أدب وفنون

متحف للدم الحار

 

نجوت من الحواجز وحراس الحدود وغدر البحر والجبال والغابات والمهربين، ووصلت، بعد كل شيء، إلى مكان آمن. وما زلت، رغم مرور الزمن، يلازمك اضطراب القلب حين ترى سيارات البوليس هنا، في منفاك أو قل في مفرّك أو مهربك. لكنك تطمئن، بعقلك ووعيك على الأقل، إلى أنك أصبحت خارج مجال تلك الشبكة الرهيبة المنصوبة في كل مكان من بلدك لغرض اصطيادك. يريحك شعور الاطمئنان هذا، ولكنه يحرض فيك، في الحين نفسه، شعورًا آخر مضادًا للرضى الذي تولده التضحية، شعورًا بالهزيمة. يضاف هذا الشعور الثقيل إلى شعور الغربة والانقطاع، وإلى ثقل الشعور باكتمال حرمانك من بلدك، حين يقال لك إنك تستطيع زيارة كل بلدان العالم سوى بلدك.

في المكان الآمن خارج بلدك، أنت تُعرّف بدلالة مأساة. أنت شظية من مأساة، وتكون مطابقًا لذاتك أكثر، كلما كنت تحمل عناصر المأساة في شخصك أكثر، في قصتك، في حديثك، في ردّات فعلك، في نظرة عينيك، وحتى في ملابسك، أي كلما كانت الشظية المأسوية مشبعة أكثر بعناصر مأساتها الأم. يختفي انتماؤك إلى سورية وراء انتمائك إلى المأساة السورية، أنت ابن المأساة السورية أكثر مما أنت ابن سورية. لا عمق لك، ولا تنفتح دروبك إلا على النكبة التي أوصلتك إلى هنا وصارت عنوانك الأول. لا تنتسب إلى التاريخ القديم لسورية أو إلى العراقة المشهودة لدمشق، أنت تذكّر فقط بالمأساة السورية الحية، هي أمك التي نبذتك، وأتاحت لك، في الفعل نفسه، الأمان الذي يشبه ثمن الدم، ثمن عام لدم عام. ثمن يتقاسمه السوريون الذين نجوا. لأن إخوة لهم قُتلوا ويقتلون، ماتوا ويموتون، أصيبوا ويصابون، سجنوا ويسجنون، حوصروا ويحاصرون، فإنهم يكتسبون حقًا شاحبًا في الحماية.

في هذا الحال، ما يبعث فيك خجلًا ما، أو ظلًا غامضًا من العار. فيه ما يقلل من انتمائك السوري رغم أنه يشدد عليه. تنال حق الحماية لأنك سوري، وتخسر شيئًا من سوريتك حين تنال هذا الحق. لعل الشعور العميق بهذه الخسارة هو ما يدفع السوريون إلى تأكيد انتمائهم بصيغ مختلفة تتحول إلى ما يشبه الطقوس الانتمائية.

كلامك عن سورية، بوصفها “مهدًا للحضارات”، فيه محاولة يائسة لاستعارة قيمة من الماضي السحيق، من أجل ترميم قيمة الحاضر المهشمة، أو من أجل التحرر، ولو قليلًا، من عباءة المأساة التي ترميها عليك العيون الأجنبية. كلامك عن “قضية” سورية هنا، لا يبدو أكثر من محاولة تعيسة لوضع قناع رزين على جرح ينزف.

لك أن تضيف “قضيتك” إلى متحف القضايا هنا. الندوات واللقاءات ليست سوى سوقًا أو معرضًا لهواة القضايا، “لسائح يعشق جمع الصور”. سوف تجد من يستمع ومن يتأثر ويتعاطف، من يوافق ومن يجادل في المسؤولية الكونية عما يجري، وفي نهاية “العرض”؛ يخرج الجميع كمن يخرج من فيلم، لتبقى قضيتك حيث هي في متحف القضايا. قد تجد هذه القضية الجديدة ترحيبًا، بوصفها قضية جديدة في هذا المخزن المعتاد على إيواء القضايا “الوافدة” وعرضها في فاترينته، ثم تحويل طاقتها السياسية إلى طقوس احتفالية، كما تتحول الحياة التي يتجاوزها الزمن إلى فولكلور.

مهما كان دم قضيتك حارًا؛ فإنها هنا مُتجاوَزة، ومن زمن آخر، من زمن فولكلوري. البعد المكاني يعادل بعدًا زمنيًا أيضًا. الشعر والمسرح والغناء والزي والرايات والأشكال التعبيرية الأخرى المعبرة عن القضية، لها مكانها في الجناح الخاص بقضيتك الأم. ندوات الفكر والتحليل لها مكانها في الجناح أيضًا. قليلون من يشترون قضيتك، إنهم يشترون مأساتك بالأحرى. لا تدخل قضيتك إلى مجال الاهتمام إلا من باب المأساة، أو قل إنها تدخل كمأساة. يصغي إليك المهتمون أو الهواة الممكنون، كمن يصغي إلى شكوى من يحتاج إلى مساعدة، وليس كشركاء في مأساة “كونية”، اختارت بلدك بؤرة لها اليوم.

لا تعثر على الجسر السياسي الذي يصلك مع هؤلاء “الإنسانيين”. حين تتكلم عن المسؤولية العالمية في ما يصيب بلدك. تبدو في عيونهم، كغريق يريد التمسك بأحد لينجو به أو يغرق معه. تريد أن تثبت لهؤلاء إنه “بلد واحد هو العالم”، إن هناك جسرًا سياسيًا يوحد القضايا، يمكن رؤيته مثلًا في الانعكاسات الممكنة لمأساة بلدك على العالم، في نشوء بيئة للتطرف، في التهديد الإرهابي الذي يعبر الحدود، في موجات اللجوء التي تثقل على كاهل الدول “الآمنة”، لكنك تبقى خارجيًا، وتبقى قضيتك معزولة في “غيتو” القضايا.

تقول في نفسك: حين يضطر شعب إلى الخروج من وطنه، تحت ضغط نكبة ما؛ فإن قضيته تسبقه إلى اللجوء، وتتحول إلى قضية محمية، ولكن في مجمع أو معرض أو متحف “آمن”.

 

*اللوحة للفنانة السورية زاريا زردشت

مقالات ذات صلة

إغلاق