ترجمات

نيو يورك تايمز: سبب الاحتجاج في إيران

احتجاج في شوارع طهران في 30 كانون الأول/ ديسمبر 2017. كيودو نيوز، عبر صور جيتي

هذه هي الثورة الثالثة في إيران التي أشهدها في حياتي. ففي تموز/ يوليو 1999، انتشر الاحتجاج السلمي للطلاب مطالبًا بحرية التعبير، وسرعان ما تحوّل إلى انتفاضةٍ كبيرة. وفي حزيران/ يونيو 2009، نزل الناس إلى الشوارع للمطالبة بإعادة فرز الأصوات المُتنازع عليها في الانتخابات الرئاسية، التي بدأتها الحركة الخضراء. حيث طالب هؤلاء بالحقوق المدنية، وبمزيد من المرونة، والمساءلة للحكومة، جرت هذه التظاهرات في طهران إلى حدٍّ بعيد، التي جذبت الطبقة الوسطى، وخريجي الجامعات. بحركةٍ سلميّة على الدوام.

تبدو الاضطرابات الحالية مختلفةً. حتى الآن، لا تزال الطبقة الوسطى، وخريجي التعليم العالي شهودًا أو متفرجين أكثر من مشاركين. اللاعنف أو السلم ليس مبدأً مقدسًا. تركزت الاحتجاجات في المدن الدينية الصغيرة في جميع أنحاء البلاد، والتي يُعتبر تأييدها للحكومة أمرًّا مفروغًا منه، بينما تخلّفت المدن الكبرى الحضرية حتى الآن عن الركب.

إنّ المطالبة بحرية التعبير، وحقوق المرأة، والأقليات الدينية كانت، في جزئها الأكبر، إما غائبةً أو ضمنيةً بشكلٍ غامض. في واحدٍ من أشرطة الفيديو النادرة التي يتحدث فيها المتظاهرون إلى وسائل الإعلام، يذكرون جميعًا البطالة، والتضخم، ونهب الثروة الوطنية: امرأةٌ تطلب من الرئيس حسن روحاني أنْ يعيش على راتبها البالغ 300 دولار فقط طيلة الشهر. أحدُ المحاربين القدامى في الحرب الإيرانية العراقية يقول: إنّه يعتبر نفسه بين “المنسيين”، وتتحدث امرأةٌ مسنّة عن زوجها البالغ من العمر 75 عامًا، حيث يعمل لساعاتٍ طويلة لتغطية نفقات المعيشة. الهتافات هي أيضًا مختلفة هذه المرة؛ فالشعارات التي هيمنت في عام 2009، مثل: “أين صوتي؟” و”أطلقوا سراح السجناء السياسيين!” استبدلت اليوم بشعاراتِ: “لا للتضخم!” و”ليسقط اللصوص!” و”اتركوا البلاد لوحدها، أيها الملالي”.

ليست الاحتجاجاتُ على المظالم الاقتصادية جديدةً في إيران، فأعمال الشغب بسبب التضخم في (إسلام شهر) و(مشهد) في التسعينيات، والإضرابات المتكررة من قبل اتحاد سائقي الحافلات في بداية الألفية، واحتجاجات المدرسين على الأجور غير المدفوعة. حيث لم تُسمع تلك الأصوات بالكاد. لقد جاءت من قاع المجتمع، وإما خُنقت في منتصف الطريق من قبل الحكومة، أو أهلكها ناشطون في مجال الحقوق المدنية، رغم تناولها الجيد من وسائل الإعلام الدولية. لقد اضطروا الآن إلى شقِّ طريقهم بالقوة، وبرزوا كصرخةٍ مدويّة في كلِّ البلاد، من أجل العدالة والمساواة.

منذ ثورة 1979، عُرفت السياسة الإيرانية بانقسامٍ بين الإصلاحيين والأصوليين، المحافظين الذين يقولون إنّهم مخلصون لمبادئ الثورة. وخلال انتفاضات 1999 و2009، حظيَ المتظاهرون بدعمٍ من الإصلاحيين الأقوياء. هذه المرة، تمَّ تجاوز الانقسام أو ذلك الانشطار، فالمتظاهرون لا يريدون دعم أيّ شخصٍ مرتبط بالوضع الراهن، بما في ذلك السيد روحاني، الرئيس الإصلاحي. ولا عجبَ من موقف الشخصيات الإصلاحية البارزة، حتى إبراهيم نبوي، الصحافي المنشق الذي يعيش في المنفى، اتهم المتظاهرين بأنَّهم “الرعاع آكلي البطاطا”.

لقد حذَّر الاقتصاديون والمثقفون الإيرانيون، منذ زمنٍ طويل، من أنَّ شيئًا من هذا القبيل يمكن أنْ يحدث. حتى الشخصيات المقرّبة نسبيًا من الحكومة أطلقت ناقوس الخطر. ففي أوائل عام 2015، كتب محسن ريناني، أستاذ الاقتصاد في جامعة أصفهان، رسالةً مفتوحة إلى مجلس صيانة الدستور، وهو أعلى هيئةٌ دينية في إيران، وأحد أقوى مؤسسات البلاد، معربًا عن قلقه العميق إزاء ارتفاع معدلات التضخم، وعدم كفاءة الحكومة. وتوقع السيد ريناني أنّه إذا لم يتم معالجة قضايا، مثل البطالة المتنامية، في غضون عامين؛ فإنَّ إيران ستواجه اضطرابات. ونشر برويز سيداغات، وهو خبيرٌ اقتصاديّ سياسيّ بارز آخر، مقالًا قبيل اندلاع الاحتجاجات، لمناقشة كيفية قيام النظام الاقتصادي الإيراني بإنتاج مواطنين من الدرجة الأولى والثانية، محذرًا من أنَّ بعض المؤسسات الحكومية أصبحت تكتلاتٍ اقتصادية أكثرُ قوةً من الدولة. كما أظهرت دراسةٌ مفصلة، نُشرت في الشهر الماضي من قبل هيئة (بي بي سي) الناطقة باللغة الفارسية، الانخفاضَ المقلق لدخل الأسرة على مدى العقد الماضي. إنّ ميزانية التقشف التي وضعها السيد روحاني، والتي قُدمت إلى البرلمان في 10 كانون الأول/ ديسمبر، لم تفعلْ سوى صبّ الزيت على النار المشتعلة.

وخلافًا للعقود الأولى لإيران ما بعد الثورة، يتباهى الأغنياء الآن -بلا حدود- بثرواتهم. وحتى منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، كان اتفاق الجنتلمان/ السادة بين المختلسين، يقضي بأنْ يحتفظوا بمظهرٍ متواضع في الوطن، ويغسلون أموالهم في دبي، وتورنتو. والقضية الأكثر شهرةً، هي قضية محمود رضا خفري، المدير الإداري السابق للبنك مللي، الذي هرب بمئات الملايين من الدولارات، وأصبح إمبراطور العقارات في تورونتو. كان هذا الجيل يهتم بالمظاهر، متغطيًّا بقشور مُثل ثورة 1979. ومن ناحيةٍ أخرى، لا يلقى جيل الألفية سوى القليل من الرعاية. الشباب الإيرانيون الأثرياء يتصرفون كطبقةٍ أرستقراطية جديدة غير عارفين بمصادر ثروتهم، فهم يقودون بوقاحةٍ سيارات بورش ومازيراتي، في شوارع طهران أمام أعين الفقراء، وينشرون متباهين بثرواتهم على (إنستغرام)، حيث تنتقل الصور عبر تطبيقات وسائل الإعلام الاجتماعية، وتُغضب الناس الكادحين في مدنٍ أخرى. يرى الإيرانيون صورًا لأفراد عائلاتٍ من أعضاء السلطة، وهم يشربون ويستجمون على الشواطئ في جميع أنحاء العالم، في حين يتم اعتقال بناتهم، إن لم يغطِ الوشاح كامل الرأس، ويُحتجز أبناؤهم بسبب شراء الكحول. لقد سببّت المعايير المزدوجة إهانةً عامة هائلة.

إنّ الناس الموجودين اليوم في قمة هرم السلطة في إيران كانوا مشاركين في ثورة عام 1979، وشهدوا مباشرةً كيف عندما قرّر الشاه أنه “سمع صوت الثورة”، حدّد بداية نهايته. وقد عزّز الربيع العربي هذا الانطباع: حاول زين العابدين بن علي من تونس، وحسني مبارك في مصر استرضاء المتظاهرين، فوجدوا أنفسهم مجبرين على ترك السلطة. أما بشار الأسد من سورية الذي ما يزال في منصبه، فلم يعترف حتى بوجود المعارضة.

لقد عاشت إيران عدّةَ اضطراباتٍ عنيفة. وقد أتقنت الحكومة فنَّ النجاة من خلال الأزمات، وقد يكونون قادرين على النجاة في هذه الجولة أيضًا، ولكن شيئًا ما قد تغيّر جذريًا: المساندة المفتوحة من قبل سكان الريف -عماد السلطة- ضد استياء النخبة الحضرية قد ولَّتْ. الآن الجميع مستاؤون.

 

اسم المقالة الأصلي Why Iran Is Protesting
الكاتب أمير أحمدي أريان، AMIR AHMADI ARIAN
مكان النشر وتاريخه نيو يورك تايمز، The New York Times، 2/1
رابط المقالة https://www.nytimes.com/2018/01/02/opinion/iran-protests-inequality.html
عدد الكلمات 873
ترجمة أحمد عيشة

 

مقالات ذات صلة

إغلاق