هموم ثقافية

التسول بالشعر

 

زارني، وهو يتأبط عدة نسخ من كتاب، وفي عينيه كلام يريد أن يبوح به، غير أن التردد كان باديًا عليه من ارتعاش شفتيه وارتباكه. وفي محاولة لإخراجه من صمته؛ بادرت بسؤاله عن النسخ التي يحملها، ومددت يدي لأتناول واحدة منها:

– ما هذه الكتب؟ أجاب بشيء من التردد، بعد أن قدم لي نسخة منها:

– ديواني الجديد. ابتهجت وباركت له:

– مبارك، عن أي دار نشر صدر؟

سمّى دار نشر غير معروفة، فتابعت أسئلتي:

هذه الدار فقيرة، أرجو أن يكون العقد الذي أدرته معها مجزيًا. فقال:

– عن أي عقد تتحدث؟ كانت الطباعة على حسابي.

ولأنني أعرف البئر وغطاءه، استغربت من أن يكون قادرًا على تغطية نفقات الطباعة، وظهر ذلك على تقاسيم وجهي وحركة يديّ. لكن الرجل لم يتركني للحيرة التي أخذت تتنازعني، عندما قال:

– أعلم أنك ستسأل من أين لك هذا. ووجدتني أؤكد حدسه:

– أجل، من أين لك هذا؟ هل هبطت عليك النعمة في ليلة القدر؟ فأجاب:

– لا ليلة قدر ولا من يحزنون. أحدهم تكفّل بنفقات الطباعة. قلت:

– ما زالت الدنيا بخير أن نجد من يهتم بهذه الأمور، ممن لديهم إمكانات مادية. وتناولت نسخة من الديوان، وفتحت الصفحة الأولى على بطاقة الشكر:

“أتقدم من المحسن الكريم …… بجزيل الشكر والامتنان، لتفضله بالقيام بطباعة هذا الديوان على نفقته الشخصية”.

قلت له:

– ما كان عليك أن تصدّر الديوان بهذه العبارة. عبارة المحسن الكريم لا تليق بالشعراء. فأجابني:

– الاعتراف بالفضل فضيلة.

عند ذلك، أحسست أن صاحبي يغزل على وتر الاستجداء، وتأكد لي ذلك، حينما أخذ يشرح لي ما حدث له، وهو يقوم بتسويق ديوانه:

– ذهبت إلى شركة الريان، وقدمت نسخة إلى صاحب الشركة، ففاجأني أنه فتح الدرج، ومنحني ألفي ليرة دون أن يأخذ الديوان. سألته:

– معقول؟! قال:

– ترددت في أن آخذها، لكنه أصر قائلًا:

– أنا لا أقرأ، يمكنك أن تعطيه لمن يرغب في قراءة الشعر.

قلت له:

– لا تؤاخذني، هذا تسول، ألا يكفي أنك تسوّلت تكلفة الطباعة؟

أخذ يمسح عرقه، ويسوّغ ما فعل:

– لماذا تسميه تسوّلًا؟ أنا أكتب وأتعب من أجل أن ينتشر كتابي بين الناس، لا لكي يبقى في الأدراج. ما الفائدة إذا ظلت هذه النسخ مركونة في زاوية البيت. قلت:

– إذا أردت أن ينتشر كتابك، فلماذا لا تقوم بإهدائه إلى أصدقائك، ما دمت لم تتكلف أنت بطباعته؟ فضحك:

– قمت بإهداء بعض النسخ من ديواني الأول لبعض الأصدقاء، فلم تصلني ملاحظة واحدة، لا سلبًا ولا إيجابًا! ما يدل على أنهم لم يفتحوا الديوان. وتطلب مني أن أقدم ديواني هذا هدايا للأصدقاء؟ لقد تكونت لدي قناعة أنك، عندما يأتيك كتاب هدية، لن تلح عليك قراءته، كما لو أنك اشتريته بحرّ مالك. ثم إنك لا تشتري أي كتاب إلا نتيجة رغبتك في قراءته. أخيرًا، من حقي أن أحصل على شيءٍ ما لقاء تعبي.

– إذًا، لماذا لا تضع كتابك هذا في المكتبات، بدلًا من أن تقوم بنفسك بتسويقه، فالمكتبات هي المكان الطبيعي لتسويق الكتاب.

– مرحبا مكتبات. كل زبائن المكتبات اليوم لا يدخلونها إلا لشراء قرطاسية، أدوات مكتبية. آخر ما يفكرون به أن يشتروا كتابًا. لقد وضعت عددًا من النسخ، في أكثر من مكتبة، من ديواني الأول؛ أقسم لك أنني بعد سنة استرددت نسخي كاملة غير منقوصة. وتقول لي مكتبات؟!

أخيرًا؛ رأيتني أقول لصاحبي:

– عندما يصبح الشعر بخاصة، والكتابة بشكل عام، حرفة كالخياطة والحلاقة والنجارة والتجارة؛ فبئس الأدب الذي تنتجه تلك الكتابة.

مقالات ذات صلة

إغلاق