أدب وفنون

أطلقوا سراحَ حِمار سُلوان الكنعاني

 

كتبتُ مقالتي: (جحا الفلسطيني وحماره وقراقوش)، ونشرتها بتاريخ 22 أبريل/ نيسان 2010 ق. م الحرية، وقبل الربيع العربي، وفيها قراءة ساخرة لتاريخ الحمير في الأدب الإنساني، مُنطلقًا من كتاب الباحث اليهودي الأميركي “نورمان ج. فنكلستين”: صعود وأفول فلسطين، وفيه يرصد ما عايشه شخصيًا:

“قام أطفال الانتفاضة برسم عَلَمِ (إسرائيل) على حمارٍ من جانبيه، ثمّ أطلقوه باتجاه حاجزٍ لجنود الاحتلال الذين فتحوا نيران أسلحتهم بكثافة؛ فأردوا الحمار صريعًا، وفي اليوم التالي، خرجت صحف فلسطينية وعالمية، بصورة حمارٍ مُنقَلِبٍ على جانِبِهِ والدماء تنِزُّ من نجمة داود المرسومة عليه، وفي إحدى الجرائد الألمانية هذا التعليق: إصابة إسرائيلية بالغة في الانتفاضة.”

بعد صدور كتاب فنكلستين وترجمته إلى العربية عن دار كنعان بدمشق، تناقلت وكالات الأنباء مُحاولةَ تفجيرِ حمارٍ مُفخَّخٍ بحافلة جنودٍ إسرائيلية، خلال الانتفاضة الثانية. واليوم، في الثالثة “انتفاضة القدس”، تناقلت وكالات الأنباء -أيضًا- نبأ اعتقال حمارٍ فلسطيني ثالث.. على النحو التالي:

“اعتقل جنود الاحتلال، يوم الثلاثاء 26 –12 -2017 حمارًا أبيض اللون في قرية “سلوان” قرب القدس المحتلة، بحُجّة عدم حصوله على ترخيصٍ رسمي من وزارة الزراعة الإسرائيلية، ومن دوائر البيطرة، ومن مديرية النقل والمواصلات!”. وعلّق أهالي سُلوَان المقدسيّة: “رفَسَ حمارُنا أحدَ جنودهم.. فاعتقلوه!”.

ما سرُّ الكراهية الصهيونية، لكلِّ ما هو كنعاني/ آراميّ “فلسطيني”، وإن كان حمارًا!

بالعودة إلى رواياتهم التلمودية والتوراتية؛ نجد أنهم يُقدِّسون حميرهم فقط، بالإحالةِ إلى حمار “بلعام” الذي نطق بالعبريّة، يلومُه أمام ملاك الربّ على فِعلته؛ بل.. يُدلّلون حميرهم بإجازة أسبوعية، فقد جاء في سِفر الخروج: “ستة أيامٍ تعملُ عملَك، وأمّا اليومُ السابعُ ففيه تستريح، ليستريح ثورُكَ وحمارُكَ، ويتنفس ابنُ أمَتِكَ والغريب”.

وفي سِفر الخروج تحذيرٌ واضحٌ من اشتهاء حمير الآخرين!: “لا تشتَهِ بيتَ قريبك، لا تشتَهِ امرأةَ قريبِكَ ولا عَبدَه ولا أمَتَه، ولا ثورَه ولا حِمارَه”.

ومؤخرًا، استوردت جماعة بينسك كارلين الحسيديّة.. حميرًا من مصر لـ (إسرائيل)، من أجل مهرجان (بديون بيتر حمّور) ويعني: عيد خلاص الحمار الأول، يقصدون حمار نبيِّهم “بِلعَام”، حيث يقوم حاخامات تلك الجماعة المُتشدِّدة دينيًا، بحمل حِمارٍ مَكسوٍ بالأقمشة المُلونة، مُزيّنٍ بالذهب واللؤلؤ أحيانًا، ليُقيموا صلواتهم الطقسيّة أمامه!

لكنهم يكرهون حمارَ سيّدنا المسيح الآراميّ الذي دخل به القدس، لينقضَ هيكلَهُم بكلماتِ الحقّ والمحبة؛ كما ورد في إنجيل متى: “قولوا لابنة صهيون: هو ذا ملكُك يأتيك وديعًا راكبًا على جحشٍ ابن أتان”.

ويكرهون العربَ من بين كلِّ الأمم، بل يُشبهونهم بالحمير الوحشيّة، غيرِ المُروَّضة، وتعني مُفرَدَتا “إنسانا كالفرا”: الإنسان الوحشي، أو الحمار الوحشي.. كما جاء في تفسير سفر التكوين؛ فوصفوا العرب بها.

هذه الإهاناتُ هي انتقامٌ رمزيٌّ من الكنعانيين/ الآراميين “الفلسطينيين” الذين أسروا “شمشون” اليهودي، وقلعوا عينيه وربطوه مكانَ الحمار.. كما جاء في سِفرِ القًضاة: “فأخذه الفلسطينيونَ، وقلعوا عينيه ونزلوا به إلى غزَّة؛ فأوثقوه بسلاسل من نحاسٍ؛ وكان يطحن في بيت السجن”. مع أنّ “شمشون”، في سِفر القضاة ذاتِه، يتباهى هكذا: “بفكِّ حمارٍ -وليس بالسيف! كوّمتُهُ كومتَين؛ بفكِّ حمارٍ قتلتُ ألفَ رجل”.

وقصة (شمشون ودليلة) التوراتية تُشبه ترويضَ عشتارَ لأنكيدو في ملحمة جلجامش؛ كما أن اسم شمشون التوراتيّ مُشتقٌ من عبارة “شَمَش عون”؛ وتعني: حامي الإله شَمَش.. إله الشمس لدى كلِّ الشعوب الساميّة.

كما أن الاحتفال بالحمار قد خطفوه من مصر الفرعونية؛ حيث يظهر الإله سيت“، في النقوش والبُرديّات، بوجه حمارٍ وقور، وما تزال طقوس تزيين الحمير والاحتفاء بها ساريةً في مصر ودول عربية. ويتداول بعضُنَا المَثَلَ الشعبي: “أجحش.. من حَمُّور”، من غير أن يعرفوا دلالته التوراتية في ازدراء العبرانيين للعرب!

وعلى الرغم من تقديس التوراتيين لحمارهم، دون سائر الحمير؛ لكنهم في حصار بن حَدَد الأراميّ لمدينة السامرة، قد أكلوا حميرَهم؛ حتى إنّ ثمنَ الحمارِ الواحد ارتفعَ من ثلاث فِضيّاتٍ إلى ثمانين من الفضة!

وفي سفر أشعياء: “الثورُ يعرِفُ قانِيهِ؛ والحمارُ مِعلفَ صاحبِه؛ أمّا إسرائيلُ فلا تعرف؛ شعبي لا يفهم”!

وفي القرآن الكريم: “مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ”.

أطلقوا سراحَ حِمَار سُلوان الكنعاني فورًا؛ وإنَّا معه.. لَمُتضامِنون!

مقالات ذات صلة

إغلاق