قضايا المجتمع

النظام السوري يبتز الموظفين: من ليس معنا فهو مفصول*

 

تعددت مآسي السوريين الإنسانية الناتجة عن الحرب الدائرة في البلاد، وكذلك الطرق التي يسلكها نظام الأسد لمعاقبة معارضيه، ولعل موضوع الفصل التعسفي للموظفين من العمل، هو أحد هذه الإجراءات التي تحقق له عدة فوائد، إضافة إلى فعلها العقابي، كإرهاب وتخويف الآخرين، وتوفير بعض الالتزامات المالية.

لا توجد إحصاءات واضحة حتى الآن يمكن اعتمادها، ولكن المؤشرات تدل على أنها حالة واسعة، لها عدة مستويات، أقدم عليها النظام، منذ أواسط عام 2011، باعتبارها أداة من أدوات حربه وحصاره الاقتصادي للمواطنين.

يقول (مركز توثيق الانتهاكات في سورية)، في تقرير حقوقي سابق صدر عام 2014 حول الموضوع: إن “النشاط الثوري -بكافة أشكاله- هو سبب كاف للنظام، لفصل أي موظف تعسفيًا، إضافة إلى الوشاية به أو حتى الانتماء إلى طائفة معينة أو منطقة بعينها، وقد تمّ تسجيل العديد من الحالات لأشخاص، تمّ فصلهم فقط لانتمائهم إلى أحد العائلات المعروفة بنشاطها الثوري ومناهضتها للنظام.

كشف المهندس سامر كعكرلي، المدير الأسبق للاستثمار الزراعي في سورية، ومدير غرف الزراعة السابق، لـ (جيرون)، أن النظام “رفض تمديد إجازة بلا راتب له، كان قد حصل عليها لمدة عام، ووضع شروطًا تعجيزية عليه، واعتبره متغيبًا عن العمل بلا مبرر قانوني، وبالتالي تم فصله وحرمانه من مستحقاته”، ويضيف أن هذه الحالة تنطبق على الكثيرين ممن اضطروا إلى مغادرة البلد بسبب القمع والحرب، وبسبب عدم قدرتهم على الوصول إلى أعمالهم، وهي وسيلة موجهة ضد معارضي النظام بشكل أساسي”.

أشار كعكرلي –وهو موظف منذ عام 1991 وقد غادر البلاد أواسط عام 2013- إلى أنه عندما كان على رأس عمله (مدير غرف الزراعة)، كانت تصله، بعد انطلاق الثورة، قوائم من رئاسة الحكومة، كل أسبوع، لعاملِين تقرر فصلهم بذريعة “دعم أو الانتماء إلى تنظيمات (إرهابية)، وكانت كل قائمة تحوي مئات الأسماء، بأوامر يمكن وصفها بأنها (فصل جماعي)، وأكبرها من محافظات درعا ودير الزور وإدلب”، وكان عليه تدقيق هذه القوائم وتحديد المفصولين التابعين لغرف الزراعة”.

أكدت (سحر ع) لـ (جيرون)، وهي موظفة وناشطة في مجال المجتمع المدني في مدينة السويداء جنوب سورية، أن قرارات الفصل “كانت تأتي إلى المديريات عبر مكتب المحافظ، للتنفيذ الفوري دون أي فرصة للاعتراض، وهي بغالبيتها كيدية، ومبنية على دسائس ووشاية أمنية من زملاء داخل أماكن العمل، تحت شبهة تأييدهم للحراك الثوري أو انتقادهم للنظام، إضافة إلى فصل من تم استدعاؤه لخدمة (الاحتياط) العسكرية، ولم يلتحق بها”.

محمد كاظم هنداوي عضو (المنظمة العربية لحقوق الإنسان)، أوضح لـ (جيرون) أن النظام “يواجه الموظفين بالمادة 364 من قانون العاملين الموحد”، والتي تشير في إحدى فقراتها إلى أنه “يُعاقب بالحبس من 3 إلى 5 سنوات، وبغرامة مالية لا تقل عن الراتب الشهري مع التعويضات لمدة سنة كاملة، كل من ترك عمله أو انقطع عنه من العاملين في مؤسسات الدولة المختلفة، لمدة “15 يومًا”، أو اعتباره بحكم المستقيل.

لفت هنداوي إلى أن النظام -منذ بداية الثورة السورية- تعمّد “إذلال الموظفين وتشديد مراقبتهم، وبخاصة في المناطق الثائرة، وقد اختطف عددًا منهم من أماكن عملهم، وزجهم بالمعتقلات والسجون، ولدى المنظمة عدد من الحالات التي تم توثيقها”. كما ابتز النظام ماليًا -بحسب هنداوي- “بعض المعتقلين من الموظفين، وأجبر بعضهم على تقديم استقالته”، وأضاف أن “معظم الموظفين المعارضين أجبروا -بشكل أو بآخر- على ترك العمل، بسبب الظرف الأمني الصعب، أو الابتزاز من قبل زملائهم الذين يعملون كمخبرين داخل الدوائر الرسمية، وكان الخيار الوحيد هو الهروب مع أفراد العائلة لأجل النجاة”، ويرى هنداوي أن الحكومة الحالية يمكن وصفها بـ “غير الشرعية”، لعدم حمايتها المواطنين، ولهذا فإن “كافة قراراتها باطلة، ويجب مستقبلًا البحث عن طرق لإعادة الحقوق لأصحابها”.

المهندسة (صفية ح) رُفض طلب تمديد إجازة حصلت عليها لمدة عام بلا راتب، ووضعت أمامها شروطًا صعبة، جعلتها خارج العمل بعد نحو 23 عامًا من وجودها في الوظيفة، قالت لـ (جيرون) بحسرة عن زملاء لها، تمّ إيقافهم وفصلهم عن العمل أيضًا، وبعضهم قد قارب سن التقاعد، وتضيف: “من المؤسف أن تضيع جهود عمرك وما اكتسبته من كفاءات وخبرات علمية وعملية، بسبب موقف أخلاقي تجاه رفض الظلم والقتل، وتضيع معها الحقوق المالية التي اقتطعت أصلًا من الراتب على مدى سنوات”.

القاضي حسين حمادة المستشار السابق في محكمة النقض بمدينة حلب، قال لـ (جيرون) إن: “الحقوق المالية للموظفين هي حقوق مكتسبة، ولا يجوز أخذها أو إلغاؤها، تحت أي ظرف، فهي جهود تعاقدية مكرسة بالقانون، مقابل استهلاك عمر وخبرة وطاقة وجهود الموظف”، وأضاف أن “الطرف الآخر يفترض أنه أمين عليها. وتوصف تلك القرارات بالقانون بأنها جرم (إساءة أمانة)، وخصوصًا أن السلطة استحوذت على الدولة، وجيّرتها لخدمة أغراضها على طريقة العصابات، والإشكالية أن العصابات لا يمكن التفاهم معها بأي قانون، لأنها طرف لا يؤمن بالقانون”.

في هذا السياق، يوضح المحامي بسام العيسمي لـ (جيرون)، أن النظام السوري “لم يتصرف يومًا كنظام دولة، يراعي بعضًا من مسؤولياته المفترضة في الحفاظ على أمن المجتمع، ومنع التعدي على الحقوق، فهو أول من خرق الحقوق، ولم يصن آدمية البشر، وهو لا يقيم وزنًا لحقوق العاملين الموصوفة بكافة القوانين والمعايير المعمول بها دوليًا”.

بحسب العيسمي -وهو أحد المحامين المدافعين عن قضايا حقوق الإنسان والمعتقلين السياسيين قبل الثورة- فإن المادة 137 من قانون العاملين في الدولة تنص على أنه “يجوز، بقرار من رئيس مجلس الوزراء، صرف العامل من الخدمة، من دون ذكر الأسباب التي دعت لهذا الصرف. وإن قرارات الصرف من الخدمة، وفقًا لأحكام هذه المادة، غير قابلة لأي طريق من طرق المراجعة، أو الطعن أمام أي جهة أو مرجع، وترد الدعاوى التي تقام ضد هذا النوع من القرارات أيًا كان سببها.

وصف العيسمي تلك المادة بأنها: “وقحة ومكشوفة لإذلال العمال وابتزازهم، وهي تخالف المادة 8 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عام 1948، التي تعطي الحق لكل شخص باللجوء إلى المحاكم الوطنية، لإنصافه عن أي عمل فيه اعتداء على حقوقه”، وتابع بأنها تخالف أيضًا “المادة 10 من الإعلان نفسه، وتتناقض مع العهدين الدوليين الصادرين عام 1966 والمتعلقين بالحقوق المدنية والحقوق الاقتصادية والثقافية، وهي تخالف حين صدورها المادة 28 في الدستور السوري، والتي تنص على حق التقاضي وسلوك سبل الطعن والدفاع أمام القضاء”.

يشار إلى أن النظام، منذ عقود، يستخدم هذا الأسلوب لمحاصرة معارضيه، وقد طال الفصل التعسفي عددًا كبيرًا من الموظفين المناوئين له، دون حصولهم على أي تعويض، كما أن المعتقل السياسي لا يمنح وثيقة تبرر تغيبه عن العمل.

الناشط الحقوقي حازم حمد، الذي اعتقل عام 1991، بتهمة العمل على إنشاء منظمة للدفاع عن حقوق الإنسان في سورية، قال لـ (جيرون): إنه بعد خروجه من المعتقل عام 2000 “حُرم من كافة حقوقه المدنية، بما فيها حقوقه الوظيفية السابقة، ومُنع من التوظيف مجددًا، مع منعه من الحصول على كافة الوثائق المدنية المتعارف عليها للأفراد، وهذا الوضع ينطبق على غيره من معتقلي الرأي”.

يرى مركز توثيق الانتهاكات من جانبه أنّ عواقب الاعتقال غالبًا “تنتهي بالشخص إلى الفصل التعسفي من العمل، ويعود أثر ذلك حتى على أفراد عائلته”، وبخاصة أن العمل في القطاع العام يُعدّ مصدر دخل “رئيس ووحيد” لشريحة واسعة من السورين.

وفق حكومة النظام، فإن عدد موظفي القطاع العام بلغ عام 2015 نحو “2.5 مليون عامل، تبلغ كتلة رواتبهم 6.9 مليار ليرة”، وأنه حتى ذلك العام تم فصل “7000 موظف” لأسباب مختلفة، لكن تلك الأرقام لا يمكن اعتمادها، فهي غالبًا ما تكون غير دقيقة، فالنظام يحتكر إصدار البيانات والأرقام  الاحصائية، كما أن النظام ينظر إلى كافة اللاجئين والنازحين من الموظفين، كمتغيبين عن العمل، ويتم فصلهم، وهم بأعداد كبيرة جدًا.

أوضح القاضي حمادة أن تلك الحقوق يتم التعاطي معها قضائيًا، وفقًا للحالة المرافقة، ويجب التمييز “بين التقادم الثلاثي للحقوق الدورية، ومدته 3 سنوات، يجب المطالبة بالحق خلالها وإلا يسقط، والتقادم الخماسي مدته 5 سنوات للمطالبة بنيل التعويضات، والتقادم الطويل الأجل، في حال الديون على الدولة وغيرها”، ويؤكد حمادة أن كل تلك الحالات يمكن النظر إليها من خلال “انقطاع ووقف التقادم”، وذلك بسبب “ظرف مفاجئ أو قوة قاهرة تمنع الشخص من المطالبة بحقوقه، وهنا لا يسقط حقه في المطالبة بحقوقه”، كما يجري في سورية.

أنتجت هذه القصة الصحافية بدعم من منظمة صحافيون من أجل حقوق الإنسان الكندية وبرنامج الأمم المتحدة للديمقراطية

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق