مقالات الرأي

الدين والعنصرية

 

كانت السيدة المسنَّة تهمس لإحدى زميلاتي في النادي الاجتماعي الذي أنتمي إليه: “أهذا الرجل بروستانتي؟”. لكن همسها وصل إلى أذني قبل أن تجيب زميلتي: “لا أعرف، لا يمكنني توجيه سؤال كهذا إليه، تعلمين أنه مخالف للقانون”. وقد قلت لزميلتي بعد ذلك مواربًا: “قولي لها إنه من جماعة الإنسان”.

ذلك السؤال يشبه سؤالًا مشابهًا وجهه لي زميل آخر في مدرسة تعليم اللغات، وهو لبناني وامرأته التي تجلس إلى جانبه محجبة: “منين حضرتك بسورية؟”، ثم “منين من الشام؟”، وكان واضحًا لي أنه يحاول معرفة ديني وطائفتي مسترشدًا بعنوان سكني، ولقد ضلَّلته كما ضلَّلت السيدة من قبل، فأجبت: “ليس من مكان محدد، فأنا تنقلت بين كل أحياء دمشق”، وفي الحالين كان الدافع واحدًا، وهو: تعصّب الإثنين كل لمجموعته الطائفية، لتمنحه شعورًا بالقوة على حساب المجموعات الطائفية الأخرى.

يشعر الشخص الطائفي أن المرجعية الثقافية لطائفته تختصر الحقيقة كلها، وتحتوي أيديولوجيا متكاملة، ومنهاج عمل يصلح للدنيا والآخرة، وأن مرجعيات الطوائف والأديان الأخرى ناقصة في أحسن الأحوال، وغالبًا ما يعتبرها ضالةً ومارقة، وهكذا يزرع شيوخ ورهبان الطوائف في رؤوس أتباعهم، وبخاصة اليافعون والأطفال الذين سيتحولون إلى آباء وأمهات، بذور العنصرية تجاه مكونات المجتمع الأخرى، ثم يأتي القادة العسكريون والسياسيون الذين تمكنوا من ناصية السلطة، ليستغلوا تلك النزعات العنصرية التي تفرق الناس ليتلاعبوا بعواطفهم، ويقودونهم كالقطعان إلى تحقيق أهدافهم، في بسط نفوذهم الطاغي واستنزاف طاقاتهم ونهب خيرات البلد.

باعتقادي، أن معركة تحقيق دولة المواطنة والحرية التي تساوي بين الناس في الحقوق والواجبات، تبدأ من محاربة الفكر العنصري، وأساسه الرئيس هو التعاليم الدينية والطائفية التي تأخذ تفكير النشء إلى منحى واحد، لا يرى خير الدنيا والآخرة إلا فيه ومن خلاله.

في عام 1059 عقد البابا أوربان الثاني اجتماعًا لرجال الدين، في مدينة كليرمونت فران الفرنسية، واتفق معهم على ضرورة فتح طريق الحج إلى بيت المقدس، بهدف القضاء على حكم المسلمين الذين دمّروا كنيسة القيامة عام 1009، بأمر من الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله، وذلك تحت راية الصليب (وهو ما سمي بالحروب الصليبية) لتحقيق إرادة الرب، لكن تلك الذريعة تراجعت، لتصل إلى حدّ تدمير كنائس الطوائف المسيحية الشرقية، وقتل معظم المسيحيين في مدينة القسطنطينية، خلال الحملة الصليبية الأولى والرابعة على أيدي الصليبيين أنفسهم.

الحرب الأهلية في الولايات المتحدة التي حدثت في الفترة من 1861 إلى 1865، وأدت إلى مصرع حوالي سبعمئة ألف شخص، وبالرغم من عنوانها الرئيس وهو تحرير العبيد بين مؤيد ومعارض، فإن رجال الدين من الطوائف الرئيسة، وهي (الميثودية، المعمدان، والكنائس المشيخية)، انقسموا بين المؤيدين والمعارضين، وقسموا معهم طوائفهم، وأعطوها تسميات جديدة.

تستمد كل طائفة طاقةَ العمل القوية، من تفسيرها للميثولوجيا الخاصة بها (النصوص المقدسة) والتي تحتوي حقائق الكون ومخلوقاته، وكل ما يحتاج إليه الناس لتنظيم حياتهم وتصريف شؤونهم الدنيوية، مثلما تحتوي طقوس العبادات والشعائر التي تؤدي إلى الجنة. ينطبق ذلك على كل الأديان، وعلى كل طائفة أيضًا. هذا يعني أن كل طائفة تملك الحقيقة المطلقة، من وجهة نظر معتنقيها، وهو يعني في المحصلة أنْ لا وجود للحقيقة المطلقة، طالما أن لها تعريفات مختلفة ومطلقة. فإذا ما استطاعت إحدى تلك الطوائف السيطرة على السلطة؛ فإنها ستفرض حقيقتها المطلقة على بقية الطوائف، فيحدث الصدام، أو أن بقية الطوائف ستخضع مرغمة للطائفة الحاكمة بالقوة الغاشمة، وستعمل طائفة السلطة على استثمار معظم مقدرات الدولة لحماية نفسها بكل الوسائل التي تكفل لها دوام الحكم، ومن تلك الوسائل تجنيد قادة الطوائف الأخرى، بالترغيب والترهيب، ليكونوا عونًا لها في إخضاع رعاياهم، من خلال تفسير جديد لنصوصهم المقدسة لتُساير حال الضرورة.

في إيران، بعد نجاح الثورة؛ قامت السلطة في إطار حكومة ثيوقراطية (دينية) باعتماد دستور صدر عام 1979، وعُدّل عام 1989 حدد بموجبه النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي لجمهورية إيران الإسلامية، مُعلنًا أن الإسلام هو الدين الرسمي للبلاد، والشيعة الإثني عشرية هو المذهب الرسمي للحكم، وتقلد منصب المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية آية الله  روح الله الخميني قائد الثورة، ثم تقلده بعد وفاته آية الله علي الخامنئي، وتنص المادة 110 من الدستور على مهام القائد وصلاحياته، وهي: تعيين السياسات العامة لنظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية، بعد التشاور مع مجمع تشخيص مصلحة النظام والقيادة العامة للقوات المسلحة، وتنصيب وعزل وقبول استقالة كل من فقهاء مجلس صيانة الدستور، أعلى جهة مسؤولة في السلطة القضائية، ورئيس مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الجمهورية، ورئيس أركان الجيش، والقائد العام لقوات حرس الثورة الإسلامية، والقيادات العليا للقوات المسلحة وقوى الأمن الداخلي، ومن صلاحياته أيضًا: حلُّ الاختلافات وتنظيم العلاقات بين السلطات الثلاث، وحلُّ مشكلات النظام التي لا يمكن حلها بالطرق المتعارفة، من خلال مجمع تشخيص مصلحة النظام، وتوقيع حكم تنصيب رئيس الجمهورية بعد انتخابه من قبل الشعب. وكل ذلك يعني سلطة مطلقة لممثل السلطة الدينية الإسلامية، وتحديدًا السلطة الشيعية الإثني عشرية.

يقابل ذلك أيضًا، في أكثر من بلدٍ أكثريته تدين بالإسلام، صلاحيات مشابهة تعطى للملك أو الرئيس، وفق دستور ينص على أن دين الدولة الإسلام، وإن لم يُذكر المذهب صراحة، لكنه متضمن ومعروف، مثل: الوهابية، والمالكية، والحنبلية، وغيرها.

إن المعضلة التي تواجه المفكرين المعاصرين ما تزال نفسها تلك التي واجهت مُفكّري النهضة في أندلس الإسلام، كما في عصور التنوير في الغرب المسيحي، وإنْ بصورة أقل وطأة وخطرًا على حياتهم، تلك المعضلة تتمثل في كيفية إقناع أتباع الطوائف المختلفة بأنه لا يمكن لأي طائفة أن تُحقق العدالة والمساواة بين جميع أفراد مجتمع الدولة؛ إذا ما استأثرت بالحكم معتمدةً ميثولوجيتها الخاصة، لأن من المستحيل على بقية الإثنيات قبول أيّ نظام لا تكون مرجعيته نصها الديني المقدس أيضًا، والقناعة نفسها عند الجميع، وهي امتلاك ذلك النص للحقيقة الكاملة. إن العدالة لن تتحقق إلا بدستور وقوانين وضعية مدنيّة، تناسب العصر من جهة، وتساوي بين جميع الناس، بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية والعرقية والقومية، من جهة ثانية.

مقالات ذات صلة

إغلاق