أدب وفنون

صوت المرأة ثورة

 

“إنها جميلة، هل تبدأ أنتَ أم أبدأ أنا؟”

وتتساءل الجميلة، والرعب يفطر قلبها، عن معنى هذه العبارة في أولى ساعات الاعتقال، وفي أول مشهد من الفيلم التسجيلي (سوريا الصرخة المخنوقة) الذي سيفتح الباب على أبشع ملفات انتهاك حقوق الإنسان في العصر الحديث، ملف اعتقال النساء السوريات وتعذيبهنّ واغتصابهنّ منذ بدء الثورة، ومن خلال شهادات بعض اللاتي عشن التجربة وقُيض لهن النجاة.

الفيلم من إعداد وإخراج الصحافية الفرنسية مانون لوازو، بمشاركة الكاتب إنيك كوجيان، وبمساعدة الباحثة الليبية سعاد وحيدي. أما بطلات الفيلم المعنّفات، اللاتي كان لهنّ شرف فتح ملف العار أمام عدسة التصوير، فهنّ سبع نساء بأعمار مختلفة ومشارب اجتماعية متباينة، ينحدرّن من مدن اشتهرت بحراكها الأهم في الثورة السورية: درعا وحمص وحماة، منهنّ من تعرضت للتعذيب والاغتصاب أثناء الاعتقال، ومنهن من وقعت ضحيته أثناء اقتحام المنازل، يُضاف إليهنّ النقيبة المنشقة عن جيش النظام السوري.

لم تقتصر الشهادات على أساليب التعذيب والاغتصاب وأثارها النفسية المدمرة، فمن المتحدثات من فتحتْ لنا قلبها وباب منزلها، وأدخلتنا إلى عوالمها الخاصة، لنطل على البيئة التي نشأت فيها، وعلى ظروف حياتها وإسهامها في الثورة، قبل أن يُنتهك جسدها بأبشع الصور، وتُصاب بصدمة تنكر مجتمعها المحافظ لعذابها وتضحياتها، بعد نجاتها من أيدي مغتصبيها، أو ترتعد خوفًا وغضبًا، وهي تتلقى خبر “جريمة شرف“، راحت ضحيتها إحدى زميلاتها في المعتقل.

يبدأ الفيلم بشهادة المعتقلة الدرعاوية الجميلة التي تغيب ملاح وجهها في الإضاءة الخافتة، وهي تحدثنا عن طفولتها السعيدة في كنف أبٍ كان يحبها، ويشجعها على أن تصبح شخصية متعلمة متماسكة ذات شأن، في بلدٍ يخاف سكانه حتى من جدران بيوتهم أن تتنصت عليهم. تودع الصبية والدها مبكرًا، وتشهد وفاة حافظ الأسد وتولي ابنه بشار الرئاسة، تستنكر ما حدث في الجمهورية من توريث للحكم، وتُجبر كغيرها على الصمت إلى أن يطلق أطفال درعا شرارة الثورة، وتُعاقب المدينة بمجزرة المسجد العمري في الثالث والعشرين من آذار، تشارك المتظاهرين احتجاجهم على القمع والقتل، وتسعف المصابين، بمن فيهم أحد عساكر النظام، وتُعتقل على أحد مفارز أمن النظام، وهي في طريقها إلى الجامعة.

تُتهم بنقل السلاح، وتشهد اغتصاب رفيقاتها، ويتناوب المجندون على اغتصابها كل مساء، حتى تحس بآلام لا تطاق، وتسمع أحدهم يقول: “كمّل، ما بأثّر”. ترفع رأسها قليلًا، وتلمح دمها يجري على الأرض، يُغمى عليها وتصحو في المستشفى، حيث يتعاطف معها الطبيب، وينقذها بأن يشهد أنها ماتت. تنجو من سجنها بأعجوبة بعد أربع وعشرين يومًا، ولا تنجو من ندوب روحها، فالموت بنظرها أرحم من الاغتصاب. تهاجر، علّها تنسى، وما إن تصل إلى خيمة اللجوء حتى يفاجئها خبر قتل إحدى زميلاتها غسلًا للعار، بعد خروجها من المعتقل.

السيدة الحموية المحجبة ماريا خليف التي وقفت وجهًا لوجه أمام العدسة، وتحدثت باسمها الحقيقي، أيضا كانت تربطها علاقة ودية بأبيها، وتعيش سعيدة في داره مع زوجها وأولادها الثلاثة، وهو من بارك قرارها في المشاركة بالمظاهرات وإسعاف الجرحى، وفي يوم مجزرة الحرية التي راح ضحيتها حوالي سبعمئة وخمسين شخصًا، نصفهم تقريبًا من الأطفال، خلع رجال الأمن باب منزلها، واعتقلوها بعد أربعة شهور من التخفي.

اقتيدت ماريا سافرة، ضُربت ورُكلت بالأقدام مع ست معتقلات، داخل السيارة التي أوصلتهّن إلى السجن، حيث كان بانتظارهنّ الشَبْح والتعذيب في النهار والاغتصاب في المساء، وفي شهادتها سمتْ من اعتدى عليها، وذكرتْ أنهم كانوا ينادونها بالرقم 2، وأنها أُصيبت بضمور في كليتها اليسرى من شدة الضرب، وكانت شاهدة على ولادة سجينة، قبل أن تنهي شهر حملها السابع، بسبب الاغتصاب، وأنها خرجت بصفقة تبادل للأسرى بعد أربع عشرين يومًا، لكنها وجدت ورقة الطلاق بانتظارها، واضطرت إلى مغادرة سورية مع أطفالها، خوفًا من اعتداء أحد أقاربها عليها.

إحدى السيدات تحدثت عن تجربتها القاسية في سجن “آفاق”، ووصفته بأنه سجن رهيب، يضم المعتقلين، الأحياء منهم والقتلى، وأنها كانت شاهدة على خمس حالات انتحار لسجينات، تم اغتصابهنّ خلال فترة اعتقالها التي لم تتعدَ الشهريّن.

السيدة الحمصية فوزية حسين الخلف، ربة المنزل، ذات الصوت الجميل والابتسامة العذبة، التي كانت تنعم بالسعادة والحب برفقة زوجها وبناتها الثمانية، لم تُعتقل، لكنها اغتُصبت في عُقر دارها، يوم داهمه الشبيحة، بعد قصف الحولة في الخامس والعشرين من أيار 2012، اغتُصبت وشهدت بأم عينها قتل زوجها واغتصاب بناتها ومقتلهنّ، باستثناء واحدة، نجت بأعجوبة من ست رصاصات اخترقت ظهرها.

شهادة النقيبة المنشقة التي كانت تدير ظهرها لعدسة التصوير أكدت أن اعتقال النساء يجري، بهدف الضغط على رجالهنّ وأقاربهنّ لتسليم أنفسهم، أو من أجل تبادل الأسرى، وأن اغتصابهنّ لا يتم فقط في السجون، إنما أيضًا في منازلهن وعلى حواجز الأمن وفي الأماكن العامة، وهو ليس سلوكًا فرديًا، بل سياسة ممنهجة يتبعها النظام لكسر إرادة الرجال المشاركين في الثورة وتحطيم أسرهم، وأن حبوبًا منشطة كانت تُعطى للجنود الذين يتذمرون ليبقوا مفعمين بالحيوية لمدة 72 ساعة.

وعلى الرغم من فظاعة المعلومات الواردة في الفيلم، فهي ليست جديدة، وليست الأقسى من نوعها، ففي وقت مبكر من عمر الثورة السورية، شمل ملف اعتقال النساء واغتصابهنّ انتهاكات أشد وحشية كإدخال الجرذان في الأعضاء التناسلية أو كيّها بالمكواة، وأضاف عليها مقتل خمس وثلاثين معتقلة تحت التعذيب، فيما وثق تقرير (العار المستدام) الذي أصدرته الشبكة السورية لحقوق الإنسان، قبل عامين، شهادة سبع سجينات، كانت بينهنّ السيدة ماريا خليف، وكل البيانات رُفعت إلى الجهات المختصة في هيئة الأمم المتحدة، ولم تلقَ الاهتمام المطلوب.

لعل الجديد الذي أحدث الأثر الأعمق في فيلم (سوريا الصرخة المخنوقة) هو الحضور الحي للضحايا، صوتهنّ الواجف، جراحهنّ الغائرة، وألمهنّ الممزوج بالخيبة الذي يفيض مع كل كلمة ينطقّن بها، ويخترق قلوب المشاهدين. هو جدل الخاص والعام في مأساة جماعية، وهو لمسة الفن الذكية التي أضفتها المخرجة لوازو، عبر دمج الشهادات بوثائق مصوّرة عن اجتياح الأماكن الآهلة بالمصفحات واقتحام رجال الأمن والشبيحة لمنازل المدنيين، وعبر ترتيب اللقطات، في سياق درامي رسم مشهدًا كامل الأبعاد لمنظومة الاستبداد الحاكم في سورية، التي تعيد إنتاج نفسها بالمزيد من الانتهاكات والجرائم ضد الإنسانية، وتجيب عن السؤال: لماذا قامت الثورة السورية، ولما تعثرت؟

المخرجة لوازو ألقت حجرًا صائبًا في مياه المجتمع الدولي الساكنة، وعرض (الصرخة المخنوقة) على القناة الفرنسية الثانية، جعل منها قضية رأي عام، شغلت وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي بالتعليقات المتعاطفة مع المعنّفات روحًا وجسدًا، وبالمطالبة بمقاضاة الجناة، ربما كان أهمها ما كتبه الباحث وأستاذ تاريخ الشرق الأوسط الحديث جان بيير فيليو: “لم يعد أمام الرئيس إيمانويل ماكرون من خيار آخر غير سحب وسام جوقة شرف فرنسا من الدكتاتور السوري بشار الأسد”.

لكن ردة الفعل الأقوى جاءت بتوقيع الفيلسوف والمفكر الفرنسي فريدريك لونوار، حين كتب عريضة، دعا فيها رئيس بلاده إلى أن يبذل كل ما بوسعه “لتحرير آلاف النساء ممن لا زلن رهن الاعتقال في سورية”، وهنّ بحسب تقرير الشبكة السورية لحقوق الإنسان في يوم المرأة العالمي لهذا العام: 7571 سجينة، لا أحد يعلم شيئًا عن مصيرهنّ، بينهنّ قرابة 500 فتاة لم تبلغ سن الرشد بعد.

صوت المرأة ثورة، وكل الامتنان لمن أصغى إلى صرخة سوريا المخنوقة، ومد يدًا بيضاء نحوها.

مقالات ذات صلة

إغلاق