أدب وفنون

بين الصورة والحقيقة

 

يبدو أن فلسفة الكتابة، عند كثير من الكتّاب السوريين، قد اتسمت بالتعبير عن الواقع والتقمص لشخصيات الشهود عند كل دليل، ولعل هذا ما يبدو جليًا في المجموعة القصصية للكاتب مصطفى تاج الدين موسى، وهي بعنوان (مزهرية من مجزرة)، فالملاحظ في هذا العنوان أنه قد صوّر الواقع تصويرًا حسيًا لحظيًا، ينمّ هذا التصوير عن دراية واتصال بالواقع، عبر أقوال وأحاسيس ومشاعر منقولة للقارئ من نصّ الكتابة إلى النصّ الصُّوري الذي يتشكّل في مخيلة القارئ ومتلقي النص.

(مزهرية من مجزرة) الكتاب الذي صدر عن (بيت المواطن) للنشر والتوزيع، بدعم من جمعية مبادرة من أجل سورية جديدة -باريس- عام 2014، وحمل الرقم سبعة، طاف فيه مصطفى تاج الدين موسى على مشاهد الحرب ملتقطًا في كل مرة التفصيل الأكثر دقةً، ومحوّلًا بذلك هذه المشاهد إلى واقع لا تستطيع مخيلة القارئ تجاهله؛ لأنه يمسُّ روح القارئ، وجوهره، فالواقع المعيش يعبّر بقدر كبير عن تلك المشاهد والصّور الظليلة، كما وردت في نصوص هذا الكتاب.

عند قراءة هذه النصوص القصصية؛ يساورك شعور بالنقلة المكانية، وتلك المشاعر التي تعتلج صدر وداخل وعمق كل إنسان عاش أو عهد مشهدًا من هذه المشاهد المؤلمة، فالكاتب في أسلوبه قد تفرّد بعناوين تضع القارئ في حيرة وتساؤل عن سبب اختيار الكاتب لها، ولعلي أذكر لكم منها على سبيل المثال: “غبار على الخيال، ابتسامات شاحبة، أثناء الضباب، الرجوع إلى الرقص، إعلانات ذبابية، مزهرية من مجزرة”، وغير ذلك من العناوين التي تضع مفاتيحها للقارئ ومتلقي النص للبحث عمّا يتموضع خلف هذه العناوين، وذلك بأسلوب ساخر في بعض الأحيان، وبأسلوب حزين في أحيان أخرى، تجعلك تأخذ فرصة، لتذكر ما مر بك من مشاهدها فتجهش بالبكاء، ثم المتابعة.

من أساليب الكاتب التي نسج بها بعض قصصه في هذه المجموعة، الأسلوب الأدبي الحديث: “الأنسنة”. والأنسنة هي جعل الجماد ينطق بحال الإنسان، ويشعر بشعوره، ويحس بما يحس، فيصيبه حالة من الفرح والحزن، حاله حال الإنسان الذي يعبّر عنه في الصورة المتحركة، فيشاطره المشاعر والأحاسيس، ونجد ذلك في قصة بعنوان “فخر واعتزاز” فقد صوّر فيها الكاتب حال القذائف التي اجتمعت في حوار من الأنسنة، ونطق كل واحدة منها بلسان حالها من شنيع الأفعال والتدمير؛ إذ قالت القذيفة الأولى، وهي الموصوفة بأنها ذات الأسنان المسوسة: “أنا قتلت تسعة أشخاص”، بينما كان جواب القذيفة الثانية وهي صاحبة الندبة في جبينها: “أنا قتلت ثلاثة عشر شخصًا”. وعلى ذلك استمر حوار الفخر والاعتزاز بين القذائف في أسلوب من النزعة الفوضوية، من عدم المبالاة وموت للمشاعر المثلجة، وكذلك حديث وحوار القذيفتين الباقيتين الثالثة والرابعة، والكاتب من خلال هذا الحوار أنطق القذائف بلسان حال بعض الشخصيات التي تلعب دورًا دمويًّا في مثل هذه المشاهد، وبيّنَ تحوّل الجماد غير المدرك للواقع والفوضى إلى متحرك صاحب نزعة وفخر بالخراب والكراهية، وهي حاسة سلبية؛ فثمة كلمات وحوارات تلوّح بشعور الحزن، والذي يظهر من خلال صور القتل والدمار، ونشر رائحة الموت والهلاك في كل الأصقاع، وجميع الأرجاء.

مَنْ يتجوّل ويقرأ هذه النصوص؛ يستشف ويعلم حقيقة العلم بجمالية التوظيف الرمزي عند الكاتب، فالرمز عنصر أساس في كثير من حوارات الكاتب القصصية، وهو أسلوب ينمُّ عن عمق وقدرة على إدارة الحوار وفق الوجهة المطلوبة، والغابة المنشودة، ونضرب لذلك عددًا من الرموز، ومنها قوله في قصة (سندريلا): “من بعيد لمحها جنود الملك، فطاردوها بحنق بين الأزقة، لكنها اختفت فجأة”. وفي قصته (كلمة تاريخية): “ارتبك الزعيم كثيرًا، فهو لم يجهّز نفسه لهذه الإطلالة”. ومن الرموز التي عبرت أجمل تعبير عن هدم الإرث من مساجدَ ما ذكره في قصته (تذكار) وهو يصوّر الدبابة: “دخلت المسجد بهدوء…. توضأت بدماء المصلين، ثم سجدت بخشوع لله رغم بدانتها بمساعدة كريمة من أشلاء من حولها….. فقط للذكرى أخذت معها المئذنة”. وهذا ما اندرج عليه أسلوب الكاتب الرمزي في كثير من قصص هذه المجموعة، وفق نمط لإعمال الفكر وإطلاق العنان والتحليق بالمخيلة بالتطواف في أزقة الواقع المرير.

ولعلّ من نافلة القول: إنّ هذه المجموعة هي خير تعبير وتصوير للواقع المعيش زمن الحرب، فالموت يعشعش في المقطوعات الحزينة، والتي يعزفها صاحب هذه الشهادات، يختبئ بين الكلمات، خلف السّطور، تحت الفواصل والنقط… فالكاتب أبدع في هذه النقلة القصصية الجميلة التي تجعلك تعيش إبان اللحظة المشهودة، كأنك طرف من أطرافها، بل إن جوهرها يلامس قلبك بصورها، وتسيل دموعك بكلماتها، وذلك بين حوار داخلي وخارجي، ينتقل فيه بسلاسة تارةً، وبين سماع لأصوات شخصياتها تارةً أخرى، وهذا الواقع الذي ينقله على جسر من الدم، وتفاصيل من القلق المشهود، بكلمات الشاهد، بين الوطن والغربة.

مقالات ذات صلة

إغلاق