أدب وفنون

عزاء وتهنئة!!

 

ما اعتقد أبو أحمد أن يومًا سيجيء وينخلع الكرسي فجأة.. ويقع وقعة “نضالية” قاسية.. فما صدّق.. تمسك المسكين بذلك الكرسي، نافخًا أوداجه، متصورًا أنه خلق له، وأنه الأبقى والأنقى والأذكى والأجدى… فترهل تصريحات وأوهامًا، شرّق وغرّب في مواويل الثورة. صرخ وأعلن. بالغ وطنطن… ونفش ريشًا لمّعه ببذلة عسكرية تعيد “مجده الغابر”، وقد أثقلتها تلك النياشين التي تعبّر عن انتصارات لم يكتبها التاريخ!

هو الذي يعلن، على الطالع والنازل، أنه كان.. وكان.. وانشقّ عن قناعة وإيمان، وخاض كثيرًا من معارك التحرير.. انتصر في أغلبها، في حين يستحيل أن يعترف أنه هُزم، وإن كانت الهزيمة ساحقة، حينها يضع اللوم على الغير. يتشعّب الغير فلا يكتفي بمن معه من الضباط والجنود، بل يذهب بعيدًا إلى الدول الشقيقة والصديقة، ويتوقف مرّات عند أمريكا يلعنها (من قلبه- كما يردد) ويروح يسرد تاريخ علاقتها بالعرب والثورة السورية.. ثم يتفّ بلا وعي، فيمسح بقايا ما نثرة بكمّ بذلته العسكرية وقد نسي الحالة الاستعراضية، والحرص على إبقائها نظيفة، مكوية، أنيقة!

فجأة دون مقدمات جاء قرار بـ “عزله”، واستبداله بآخر “مدني”؛ فاكتأب.. وكاد يُغشى عليه، وفجأة انتفض في ما يشبه الحمى.. نوبة من الشتائم ذات العيار الثقيل، وكلمات سوقية لا تليق بتلك المكانة التي كان فيها.. ثم أمسك بالكرسي المسكين، وألقى به من شباك الغرفة فراح يفتل ثم يتدحرج، ثم يتناثر أشلاء..

قال صحب ليسوا صحبًا: يجب إقامة عزاء للمعزول لمواساته والتخفيف عنه.. وبين الجد والسخرية، وُضعت عوارض خشبية في صالون طويل على عجل، وطاولة مهتزة، لأنها فقدت توازنها.. وكان أبو أحمد ما يزال، بعد تحطيم كرسيه، يجلس على كرسي آخر مكرمشًا، وقد وضع كلتا يديه على خدّيه، بينما ينهمر دمع يُحرج كبرياءه، ويزداد غزارة مع هذه التعزية التي شكّ بغاياتها واعتبرها شماتة، ونوعًا من التشفّي به، خصوصًا أن بعض منافسيه ومنتقديه السابقين، والمنافقين تقدّموا ركب المعزين وقد تزاحموا، وتعايطوا فيمن يكون الأول.. فانسلّ شاعر المناسبات من بين الجميع، ونجح في أن يكون الأول، وقد أخرج ورقة طويلة من جيبه الداخلي، وبعد كلمات الاعتذار على السرعة في كتابة القصيدة، المرثية.. راح يتلو أبياتها الاختلاطية التي اعتبرها أبو أحمد شتائمًا ثقيلة، ونقدًا جارحًا بقالب المديح.. كأنه ليس هو ذلك الشاعر الذي كان يطجّ القصائد الطوال إشادة بخصاله وبطولاته، وفرادته.. فما أحس أبو أحمد إلا بموجة انفعال سيطرت على هيبته التي كانت، وهجوم مفاجئ على الشاعر والمعزين.. وقد صفع الشاعر وركله، وراح يدفّش الآخرين لإخراجهم.. وسط سيل من الشتائم “العفوية”.

***

في الوقت نفسه، كان القسم الآخر من القاعة قد رتبّ بشكل أنيق وفاخر، لاستقبال القائد الجديد مهنئيه، بطول يبلغ ثلاثة أرباع القاعة.. وقد وضعت أكاليل الغار وأشرطة الزينة، وتوسط الطاولة الكبيرة قالب فاخر من الكاتو الذي لفّ بعلم الثورة..

المعزون نفسهم -تقريبًا- تحولوا إلى مهنئين. حالة التزاحم نفسها، لكن خبيثًا أدرك سبل الشاعر في التسلل، فوقف في طريقه حتى كاد يمرجحه.. وعلى الرغم من أن الشاعر تمرّجح في الهواء، وتجعلك لباسه وهندامه، وسبقه عدد من “الوقورين” للتهنئة؛ فإنه أصرّ على إخراج قصيدة أطول من تلك.. مرددًا كلمات الاعتذار المسبق ذاتها عن العجلة وتزاحم الأحداث، مع فارق أنه بدأها بأسطر من السجع التبجيلي الذي يعدد مناقب الجديد.. ثم تلاوة تلك القصيدة “الصميدعية” التي راح يتلوى معها، ويتفاعل إلى درجة أنه كاد يقع أرضًا، لشدة الانفعال والاندماج… وسط تصفيق منافق من الحضور.. وتململ من القائد الجديد، بسبب أن وقته الثمين لا يسمح بضياع الوقت على هكذا “مظاهر”، وأنه لا يحب ولا يقبل تمجيد الأنا، ولا الإشادة به.. لأنه ابن الشعب والثورة، وهو أولًا وآخرًا “منكم وإليكم”. قالها بتصميم كبير وبصوت شبه مخنوق..

مقالات ذات صلة

إغلاق