سورية الآن

انتفاضة إيران.. والحاجة إلى دعم خارجي

 

داخل إيران وخارجها اهتم أنصار النظام والمستفيدون منه في جماعات «الممانعة» بالرد على «الشامتين»، ومجرّد الترادح مع الناقدين ووصف آرائهم بالشماتة يعني أن تظاهرات الاحتجاج وضعت إيران في موقف لا تُحسد عليه، يتناقض كلياً مع صورة صنعتها لنفسها ودأبت على ترويجها. وعندما يكون أساس النقمة المعتملة اقتصادياً، كما ظهر في شوارع عشرات المدن والبلدات، فمن الصعب تسفيهه أو اعتباره نتاج «مؤامرة» خارجية، ولا تفيد مواجهته بالقمع والعنف لأنهما يفاقمان النقمة. أما التسييس الذي فرض نفسه، سواء برفض «المحافظين» و«الإصلاحيين» كوجهَين لنظام واحد، أو برفض التدخّلات الإقليمية، فله تفسيران واضحان: الأول، أن معاناة الشرائح الفقيرة، وهي أكثر من نصف الشعب، لم تتغيّر من عهد إلى عهد. والثاني، أن المجتمع الإيراني يجهر الآن بأن النظام يقتطع من موارد البلد لتمويل بقاء رئيس النظام السوري وميليشيات كـ «حزب الله» و«جماعة الحوثيين» وبعض فصائل «الحشد الشعبي» والميليشيات الأفغانية والباكستانية.
من أكثر الظواهر إدهاشاً في موجة الاحتجاجات أن الناشطين فيها من الجيل الشاب الذي لم يعرف الشاه ولا الخميني فإذا به يبدي نوعاً من الحنين إلى عهد ما قبل الثورة، وكيف أن الشاه فضّل التنحّي والرحيل على خوض مواجهة تفضي إلى حمام دم. وبموازاة هذا الاسترجاع المفاجئ للشاه، استُخرجت من أرشيف الرئيس المصري الراحل أنور السادات مقاطع من خطاب (بعد عامين على الثورة) قارن فيه بين الوضعين الاقتصاديين لإيران، إذ كانت قبل الخميني تجني مئتين وخمسين مليون دولار يومياً من تصدير النفط وصارت بعده تقنّن شراء الوقود داخلياً بالبطاقات. لا شك أن في هذه العودة إلى الماضي يأساً من الحاضر الذي صنعه ما يقارب أربع عقود من حكمٍ هيمن عليه أولاً رجال الدين ثم شاركهم فيه عسكر «الحرس الثوري»، وزمرٌ من رجال الأعمال السياسيين، ليتضامنوا معاً في مأسسة الفساد وجعله المنظومة الأكثر نفوذاً وفاعلية في إيران.
المذهل فعلاً أن المرشد والرئيس، اللذين دعاهما المتظاهرون إلى الرحيل، خاطبا الرأي العام، ولم يعطيا أي انطباع بأنهما يعترفان بطبيعة ما يحصل. كان جلّ ما طلباه أن يعود الهدوء، لتفويت الفرصة على «أعداء الثورة» بالنسبة إلى علي خامنئي، أما حسن روحاني فلم يشأ حتى الإشارة إلى أن حكومته تدرس أفكاراً لملاقاة مطالب المحتجّين. واقع الأمر أنهما لا يملكان حلولاً، فالميزانية التي قدّمها روحاني إلى البرلمان تضمنت رسالة واضحة: مزيد من المخصّصات لـ «الحرس» والمؤسسات الدينية، ومزيد من التقشّف والضغط (رفع الدعم الحكومي لأسعار الوقود وسلع أساسية) على سائر فئات الشعب. ورغم أن الوسط السياسي أدرك تماماً حقيقة المأزق الداخلي إلا أن أطرافه واصلت صراعاتها الضيقة آملة بالاستفادة من الظروف، خصوصاً أن حكم روحاني بات معطوباً ومن دون حلفاء تقريباً، أي أن الفرصة سانحة لإسقاطه، لكن بعد إخماد الحراك الشعبي.
بالإضافة إلى تضامن موضوعي طرأ بين «المحافظين» و«الإصلاحيين»، انقسم المجتمع الإيراني في موقفه من الاحتجاجات. فالطبقتان الوسطى والأعلى ظلّتا خارج المعادلة، وإنْ كان بعض الباحثين يفترضون أن غالبيةً فيهما تؤيد تقليص الإنفاق على التدخلات الخارجية. بموازاة ذلك، وباستثناء عرب الأحواز، كانت مشاركة أبناء القوميات إما رمزية أو محدودة أو معدومة. هذه المرّة اختلفت الاحتجاجات عما كانت عليه في الحراك الطلابي عام 1999 من أجل احترام الحريات، واختلفت أيضاً عن «الثورة الخضراء» عام 2009 التي خاضتها النخبة بنَفَس إصلاحي ولم تقبل التلاعب بنتائج الانتخابات الرئاسية ولذلك لم تشارك فيها الشعوب غير الفارسية ولا سيما التركمان والبلوش واللور إذ اعتبرتها شأناً داخل النظام وليست فيه فرص لطرح قضاياها. وربما لهذه الأسباب لم تسارع تلك الشعوب إلى المشاركة في الحراك الحالي، إلا أنها تراقب لتحدّد إمكان انخراطها فيه، خصوصاً أنها تتعاطف مع مطالبه الاقتصادية التي تعنيها أيضاً، كما تؤيد مطلبه الثاني البارز وهو «إلغاء فكرة ولاية الفقيه» من الدستور.
لا شك أن الشعب الإيراني يحتاج في انتفاضته إلى دعم خارجي لكنه يحتاج إلى دعم ذكي، ومع أن الرئيس الأميركي كان بادي الحماس إلا أن مواقفه مكّنت نظام طهران المتدخل في بلدان عربية عدة من بناء قضية دولية يتهم فيها الولايات المتحدة بالتدخّل في الشؤون الداخلية لإيران. وقد لفتت مناقشات مجلس الأمن الدولي إلى وجود تعارض حتى بين أميركا وحلفائها، وبالتالي فإن الانقسام الدولي في شأن سوريا ينسحب أيضاً على إيران، فالكل يريد أن تغيّر طهران سلوكها، لكن الكل يخشى انهيار الدولة في إيران.
(*) كاتب لبناني

Author

مقالات ذات صلة

إغلاق