ترجمات

صحيفة نوفايا غازيتا: “الوضع في إيران ثوري من حيث المبدأ”

الصورة: سلام بكس/ عباس برس/ تاس

تجري في كافة أنحاء إيران تظاهرات مناهضة للحكومة، فما الذي يجري، ولم هذا الأمر مهم؟

قبيل رأس السنة الجديدة، في الـ 28 من شهر كانون الأول 2017، بدأت في ثاني أكبر المدن الإيرانية (مشهد) احتجاجات مناهضة للحكومة. وخلال بضعة أيام امتدت الاحتجاجات إلى بقية مدن البلاد، بما في ذلك العاصمة طهران. وقُتل خلال التظاهرات المستمرة منذ أسبوعٍ أكثر من 20 شخصًا، واعتُقل المئات. وفي أثناء ذلك، تغيرت مطالب المتظاهرين الاقتصادية، لتتحول إلى مطالب سياسية: بدأت الجماهير تطلق شعاراتٍ مؤيدة لآل بهلوي الذين أُسقطوا عام 1979، وشعاراتٍ ضد القيادة الإيرانية الحالية، وعلى رأسها آية الله خامنئي. وطالب المتظاهرون أيضًا بحرية وسائل الإعلام، بفصل الدين عن السياسة، وباستقلال المحاكم، ووصل الأمر إلى المطالبة بإجراء استفتاءٍ حول إلزامية وضع الحجاب.

من جانبها، اتهمت السلطات الإيرانية دولَ الغرب بتنظيم الاحتجاجات. فقد أعلن القائد الروحي آية الله خامنئي: “في الأيام الأخيرة، استخدم أعداء إيران وسائل عديدة، بما في ذلك الأموال، السلاح، السياسة والاستخبارات، لخلق مشكلةٍ في الجمهورية الإسلامية”. كما أن سكرتير مجلس الأمن القومي الأعلى ذكر أن الولايات المتحدة الأميركية، بريطانيا والمملكة العربية السعودية، تقف وراء المتظاهرين. في حين سارع نائب رئيس الأركان مسعود الجزايري إلى طمأنة مواطنيه بالقول إن الولايات المتحدة الأميركية قد فشلت في إثارة التمرد في إيران. واتضح أن الرئيس الإيراني حسن روحاني كان الأكثر تحفظًا في تقييمه للأحداث، حيث قال: ليس كل من نزل إلى الشارع يقوده الأجانب “هناك من يحتج، انطلاقًا من إحساسه الخاص، ونتيجة المشكلات الموجودة”.

بشكلٍ أو آخر، قيادة البلاد واثقة من انتهاء الاحتجاجات قريبًا. وللوقوف على ما يجري، تحدثت صحيفة (نوفايا غازيتا) مع بعض الخبراء لمعرفة الأسباب، وآفاق هذه الحركة الاحتجاجية في إيران.

  • هذه الاحتجاجات كانت متوقعة، ولكن لم يكن أحدٌ يعرف متى ستندلع. كانت الجولة السابقة عام 2009، عندها كانت الاحتجاجات مرتبطةً بفوز محمود أحمدي نجاد بالانتخابات الرئاسية، وبفرض عقوباتٍ (على خلفية البرنامج النووي). أما دورة الاحتجاجات الحالية، فهي ترتبط بنتائج تلك العقوبات وبسياسة طهران، التي تزيد وضع المواطنين الإيرانيين الاقتصادي سوءًا. على سبيل المثال، فإن الحملة السورية التي انخرطت فيها إيران -إضافة إلى أنها تتطلب الكثير من الموارد- أودت بحياة الكثير من الشباب الإيراني، وتستمر التوابيت بالوصول إلى البلاد. وعلاوة على ذلك، قد تتعرض إيران لموجةٍ جديدة من العقوبات.

نضجت ظروف الاحتجاج منذ زمنٍ بعيد، ولكن يصعب هذه المرة تحديد الشرارة التي أشعلتها.  الوضع من حيث المبدأ وضعٌ ثوري، لأنه بدأ بمطالب اقتصادية واجتماعية، ولكنه تحول بسرعةٍ كبيرة إلى مطالب سياسية جذرية: تغيير السلطة. الأمر يختلف عند الحديث عن مدى قوة إمكانيات الحراك لتحقيق هذه الأهداف. في دول الشرق الأوسط، تعتبر المشاعر، الشغف والحمية عوامل تأثيرٍ حقيقية خلافًا لدول أوروبا وروسيا، أي أن إطلاق النار على المتظاهرين المدنيين يمكنه أن يرفع بشكلٍ كبير عدد المشاركين في الحركة الاحتجاجية، وقد لا تزداد، إذا بدأ ضغطٌ أكبر. في الأيام القليلة المقبلة سيكون الحديث ممكنًا عن مدى قوة إمكانية المتظاهرين، ولكن هكذا -بالضبط- انتصرت الثورة الإسلامية عام 1979. حاليًا، يسير الاحتجاج على الطريق نفسه، ولكن ليس بالقوى ذاتها. ولكن القوى حينذاك، تزايدت خلال مرحلة اهتزاز السلطة أيضًا.

الوضع في إيران هو حدثٌ مهم بالنسبة إلى منطقة الشرق الأوسط، لا يمكن تصور أمرٍ أكثر أهميةٍ منه. فتغيير السلطة في طهران سيعني خروج فيلق (الحرس الثوري) من سورية، ما سيؤدي إلى سقوط نظام بشار الأسد أوتوماتيكيًا. كما يمكن أن تتغير الخارطة السياسية في المنطقة برمتها.

وستتحول إيران من دولةٍ منبوذة، تواجه الجميع، إلى دولةٍ صديقة لكثير من دول العالم، كما كانت قبل الثورة الإسلامية عام 1979. وفي الوقت نفسه، ستكون روسيا خاسرةً بالمطلق، في سورية بالدرجة الأولى، وفي إيران نفسها، بالدرجة الثانية. في كل الأحوال، يجب على روسيا تأمين وضعها، آخذةً بالحسبان تدهور إيران، وعليها القيام بذلك بأسرع ما يكون، ولكن المسألة ليست على هذه الدرجة من البساطة.

الاحتجاج لا يأتي أبدًا من فراغ، وبالطبع كانت مقدماته موجودة بالفعل. وقبل كل شيءٍ، أثرت الحالة الاقتصادية على الوضع في البلاد؛ حيث أصبحت حالة قسمٍ كبيرٍ من المجتمع صعبةً جدًا (بحسب أغلب التقديرات، يعيش مابين 40-60 بالمئة من سكان إيران، إما تحت خط الفقر، وإما قربه). وعلى هذا الأمر، وضعت آمالٌ كبيرة على سياسة الرئيس روحاني الاقتصادية، وعلى رفع العقوبات الاقتصادية عن إيران (بحسب الاتفاق النووي)، ولكن لم يتحقق شيءٌ من هذا القبيل. وفي الوقت نفسه، أظهرت الحكومة ميلًا لرفع تعرفة الخدمات التي تقدمها للمواطنين!

العامل الآخر طبيعة النظام الحاكم في إيران، وغياب عددٍ كبير من الحريات الاجتماعية. ولكن، لم يكن كل المحتجين قد خرجوا ضد النظام كما هو. يجب أن ندرك هنا أن من مصلحة وكالات الإعلام الغربية الإضاءة على هذا الجانب السياسي بالذات. في الوقت نفسه، كانت القوى المؤثرة في إثارة الاحتجاجات مختلفة تمامًا. هناك من يطالب بتغيير النظام، ولكن العامل الاقتصادي كان السبب الرئيس، بالنسبة إلى غالبية المحتجين.

الكلام عن نهاية الاحتجاجات خلال يومين أو ما شابه هو أقرب ما يكون إلى عبارة عن نوع من التعبير عن تفاؤل السلطات الإيرانية. ما زال الوقت مبكرًا على توقع انحسار الاضطرابات في إيران. قد يستغرق الأمر عدة أيامٍ، وقد يمتد شهورًا ويترافق بموجاتٍ من العنف. العفوية، وعدم التنظيم هي نقاط الضعف الرئيسية في هذه الاحتجاجات. نتيجة تدخل الشرطة والشرطة السرية الإيرانية، تم القضاء عمليًا على أي معارضة منظمة، وستكون آفاق الاحتجاج مرتبطةً بمحاولات التنسيق وإظهار قادة له، غير أن ذلك ليس في الأفق. هناك مقولةٌ تقول: يسمى التمرد الفاشل انقلابًا، والناجح ثورةً، ولهذا يمكن تسمية ما يحدث بعد مرور فترةٍ من الزمن، ولكن ليس اليوم. فنحن ببساطة، لا نرى الصورة العامة لما يجري حاليًا. فالمعلومات التي نحصل عليها تأتي إما من السلطات أو عن طريق وسائل الإعلام الحكومية، مع ما تحمله من وجهات نظر موجهة أو الغربية، ويلاحظ تفاوتٌ كبير بينهما؛ فما تعرضه بعض وسائل الإعلام الغربية يشبه انتفاضة جماهيرية يرافقها الاستيلاء على مبانٍ وقتل ممثلي السلطة، يتبين أنه ليس سوى تجمع صغير، مع أن الاحتجاجات كانت ضخمة بالفعل، في بعض المدن.

أعتقد أن النظام سيصمد. ولكنه سيقدم تنازلاتٍ في المجال الاقتصادي، بعد هذه الاحتجاجات. منذ اليوم، أُعلن أن السلطة قد تعيد النظر في موضوع زيادة أسعار الخدمات، كما أنها سترخي قبضتها في المجال الاجتماعي، كتقديم مساعداتٍ كبيرة لأكثر السكان فقرًا. من جانبٍ آخر، قد تضطر إيران إلى إعادة النظر بنفقاتها الخارجية الهادفة إلى الحفاظ على صورتها، كدولةٍ إقليمية كبرى، ولكن على نطاقٍ ضيق.

يمكن صياغة أحد مطالب المحتجين على النحو التالي: “كفى إطعامًا للخارج”، أي كفى تقديم الدعم للحركات الفلسطينية المختلفة، “حزب الله”، النظام السوري، الذين تنفق إيران عليهم الكثير من الموارد بالفعل. غير أنني لا أعتقد أن القيادة الإيرانية ستتخلى عن تنفيذ هذه الأهداف. وبهذا، لا يجب توقع الكثير من التغيرات على مسار السياسة الخارجية الإيرانية.

من مصلحة القيادة الروسية، بقاء السلطة الحالية في طهران، وإذا تغيرت السلطة هناك؛ فستحل مكانها سلطةٌ أكثر ميلًا للغرب؛ ما يعني في نهاية الأمر إعادة النظر في علاقاتها السياسية مع موسكو.

 

اسم المقالة الأصلية «Ситуация принципиально революционная»
الكاتب فيرا يورجينكو
مكان وتاريخ النشر صحيفة نوفايا غازيتا. 3 كانون الثاني 2018
رابط المقالة https://www.novayagazeta.ru/articles/2018/01/03/75071-situatsiya-printsipialno-revolyutsionnaya
المترجم سمير رمان

 

مقالات ذات صلة

إغلاق