تحقيقات وتقارير سياسية

إيران من خارج الصندوق

 

يتناول الكثير من المهتمين بالشأن الإيراني، وحتى بعض الباحثين، الوضعَ الإيراني عبر حكم الملالي، وما يعرف بولاية الفقيه، دون التعمّق في جذور وتاريخية المشروع الإيراني، وذلك التراكم التاريخي الذي يستمد من الإمبراطورية الفارسية، وما خلقته من مقومات في الذاكرة والحركة، الكثيرَ من مبرراته، وأسانيده، ناهيكم عن الخبرات المتراكمة التي تتواصل في المجتمعات، بغض النظر عن شكل نظام الحكم، ومستوى التغيّرات التي يقوم بها.

لقد كانت إيران، أو بلاد فارس، أو الساسانيين، لقرون طويلة، القوة العظمى الأولى أحيانًا، والثانية بعض الأحايين التي نافست إمبراطوريات بيزنطة، وروما ضمن مروحة من المناقلات في الانتصارات والهزائم، ومساحات الرقعة الجغرافية، والقوة. وقد نجح الفتح الإسلامي في إنهاء تلك الإمبراطورية (21 ه /642 م)، ودخول إيران “ديار الإسلام”؛ وأثار ذلك الفتح نوعًا من مشاعر الثأر، والحقد على العرب، وأجّج جذوة عودة إيران إلى ما كانت عليه، حتى لو كان اللبوس إسلاميًا، ومذهبيًا بالتحديد.

لا شكّ أن هذه الكينونة مثلت، على مدار المراحل، طموحًا إيرانيًا في العودة للماضي، ببصمة خاصة مستقلة، ودور مميز في المنطقة.. وهو ما اتضح في السنوات الأخيرة لمرحلة الشاه الذي احتفى في العام 1971 بمرور 2500 عام على تأسيس الإمبراطورية، بطريقة باذخة أثارت العالم، وبحضور كثيف لرؤساء وملوك وشخصيات من كل الفئات، كمحاولة لتأكيد عظمته كشاه شاه (ملك الملوك)، وما أنجزه في ما يعرف بـ “الثورة البيضاء” التي انطلقت عام 1963. والتي يعتبرها العديد أنها قفزة برجوازية حققت تطورات مهمة في مختلف الأصعدة، وأطلقت العنان لقوانين تحرير المرأة ومساواتها بالرجل، ومنع الحجاب (أحد عوامل احتجاجات رجال الدين).

لقد طمح الشاه إلى تشكيل جيش قوي، هو الخامس في العالم، وتقدّم خطوات مهمة في هذا الميدان، وحدثني اللواء السوري المعارض أصلان أصلان الذي أقام طويلًا في العراق، وعمل برتبته في الجيش العراقي، أنهم في أثناء زيارة رسمية لهم لإيران من قبل الجيش، ذهلوا من التقدّم الكبير في بنية ومعدّات الجيش الإيراني الذي لا يمكن مقارنته بأي جيش عربي، بل بالجيوش المتطورة في الغرب، كما أنه نجح في تحويل النفط إلى سلاح، والبدء بمشروع نووي يهدف إلى امتلاك إيران هذا السلاح الاستراتيجي.

إضافة إلى العوامل الداخلية التي حرّكت الشعب الإيراني للانتفاض، فإن الغرب كان متضايقًا من هذه النهضة الإيرانية التي يمكن أن تُخرج إيران من أسر التبعية، إلى الاستقلالية ومنافسة النفوذ الغربي في المنطقة، وما قام به من إصلاحات بشأن استثمار النفط، والتخفيف من خضوعه للشركات الغربية، لذلك شجّع ودعم تلك الانتفاضة الشعبية التي تصاعدت، ونجحت في خروج الشاه، وسقوط حكمه.

وللمناسبة، خلافًا لسفاح سورية الذي واجه المطالبين بالإصلاحات والحرية، بالقتل والتصفية والاغتيال، فقد صرّح الشاه المنفي أنه أبى إعطاء الجيش الأوامر بالتصدي للمتظاهرين منعًا لسفك الدماء، وأنه كان حينذاك يمكن أن يقضي على تلك التظاهرات، أو أن يحول بينها وبين سقوط الشاه.

قيل الكثير في خلفيات الدعم الغربي للخميني، وهل انطلق من قصة الإيمان بحرية الشعب الإيراني، وحقوق الإنسان، أم أن خلفيات أخرى هي السبب؟ بينما نجد بين كثير من الكتاب، وخصوصًا العرب، من يتبنى فكرة المؤامرة، وأن الذي حدث، أو ما يعرف بـ “الثورة الإسلامية”، وفرادة الخمينية وسيطرتها المطلقة، كان بدعمٍ غربي مطلق، وبهدف إحداث شروخ عمودية كبيرة في المنطقة، وضد العرب عبر تصدير الخمينية العقيدية، الحاملة لواء ولاية الفقيه، وتصدير الثورة.

الحق أن سيطرة الخمينية، بعد سحق القوى الديمقراطية والمعارضة التي كان لها باع طويل في معارضة حكم الشاه، بمن فيهم “مجاهدي خلق”، وحزب (تودة) الشيوعي، والليبراليين واليساريين، حملت معها إشكالات للمنطقة العربية، كان العراق أول ساحاتها المستهدفة، وفق إعلانات صريحة عن تصدير الثورة إليه، ووجوب إسقاط “النظام البعثي، القومي، الكافر”، والانطلاق منه إلى بقية الدول العربية، وبخاصة الخليجية، وإيجاد طريق برية تصل إيران بالبحر المتوسط. وهو نهج يتلاقى مع جوهر المخطط الصهيوني الذي كتب عنه الكثير منذ الثمانينيات، على يد كتّاب صهاينة معروفين كهنري كيسنجر، وإسحق رابين، وغيرهما من عتاة الصهاينة، والذي يتبدّى اليوم في ما يحصل بالوضع العربي من اختراقات عميقة للمجتمع، ومن تواجد إيراني كثيف يتغلغل في عواصم عربية مهمة، وكانت سورية المثال الدامي، وحالة الصراعات المذهبية التي انتشرت بديلًا للصراعات الاجتماعية، ووصولًا إلى طغيان هذا الصراع على الصراع التاريخي مع الصهيونية وكيانها الاغتصابي.

الكل يعرف أن إيران -في ظلّ وضع عربي متخاذل ومفكك، يتسول الحلول السياسية غير المجدية مع الصهاينة- كانت شديدة الذكاء والخبث، في تبني قضية فلسطين والركوب عليها، ثم تشكيل (حزب الله) اللبناني والدور الذي قام به في مقارعة الاحتلال الإسرائيلي للجنوب، وانسحاب “إسرائيل” مرغمة منه، وآثار ذلك على الشارع العربي وسهولة اختراقه، أو تمرير المشروع القومي الإيراني، والمذهبي من بوابات فلسطين.

لم تقطع الجمهورية الإسلامية مع نظام الشاه في المؤسسات الرئيسة التي أقامها، وبخاصة في الجيش ومؤسسات الدولة، وهي -وإن عملت على تنظيفها وإقامة الحرس الثوري التابع مباشرة لولي الفقيه- تصرفت بنهج ناضج وخبيث، يدرك موقع التكتيك، ويُرسّخ جوهر المشروع “الشاهنشاهي”، بتحويل إيران إلى قوة عسكرية عظمى، وإلى دولة نووية، لهذا فالمشروع النووي الذي تعاملت معه إيران بكل تخابث وروية هو استمرار لمشروع الشاه، بوعي يدرك مواقع القوى الدولية وتناقضاتها، ويتقن اللعب عليها.

تصدير الثورة، بقدر ما هو جزء من المشروع الإيراني الإمبراطوري، هو وسيلة ناجعة لتهريب الصراعات الداخلية إلى الخارج، وتوجيه الأنظار نحو معارك خارجية حقيقية، أو مختلقة، أو مبالغ فيها، يجري فيها تصريف التناقضات وامتصاصها، وإيجاد المبررات لبعض الاختناقات والأزمات الاقتصادية، ومعاناة قطاعات شعبية واسعة من الفقر والبطالة، والتمايز، بينما شرائح جديدة، وأخرى من بقايا رجالات “البازار” والبرجوازية، فاقموا ثرواتهم بشكل خيالي، بخاصة في قيادات الحرس الثوري الذي يسيطر على نحو ثلث الاقتصاد الإيراني ومؤسسات الدولة، وعبر قطاعات حيوية كثيرة.

لا شكّ أن عوامل متشابكة قادت إلى هذه التظاهرات النوعية العارمة، التي كانت شرارتها إفلاس بعض الشركات، والخسائر الكبرى التي نجمت عن ذلك وطالت شرائح اجتماعية كبيرة من الطبقة الوسطى والفقيرة، بخاصة في العقارات، والفوائد، فكانت (مشهد) منطلقها، ثم عمّت أكثر من 40 مدينة ومنطقة في إيران، وتطورت المطالب إلى الميدان السياسي بالحريات الديمقراطية، والتعددية، وصولًا إلى تناول منصب وواقع ولي الفقيه خلاصة الاستبداد ومركزه العقيدي، ومجموع الأموال التي تنفق على تدخلات إيران في الخارج، وكانت سورية حاضرة بقوة، حيث يعرف العديد أن إيران تمدّ النظام الذي يقتل شعبه، بنحو 7 مليار دولار لمنع سقوطه، والتدخل لصالح الحوثيين في اليمن أيضًا، عدا عن آثار تلك التدخلات في تصعيد مشاعر الحقد ضد إيران، وفي توسيع الهوة المذهبية وصولًا إلى تربة صالحة لحروب أهلية طويلة، لن تكون إيران بمنجى منها.

يصعب التنبؤ بمصير هذه الهبّة الشعبية الكبيرة، ومقدرتها على الاستمرار والتصاعد، بالنظر إلى قوة أجهزة الأمن الإيرانية، والحرس الثوري، ومستوى الحالة العقدية التي تقف مع النظام، ولا سيما في الأرياف، ودور رجال الدين الذين يعدّون جيدًا في مدارس (قم)، وغيرها من المدن الإيرانية، لكن حركات الشعوب لا تنتهي حين يكون الظلم كبيرًا، وحين يستمر القمع، والتفاوت الحاد بين فئات الشعب، وحين يعمّ الفساد في الطبقة الحاكمة، الأمر الذي يمكن أن يرشح النظام الإيراني لهزّات كبيرة، يمكن أن تحمل معها مفاجآت التغيير.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق