أدب وفنون

“أحلام الفقيه” (تقاسيم تعبيرية ملونة على مفاتن فلسطين ومدينة القدس)

 

لوحات الفنانة التشكيلية الفلسطينية أحلام الفقيه التصويرية هي أشبه بسجادة فلسطينية الرؤى والرؤيا، حافلة بزخرفات اللون وتمازج الخطوط المتواجدة فوق سطوح خاماتها، مسكونة بفلسطين الوطن والتاريخ والجمال والتراث والإنسان، وتصل من خلالها إلى رسم معالم الحب والجمال والطبيعة وذاكرة المكان والود والكرامة وإنسانية الإنسان، مُغردة في فضاء الحرية، وتقاسيم الأمل المُشتهى على خُطى التحرير ودروب العودة المنتظرة. تفتح بوابة الشمس المشرعة على مصراعيها، وتستظل بضوء القمر في ليلة ربيعية، وتسهر مع الحقول الفلسطينية وأشجارها وكرومها وورودها، تستدعي جميع جماليات الوطن الفلسطيني وتجمعها في وليمة بصرية واحدة. مُتوحدة الهوى والقسمات في جميل الصور والأشكال التعبيرية المدرجة في متن نشيد انحيازها الرمزي المُعبرة عن الوحدة الوطنية الفلسطينية، بكل معانيها السامية المترفعة عن الأنا الفردية، لتدخل في واحات الأنا الجماعية، التي عنوانها الوطن الفلسطيني المعافى بأبنائه وطبيعته الجميلة وتاريخه وتراثه ونضاله، الموصولة بتباشير الحياة.

تُقدم الفنانة في لوحاتها الزخرفية منشورها الجمالي وبصمتها الوجودية، وانحيازها إلى ذاكرة فلسطينية حبلى بتفاصيل الحياة الحرة الكريمة. تقودك بسلاسة الوصف ومتعة التلقي لتصفح مفاعيل الرؤى وإمكانية التأمل، وتأخذك في رحلة بصرية عبقة، متنقلًا ما بين واحة فلسطين الموصولة برمزية الأرض، والمتدثرة بكسوة فلسطينية خالصة. تستعير رمزية امرأة فلسطينية بثوبها الفلسطيني المطرز تارة، ثائرة، ويدها قابضة على زناد السلاح، ومحاطة بجماليات الوطن التاريخية والطبيعية المعبرة عن سمفونية الوجود. وتارة هي الأم الوادعة الحالمة بأبنائها المتناثرين ما بين حقولها وجبالها وسهولها وأوديتها، وطيورها وورودها، وبيوتًا متوالية لمدائن وقرى، وفي مقدمتهم مدينة القدس كرمزية دينية ونضالية وملتقى المحبة والقداسة.

لوحاتها تختصر الزمن الفلسطيني البائس، وتُزيل أثار الألم وعذابات السنين، وتحكي قصة شعب ووطن فلسطيني مُغتصب، ومُبتلى بعدو صهيوني، عاث فيها ظلمًا وقتلًا وتهجيرًا وتدمير. فالمرآة الفلسطينية حارسة وعينا الوجودي، والأطفال كنزنا المستقبلي في صناعة حياة فلسطينية خالية من العدوان، تُورق في عناصرها ومفرداتها الشكلية، وخطوطها وملوناتها الزاهية والفرحة، تفاصيل الزمن الفلسطيني القادم المحمل بالنصر والتحرير والعودة، تجعلك -كمتلقي- تعيش لحظات التفاؤل بكل سماته وتجلياته، وتقربك خطوة من بلوغ الأحلام، تُوحد الدروب للعقول والقلوب والأحاسيس تصلهم إلى فلسطين، وتفتخر بأنك عربي فلسطيني منتم لأمتك، ولهذه الأرض المعطاءة الولود.

لوحاتها مفتونة بالاتجاهات التعبيرية، والتعبيرية الرمزية بالفن، المحملة بأنفاس التجريد الهندسي لمتواليات العناصر والمفردات. تبني عوالمها الشكلية باتجاهين رئيسين: الأول لوحات مأخوذة في مضامينها وتقنياتها وعجينتها اللونية وتداعيات خطوطها بأساليب القص البصري التعبيري، لحكايات سردية مُستعارة من ذاكرة بصرية حافظة، وقريبة في مواصفاتها التعبيرية، من رسوم الأطفال والكتب ومدوناتها، وعلى صلة وثيقة بالشخوص والأماكن والطبيعة الفلسطينية الغناء.

والثاني: لوحات مشغولة بتجليات الرؤى ذات المسحة الإعلانية متداخلة النصوص والخطوط والملونات، وتجد في تكرار وتواتر الأشكال الهندسية المتناسلة من توليفات الدائرة والمربع والمستطيل والمثلث، وتنويعات الزخرفة النباتية والهندسية والحيوانية، ورمزية الحالة التصويرية والمناخ البصري المناسب لتبيان مدارات لحمتها الشكلية.

في جميع الأحوال، نجد لوحاتها تحمل في أحشائها وكسوتها الخطيّة واللونية وملامحها الجمالية ومحتواها الموضوعي، مسارات رؤى سرد بصري مُتوالدة بيد مُتمكنة من أدواتها وخبراتها التقنية، وذاكرتها العامرة بمحسوس الجمال المنقول عبر تجليات الطبيعة والإنسان الفلسطيني، تُحيك عجينتها اللونية كوحدة عضوية متكافئة، ومتوازنة ما بين جميع النصوص واللوحات المسرودة في مدارات ابتكارها متنوع القسمات. تعتمد الكثافة العددية للرموز المشهودة والعناصر المرصوفة والمفردات التشكيلية في حيز التكوينات، وتفتح الخطى واسعة لتفاعل اللون وتغريده في مقامات التغريبة الفلسطينية.

القدس “المدينة المقدسة” تأخذ المحور البصري في تجاربها البحثية، ومسارات ابتكارها، منذ اللحظات الأولى التي دخلت فيها واحة الرسم والتعبير عن مكنونات النفس، وذائقتها البصرية وملامح أوصافها السردية التي وجدت فيها ذاتها الفنية والإنسانية، كمواطنة تنتمي إلى وطن وذاكرة مكان حافلة بالجماليات، جعلت من فنها ومنتجاتها التصورية منصة جذب وإدهاش لعين المتلقي وعقله، وتشده إلى واحة التأمل والمقاربة ما بين المحتوى الموضوعي والشكلي التقني، الجامعة لرقص الخطوط والمساحات والملونات. فالقدس مسقط رأسها وموطنها، ولها الأفضلية في بوحها البصري، التي تجود بها في عشرات اللوحات التي تصل الأوابد التاريخية المكانية الطبيعية، بالمقدسة، وبالشخوص في توليفة شكلية راقصة بالملونات، تُبرز مكانتها وقداستها المسكونة في عقول العرب والفلسطينيين، وخصوصًا المسيحيون والمسلمون. تتقدم المشاهد المرسومة صراحة ورمزًا، وتأخذ من المسجد الأقصى عمومًا، ومسجد قبة الصخرة خصوصًا، منارات شكلية مُعبرة تسبكها في استعارات بصرية لافتة لمجاز وصفي، وحُبلى بالتوليفات الزخرفية والحاشدة لعناق المكونات والملونات داخل متن كل لوحة من لوحاتها. تجد فسحة تأليف شكلي للبيوت المقدسية القديمة العامرة بتذكارات الوطن والمواطنين وأحلامهم، كحلة جمالية مُضافة تمنح جماليات المشهد السردي قيمًا شكلية وكسوة رمزية ومعنوية جديدة، وتغدو كأنها مجموعة متآلفة من المكونات والتعبيرات والمفردات في سياق “بانوراما” زاخرة مطوقة بغنائية العناصر واللون، تصلح أن تكون خلفيات لمسرحية هنا، وحكاية فلسطينية هناك.

يغدو المسجد الأقصى ومسجد قبة الصخرة في القدس في لوحاتها، بمثابة المعادل الموضوعي لجميع تجليات القول البصري المنثور في هندسة عمارة اللوحات، وأشبه باللازمة الموسيقية التي لا غنى عنها في واحة ابتكار الفنانة، وضرورة فنية وتقنية ومحتوى موضوعي في سياقات بوحها الجمالي، وتتقصد ذلك لتُبقي المتلقي العابر والسابر والناقد والصحفي، في حالة اتصال وتواصل مع مُبتكراتها ورسالتها الثقافية الجامعة. فكرة ورؤى وتقنيات وأساليب تعبير وتوصيل بصري، كحزمة سردية ومعرفية واحدة ومُتكاملة، تود نشرها بين الأحبة والمهتمين، وتُظهر أوجه النضال الفلسطيني المشروع للرجال والنسوة على قدم المساواة، تجد لها في البندقية المقاتلة وسيلة مفيدة ومناسبة لإحقاق الحقوق الوطنية الفلسطينية، وتضمن للقدس عزتها وانتماءها.

لوحات تصوغ الحالات الإنسانية، في موسيقى بصرية سانحة لتغريد الطيور، وملونات خارجة للتو من رحيق الأزاهير الفلسطينية المتعددة، طيبة الرؤى والرائحة والمنظر، تسكن أحاسيس الفنانة انعكاسًا لروحها المرحة والمتفائلة، ونفسها التواقة للجمال والحرية، تُعيد صياغتها قناديل ملونة بتفاصيل الأم والبهجة والسرور، والقول البصري المعلن: إن فلسطين من شمالها وجنوبها وبحرها ونهرها أرض مُباركة تستحق الحياة الحرة الكريمة، بلا صهاينة ولا غزاة ولا عملاء. فلسطين النقية الطاهرة كدماء الشهداء المتحلقين في مقامات ليلة فرح فلسطيني.

تقنيًا، تعاملت مع اللون وتداعيات الخطوط والمساحات الحاضنة بخصوصية تقنية شديدة الخصوصية، ومن الغنى الشكلي الموصول بغنائية الملونات، وكأنها تنسج قطع نسيجية حافلة بتناغم اللون وسطوته في جميع اللوحات. تُشكل دائرة الألوان الرئيسة: ثلاثية الأساسي (الأحمر والأصفر والأزرق)، وثنائي التناقض اللوني المساعدة (الأبيض والأسود)، المناهلَ الجوهرية لسبك عجينة ملوناتها المشتقة، تناغمًا وانسجامًا وحِدة لونية كثافة وامتدادًا وشفافية، تقسم اللوحات إلى كتل لونية متوازنة. تستعير الزخارف من الأشجار والورود والأزهار الفلسطينية حينًا، ومن زخارف التراث الفلسطينية المتناسلة من الأثواب الفلسطينية حينًا آخر. ومن عالم الأسرة والنسوة والطفولة، تنهل رمزية الأشكال المحورة دلالة وشاهدًا على تواصل الأجيال، من خلال علاقتها الجدلية مع حديث الأرض الفلسطينية التي تستحق أجمل حياة.

الفنانة التشكيلية الفلسطينية أحلام الفقيه، من مواليد مدينة القدس، عام 1979. عايشت الفن منذ نعومة أظفارها، إذ إنها زارت إيطاليا، وهي طفلة تبلغ من العمر سبع سنوات، وبقيت فيها نحو خمسة أعوام، تمكنت من مشاهدة فنون النهضة الإيطالية. خريجة كلية الفنون الجميلة بجامعة القدس، قدمت نفسها كفنانة محترفة في عدة معارض فردية، وشاركت في العديد من المعارض الفنية التشكيلية الفلسطينية الجماعية.

 

[av_gallery ids=’107544,107545,107546,107547,107548,107549,107550,107551,107552,107553′ style=’thumbnails’ preview_size=’portfolio’ crop_big_preview_thumbnail=’avia-gallery-big-crop-thumb’ thumb_size=’portfolio’ columns=’5′ imagelink=’lightbox’ lazyload=’avia_lazyload’ custom_class=”]

مقالات ذات صلة

إغلاق