تحقيقات وتقارير سياسية

انتصار ثورة الشباب وديناميات التغيير

 

مع انهيار الاتحاد السوفيتي، مطلع تسعينيات القرن الماضي، على أجساد الشباب التي عطلت لفترة حركةَ دبابات الانقلاب العسكري على “البيريسترويكا”، وانتصار ثورات الشباب البرتقالية في بعض دول أوروبا الشرقية، واتساع نطاق العولمة، وبخاصة العولمة الثقافية والإعلامية عبر وسائل الاتصال الحديثة ووسائل التواصل الاجتماعي؛ جرت -وما زالت تجري- تحولات عميقة في الوعي الجمعي لجيل الشباب الذي يشكل نسبة كبيرة، تتجاوز نصف التركيبة العمرية لسكان المنطقة الممتدة من أفغانستان شرقًا حتى المملكة المغربية غربًا، وقد أطلقتُ عليها، في السابق، تسمية (الفالق الإسلامي)؛ لأن بصمتها الجيواجتماعية شبيهة ببصمتها الجيولوجية. هذا الجيل يتوزع اجتماعيًا بين مختلف صفائح البنية الطبقية، لكنه يختلف عن طبقات المجتمع التقليدية في وحدة وعيه الجمعي، حيال ديناميات التغيير التي تنتجها العولمة على نطاق الوعي: الديمقراطية والتنافسية والشفافية والخصوصية والكرامة الإنسانية والحريات والتنمية والمشاركة والعدالة الاجتماعية وتحقيق الذات.. والأهم التضحية اللامحدودة، في سبيل تجسيد هذا الوعي، عبر أشكال مختلفة للحراك الاجتماعي المنظم (الذي يصر البعض على وصفه بالعفوي)، بينما في حقيقة الأمر ينظمه ويوجهه وعي نوعي، لم تعرفه المنطقة منذ الوعي التحرري الذي قاد إلى تشكل الدولة الوطنية وانقطع معه. هذا الوعي النوعي لقطاع واسع من جيل الشباب يصطدم باللاوعي الجمعي، حيال تلك الديناميات لأنظمة استبدادية، قادت الدولة الوطنية ومؤسساتها فترة طويلة.

لم تكن النار التي أضرمها الشاب التونسي (بوعزيزي) في جسده سوى إشارة بدء ثورة الوعي الجمعي للشباب، على اللاوعي الجمعي للأنظمة، على شكل اندفاعات ثورية انتقالية شبيهة بالموجات الارتدادية التي لن تسلم منها أي دولة من دول الفالق الإسلامي. وما تشهده إيران الآن، وربما تشهده دول أخرى من دول الفالق في قادم الأيام، وما تشهده السعودية أيضًا من ثورة ناعمة من فوق، يقودها شاب من الأسرة الحاكمة بيده نواصي القرار، لا يختلف كثيرًا عما شهدته دول الربيع العربي، من حيث هو صراع بين منظومتي وعي: جديدة وقديمة، جديدة تطمح إلى دولة وطنية حديثة تواكب ديناميات العولمة، وقديمة تتمسك بالدولة التقليدية المقاومة لكل ديناميات وأشكال التغيير العولمية. وهذا ما يفسر الموقف غير المفهوم، وقد سميته في السابق، بـ “الثقوب السوداء” ( لاوعي )، في الوعي الجمعي للدول الديمقراطية في الغرب المتعولم، تجاه ثورات الوعي في دول الفالق الإسلامي، التي لو تحولت إلى الديمقراطية والتنافسية والشفافية والخصوصية -وهي تمتلك نصف مصادر الطاقة العالمية، وتحتل قلب العالم الجيوسياسي، وحلقة ربط المواصلات العالمية، وزبون أساس مستهلك للبضائع والتكنولوجيا- فستصبح قوة تنافسية مهمة على صعيد العولمة الاقتصادية تمتلك ديناميات التطور المجتمعي، تخشاها الدول الديمقراطية الغربية، وفي الوقت ذاته، تقف الدول الاستبدادية الشرقية ضد ثورة الوعي تلك خوفًا من أن تهب رياحها إليها.

لماذا الشباب؟ سؤال يفرض نفسه في سياق فهم الحالة الثورية الجارية في عموم المنطقة. والإجابة عنه متعددة الوجوه:

1 – ثورة الشباب تعني أن الشباب دون غيرهم شكلوا قلب الثورة، دونما نفي مشاركة أطفال ورجال ونساء ومثقفين وفئات أخرى.

2 – الثورة تحتاج إلى من يتكلم عنها، ويعبر عن أحداثها، ويسرد وقائعها، ويستنبط قيمها، ويظهر أفكارها، ويخلق قصة نجاحها، وليس هناك من هو أعلم بها، وأدرى بمجرياتها أكثر من الشباب الذين يخلصون لها، ويخوضون غمارها.

3 – التوق إلى الجديد والتطلع إلى عالم أفضل هو من مميزات الروح الثورية لدى الشباب، يعبرون عنها في الفضاء الافتراضي بألوان متنوعة من الإبداع: لوحات وشعارات وأفلام وأغاني راب وأهازيج ثورية ومسرح فردي وجماعي، تتضمن السخرية من الواقع السائد، والتمرد عليه والتحريض على تغييره.

4 – في إطار جدلية الافتراضي/ الواقعي، التخيلي والتجريبي؛ يبرز نوع من الذكاء الشعبي مصدره العقل الشبابي، يمتلك قدرة هائلة على الفعل المدني، أفقيًا وعموديًا، يجعل المطالبة بالتغيير ضرورة تاريخية لتحقيق الذات الوطنية التي عجزت عن تحقيقها الدولة الاستبدادية.

5 – يؤدي الفضاء الافتراضي وثقافة الصورة ووسائل التواصل دورًا مهمًا في الثورة، عبر نقل المعلومات وتبادل الخبرات، وتنسيق الأفعال المشتركة، واعتماد الصورة الحية لتعرية الممارسات العنفية التي تعتمد عليها الدولة الاستبدادية، لطمس الحقائق وتحريف مقاصد الثورة. ومن غير جيل الشباب، الذي يمتلك مهارات وقدرات تقنية حديثة، يتقن تسخير الفضاء الافتراضي لخدمة الثورة وديناميات التغير.

6 – من جملة معاني الثورة، القطع مع الماضي والقيام بمراجعات نقدية لمضامين الفكر والعمل السياسي وكيفية عمل المؤسسات، والتحريض على تشكيل كتلة وطنية تتخطى منطق الإقصاء والتهميش والإلغاء، وبلوغ درجة من التفاهم بين مختلف القوى والرؤى، لإنتاج مشترك ديمقراطي وبيئة مواطنة قانونية. ولأن تأثير المفكرين والمثقفين في الجماهير كان ضعيفًا، لانتهازيتهم ونخبويتهم، وبالتالي عجزهم عن قيادة الثورة، ولأن الشعب تحت تأثير سياسات الأحزاب الشمولية ظل أسيرًا، مدة طويلة، للدولة ومؤسساتها الرسمية، ووجوده مرتبط بوجودها عضويًا؛ فإن جيل الشباب المتحرر من الماضي وحده يقدر على القطع معه، والتفاعل مع ديناميات التغيير في الحاضر والمستقبل.

إن ثورة الشباب في دول الفالق الإسلامي هي ثورة أخلاقية مدنية مستدامة، انتصارها النهائي محكوم بالتخلص من وهمين يطعنانها بالظهر هما: وهم التفكير الشمولي الديني والسياسي، ووهم إصلاح البنيات التقليدية للدولة الوطنية الاستبدادية. فالوهم الأول يعيدها إلى الخلف، وهي أساسًا تنهض للتقدم إلى الأمام، والوهم الثاني يغرقها في متاهات إصلاح بنيات أكلها الهريان، وهي أساسًا تنهض لتغيير هذه البنيات التقليدية المهترئة ببنيات حديثة، تواكب ديناميات التغيير التي تنتجها العولمة. وعمومًا ليس بمقدور دول هذا الفالق الخروج من ماضيها البغيض إلا بولوجها في فضاءات العولمة، بانتصار ثورة الشباب التي وحدها تتفهم ديناميات التغيير التي تنتجها هذه العولمة، بالرغم من أنها سلاح ذو حدين، إنكارها يعني البقاء خارج العصر، وركوبها يعني تكاليف اقتصادية، وربما فيض دماء، استحقاقها واجب الدفع للتمتع بفوائدها، بسبب حجم مقاومة التغيير وقوة بأسه.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق