنعة أو راسخة؛ فقد استمرّت مرتفعة تلك الأصوات المطالبة بالاستقلال، كما بدأ الحزب الكردي بتغيير تكتيكاته العسكرية التنظيمية، وأعلن عن دمج كل ميليشياته (الأسايش، وحدات حماية الشعب، ووحدات حماية المرأة) إضافة إلى (قوات سورية الديمقراطية) ضمن جيش واحد هدفه السيطرة على الشمال السوري و”حماية المناطق الكردية” في مواجهة تركيا، واستعادة الحلم بـ “كردستان الغربية”.

حاول الروس جذب هذه القوة الكردية، السياسية والعسكرية، وإغرائها بالانتقال إلى معسكره، وضغط على المعارضة السورية للقبول بها دون جدوى، حيث استمرت، هذه الأخيرة، بوصفها طرفًا لا علاقة له بالثورة ولا بالمعارضة. وبعد سلسلة مؤتمرات أستانا، وإقرار خطة روسية لـ “تخفيض التصعيد”، وظهور روسيا وتركيا وإيران كضامنين لهذا الأمر، رفضت تركيا وإيران بشدّة أي تساهل مع مسألة الفدرالية الكردية في سورية أو الاستقلال في العراق، وكان لهما ما أرادا كنوع من توازن القوى ضمن هذا التحالف الثلاثي.

في الغالب، سيستمر تراجع الموقف الكردي لكن ببطء؛ فالولايات المتحدة لن تدعم هذا الحزب الكردي وميليشياته سياسيًا، بل عسكريًا فحسب ولغرض تكتيكي موقّت، ويبدو أن موقفها منه سوف يتغير بعد التوصل لأي حل سياسي دائم وثابت في سورية، مهما كانت طبيعة هذا الحل، فجميع الأطراف الإقليمية والدولية المعنية بالأزمة السورية تُشدد في كل المناسبات على أن أي حل سياسي يجب أن يضمن وحدة الأراضي السورية من دون تقسيم أو اجتزاء.

 

رابعًا: مراوحة في المكان

بالعموم، فيما عدا تلك الأطراف، فإن بقية القوى الأخرى المعنية بالأزمة السورية ظلّت خلال عام 2017، كما قبله، في حالة مراوحة في المكان، بانتظار ما يمكن أن تحمله الحلول الدولية، وما تستطيع روسيا فرضه أو تمريره، وما تُقرره الولايات المتحدة، التي تتشعب مصالحها في المنطقة، وتترابط مع بعضها بعضًا، في العراق وسورية وتركيا والأردن ولبنان، وفي بعض الدول العربية الأخرى كاليمن وليبيا.

فالمعارضة السورية، السياسية والعسكرية، تتعثر حينًا ثم تنهض من جديد بعد دعم خليجي أو تركي، ثم تتراجع أمام ضغوط روسية وعدم اكتراث أميركي، وتضطر في الكثير من الأحيان إلى الانحناء في وجه العاصفة، وتقبل ما لم تكن تقبل به في العام الذي سبقه، ولوحظ هذا في الجولات الأخيرة من اجتماعات أستانا التي عُقدت هذا العام، وكذلك الجولة السابعة والثامنة من مؤتمر جنيف، وأيضًا في مؤتمر الرياض2 الذي عُقد هذا العام أيضًا، واضطرت فيه المعارضة السورية إلى القبول بضم منصات موسكو والقاهرة على الرغم من الاختلافات الجذرية، خاصة مع منصة موسكو، والتناقض في المفاهيم والأهداف والغايات.

كذلك النظام، ظلّ خلال عام 2017 يتقدم عسكريًا كلما دعمته روسيا، وسرعان ما يتراجع عندما تقرر روسيا تخفيف الدعم، أو تُقرر تغيير تكتيكها عندما يتدخل الإيراني محاولًا استغلال هذا التقدّم. كذلك ظل النظام يرفض الحل السياسي، ثم يضطر تحت الضغط الروسي إلى التصريح بأنه يقبل به، لكنّه لا يعكس هذا القبول عمليًا، وبعمل على عرقلته بوسائله الالتفافية.

وهو يُحاول الإيحاء بأنه منتصر في هذه الحرب. وبدأ يُروّج لـ/ ويُعلن عن المرحلة التالية، أي مرحلة إعادة الإعمار، متناسيًا أنه ما زال عالقًا وسط حرب بين قوى إقليمية ودولية، هو والمعارضة أضعف أطرافها؛ وأن حالة الخراب والأعداد الضخمة من الضحايا والمعتقلين والمفقودين والمشردين والنازحين واللاجئين، كلها أوراق تُخرّب أي انتصار- إن افترضنا أنه حصل-؛ وأن الدول الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، ترفض المشاركة في أي عملية إعادة إعمار ما لم يتم التوصل إلى حل سياسي مستقر ومتوازن للقضية السورية.

فقد أعلنت 18 دولة في اجتماع عُقد في نيويورك في أيلول/ سبتمبر 2017 بقيادة أميركية، أنها لن تُشارك في إعادة إعمار سورية ما لم يحصل حلٌ سياسي ذو صدقية بناءً على تنفيذ القرار 2254. كما يجب الأخذ في الحسبان غياب القدرة المالية لحلفاء النظام في روسيا وإيران لتعويض كلفة الدمار التي تتراوح تقديراتها بين 200 و400 مليار دولار.

كذلك الأمر بالنسبة إلى الميليشيات الموالية، والتابعة لإيران، والمنتشرة في أكثر من منطقة في الجغرافية السورية، فهي عندما تتقدم وتعمل على توسيع نفوذها، سرعان ما يوضع لها حدّ، روسي أو أميركي أو إسرائيلي، عندها تضطر إلى التراجع، وتبحث عن وسائل التفافية لتمرير أي جزء أو حيثية صغيرة من المشروع الإيراني الاحتلالي.

كل هذا يحصل مع هذه الأطراف كافة بانتظار أن يتفق اللاعبون الكبار، الولايات المتحدة وروسيا، ويوافق اللاعبون الإقليميون، تركيا والسعودية وإيران، ومن وراء الستار “إسرائيل”، ويرضخ اللاعبون المحليون، النظام والمعارضة. وما لم يتم التوافق على توليفة تُرضي الجميع، أو تُلزمهم، ستبقى القوى الفعالة، والمتورطة في القضية السورية، في حالة صعود وانهيار مستمرين.

 

خامسًا: كل شيء متغير

خلال عام 2017، اقتربت روسيا من أن تكون بالفعل قطبًا عالميًا ثانيًا، لكن صعودها هذا غير مستقر، خاصة في ضوء لا مبالاة تُبديها الولايات المتحدة في المنطقة. فروسيا التي تعتقد أنها صاحبة القرار الأول في شرق المتوسط، لن تستطيع مواجهة الولايات المتحدة فيما لو أرادت هذه الأخيرة أن تحدّ من تحركها أو تعرقله؛ فللولايات المتحدة أيضًا قواعد عسكرية في سورية، في الشمال والجنوب، كما أنها قادرة على السيطرة على الحدود الشمالية والجنوبية لسورية بشكل كامل، فحلفاؤها الأكراد يُسيطرون على معظم الشمال السوري، وحلفاؤها في المعارضة السورية المسلحة يُسيطرون على معظم الجنوب السوري، كما أن الأردن بلد حليف لها ويستضيف قواعد عسكرية، وتركيا حليف قديم يمكن استقطابه من جديد بسهولة، هذا إن لم نتحدث عن “إسرائيل” وعلاقتها العسكرية والسياسية العضوية بالولايات المتحدة.

في هذا السياق، لا بدّ من الأخذ في الحسبان أن للولايات المتحدة ثماني قواعد عسكرية في سورية تتوزع في (مطار الرميلان شرقي مدينة القامشلي، قرية المبروكة غربي مدينة القامشلي، منطقة خراب عشق غربي عين عيسى، عين عيسى التي تُعدّ كبرى القواعد، منطقة تل بيدر شمالي محافظة الحسكة، مدينة تل أبيض على الحدود السورية التركية، وفي الطبقة في محافظة الرقة)، هذا إضافة إلى القاعدة المقامة في موقع التنف الاستراتيجي المتحكم في المثلث الحدودي السوري- العراقي- الأردني. هذا الوجود العسكري الأميركي على الأراضي السورية لا يمكن إلا أن يؤخذ في الحسبان، خاصة من قِبَل روسيا التي تتعامل مع القضية السورية وكأنها شأن داخلي روسي.

كما أن الاتفاق بين ترمب وبوتين في تشرين الأول/ أكتوبر 2017، والذي تضمّن التنسيق بين جيشي البلدين للحفاظ على اتفاق (منع الصدام) بين الطرفين، وسحب الميليشيات الإيرانية من جنوبي سورية، تضمّن أيضًا ضرورة العمل على تنفيذ القرار 2254، الذي يعني إلزام النظام السوري بعملية جنيف من أجل تنفيذ هذا القرار، الأمر الذي ما زال يتهرب منه حتى الآن. وهو ما يُشكل إرباكًا جديًا لمساعي الروس المحمومة من أجل فرض رؤيتهم للحل السياسي.

كذلك قد يخلخل الصعود الروسي تعزيز إيران لوجودها في سورية، وسعيها لإقامة قواعد عسكرية دائمة لها، في الوقت الذي يمتلك حزب الله أربع قواعد له في القصير بحمص، وفي جبال القلمون، إضافة إلى الزبداني وسرغايا في ريف دمشق الغربي.

إذًا يمكن النظر إلى الصعود الروسي في سورية ومدى ثباته ورسوخه بالارتباط بالموقف الأميركي. وفي الغالب ستكون هناك تغيّرات في ميزان القوى، خاصة أن روسيا تتحالف مع إيران التي لها وجود ونفوذ قويّان في سورية، في الوقت الذي تمارس فيه الولايات المتحدة ضغوطها للعمل من أجل الحدّ من وجودها ونفوذها هذين.

أما انهيار “تنظيم الدولة الإسلامية” (داعش) في سورية، فهو لا يعني بالضرورة خلاصًا منه أو من هذه الأشكال من التنظيمات. فالحرب المستعرة في سورية، وميليشيات النظام المنفلتة من عقالها، والوجود الكبير للميليشيات الشيعية، اللبنانية والعراقية والأفغانية، التي ترعاها وتمولها إيران، والتي ارتكبت وترتكب الكثير من جرائم الحرب، ومعها الضغط الروسي المتواصل على المعارضة، السياسية منها والعسكرية، كل هذا قد يُولّد “دواعش” أخرى قد تكون أكثر تطرفًا وأكثر عداءً لهذه القوى والدول، وهو ما يهدد مستقبل سورية ما لم يترافق مع حل سياسي نهائي وراسخ.

كذلك، لا بدّ من النظر إلى الدور الإسرائيلي المكشوف الذي يُشجّع ضمنًا على بقاء الأسد، لكنّه يُحارب علنًا أي وجود إيراني في المنطقة المحاذية للحدود مع “إسرائيل”، خاصة أنها غير مقتنعة بأن روسيا قادرة على إبعاد الميليشيات الإيرانية أو شبه الإيرانية إلى مسافة كافية عن هذه الحدود، وهذا يهدد بمواجهة أكبر مع “إسرائيل” فيما لو استمر، ويولّد بدوره تنظيمات متشددة أخرى تساهم إيران والنظام السوري في ظهورها هذه المرة، كـ “جبهاتٍ مقاومةٍ” لإسرائيل، لا تستطيع روسيا وقفها، ولن ترضى “إسرائيل” عنها.

كذلك، يبدو أن طهران تُحاول اختبار مدى التصميم الأميركي على تقليص النفوذ الإيراني في سورية، ومدى جديته في قطع طريق طهران- بغداد- دمشق- بيروت، وتعمل على التمدد شمالي قاعدة التنف الأميركية شرقي سورية باتجاه البوكمال، وتُشجّع فصائل من (الحشد الشعبي) العراقي على التوغل شرقي سورية للالتحام معها، ما يفسح المجال لاحتمال مواجهة أميركية- إيرانية مباشرة، أو غير مباشرة عبر الميليشيات الكردية. وهذا سيدفع موسكو للتدخل كطرف إلى جانب إيران، أو أن تقف في صفوف المتفرجين، بما يعنيه ذلك من تهديد تحالفها مع الإيرانيين.

هناك أيضًا وضع آخر في شمالي سورية يهدِّد بتغيير الموازين وخلخلتها. فقوات النظام المدعومة من إيران وميليشياتها الرديفة، وبغطاء جوي روسي، بدأت بإشعال معركة إدلب. وكان علي أكبر ولايتي، مستشار مرشد الجمهورية الإسلامية علي خامنئي، قال في زيارته إلى مدينة حلب إن معركة إدلب أصبحت وشيكة، كما قالت روسيا إن الهدف التالي، بعد (داعش) هو (جبهة النصرة)، وهي تعني إدلب التي يوجد فيها نحو مليوني مدني، وأكثر من خمسين ألف مقاتل من “الجيش الحر” وفصائل إسلامية متنوعة، بينها نحو عشرة آلاف من (هيئة تحرير الشام) والفصائل المتحالفة معها. والهجوم على إدلب، المشمولة بـ (خفض التصعيد)، يعني أن موسكو شريكة في القرار مع النظام وإيران، وهذا سوف يُخلخل العلاقة الروسية- التركية بحكم أن تركيا هي الضامن لمنطقة (خفض التصعيد) في إدلب، ولها نفوذ كبير على الفصائل المقاتلة العاملة في إدلب، وفي ريفها الشمالي خاصة.

 

سادسًا: خاتمة

شهدت الساحة السورية خلال عام 2017 سلسلة من صعود المشاريع وانهيارها، لكن المشاريع التي ما زالت غير مستقرة في الوقت الراهن، ومجهولة المصير، ما زالت متعددة ومتناقضة ومتصارعة، وتعتمد كلها على ما ترسمه الاستراتيجيات الروسية والأميركية بشكل أساس، وتجاذبات المصالح الإقليمية بشكل أقل.

وهذه المشاريع جميعها تُتيح للنظام السوري، بشكل مباشر أو غير مباشر، أن يستمر ويُفرط في العنف والانتهاكات، ويستفيد منها لتغطية استخدامه الأسلحة المحرمة دوليًا، والحفاظ على سلطته؛ ويسمح لإيران بتعزيز ومدّ نفوذها في محاولة لتحقيق أهدافها الاستراتيجية القومية والطائفية، كما يسمح لأطراف إقليمية ومحلية بتوزيع الحصص ومناطق النفوذ، ويُبقي الساحة السورية بؤرة غير مستقرة يمكن أن تستقطب في أي وقت الجماعات الإرهابية والمتشددة من كل الطوائف. وكذلك، على مستوى دولي، تُسوّغ لكل الأنظمة الشمولية العسكرية المُستبدة استخدام العنف ضد كل تطلّعات الشعوب نحو الحرية والعدالة والديمقراطية.

من الصعب أن تشهد الساحة السورية صعودًا راسخًا لقوى أو انهيارًا مؤكدًا لقوى أخرى، ما لم تنطلق عملية سياسية جدّية وحاسمة، انطلاقًا من القرارات الدولية التي بدأت تصدر منذ عام 2012، كبيان جنيف1 والقرارات المستندة إليه بما فيها القرار 2254؛ وما لم تتسارع هذه العملية متسّلحة بإرادة ورعاية دولية صارمة، وبمشاركة القوى السياسية المعارضة في مفاوضات مع النظام، للبحث عن حل سياسي، يضمن انتقالًا سياسيًا عادلًا ومُقنعًا للسوريين، بعيدًا عن المتشددين من كل الأطراف، وبعيدًا عن مصالح الطغمة الحاكمة الحالية، ومصالح أمراء الحرب من كلا الطرفين، وبعيدًا أيضًا عن الملوثة أيديهم بدماء السوريين.

إن إطلاق عملية سياسية مضبوطة ومتدرجة، ومحكومة بالقرارات الأممية، ومحمية بتوافق أميركي- روسي، سيوفّر شروط العمل السياسي والبيئة الحيادية المطلوبة كي يُقرّر السوريون مصيرهم، ويصلوا بسورية إلى الاستقرار، ذلك أن المشاريع المبنية انطلاقًا من حروب هي مشاريع غير مستقرة وخطرة، ولا يمكن أن تضمن لأصحابها أمنًا وأمانًا ولو حتى على المدى القصير. وهذا ما تُشير إليه تجارب الشعوب.

مقالات ذات صلة

إغلاق