أدب وفنون

ما قبل الاستيقاظ

 

شعاع ضوء يخترق زجاج النافذة دون أن يكسره، يرتطم بالجدار دون أن يصدر أي صوت، الدليل الوحيد على وجوده هو اللون الذي يتركه على الجدار. كيف يفعل الضوء ذلك؟ يبتسم المساعد أول توفيق، وهو يثبت صورة لحافظ الأسد على جدار الغرفة، ويخبرني بأنه أحق من غيره بالثورة على الأسد، لأن ابن الحرام (يقصد القائد الخالد حافظ الأسد) أصدر مرسومًا يجرّم سرقة الآثار والمتاجرة بها. يرفع المساعد أول توفيق كأس العرق ويشربه بصحة السيد الرئيس، وهو يقهقه ضاحكًا. كأس العرق يرتجف في يدي. دراجتي الهوائية تمر على الخط الجانبي متجاوزة الرتل الطويل من السيارات المنتظرة على حاجز جرمانا، أنظر إلى سيارة دفع رباعي فارهة بازدراء، أنا أمر، والسيارة الفارهة ذات الزجاج الأسود والـ “آنطينات” تقف في الصف رغم جعير زمورها. هع. العقيد أيهم يقول: الإرهابيون قتلوا أربعمئة شخص في داريا هذا المساء، أنظر إليه موافقًا، في الصباح يقرأ علينا النشرة السياسية: جيشنا قتل أربعمئة إرهابي في داريا بالأمس. لا يكلف العقيد أيهم نفسه عناء الشرح. أحجار الطريق التي تعبد الشارع المستقيم وسوق الحميدية رائعة، أشعر بالأرض الصلبة تحتي، وأنا أتدحرج مخترقًا دمشق القديمة على الدراجة الهوائية. “حمدو” يقذفني بكرات الثلج أمام المسرح العسكري قرب جسر فكتوريا، أشعر بلهجته الحلبية في كل إصابة تصيبني بها الكرات، أفرح لابتسامة حمدو. عطر اسمه هاملت… أكره شكسبير. نركض أنا وفراس من “الآروما كافيه” إلى أمام دير اللاتين، سيارة أجرة تحترق بعد سقوط قذيفة هاون، نكمل أنا وفراس باقي يومنا في “بيجز كافيه-الشعلان”. أبي يسير بقربي في “مظاهرة المثقفين” في الميدان. يصرخ مع التظاهرة، فمي مقفل، فأنا عسكري، ولكن: الشعب يريد إسقاط النظام. كيف يفعل الضوء ذلك؟ بيروت مدينة قبيحة. الكنبايات في منزل أوس مريحة جدًا. الرقيب أول سمير جالس بكآبة يلف سيجارة من التبغ البلدي، ومبسمه المصنوع من الزيتون في فمه. كان يسكن في منطقة الكبّاس، حين هاجمها مسلحو المليحة، قال لي بلهجته الطرطوسية الطريفة، بعد ذلك بأسابيع: “مَّيقصفوين بالطيران، آبدك ياهين يهجموا عالكبّاس؟! لا، والله بيهجموا عالكباس وعلى مية كباس”. حسام يزيل الحواجز مع مجموعة من الجيش الحر استعدادًا لمهاجمة دمشق، حين تبدأ الصواريخ الأميركية بقصف مواقع الجيش السوري، ردًا على مجزرة الكيماوي التي ارتكبها الجيش. يومها كان يمكن أن نقف وجهًا لوجه، وكلانا مستعد لقتل الآخر. يمرر لي حسام سيجارة الحشيش وهو يخبرني بذلك. بطاطا مشوية مع الزبدة وخضار أخرى. كلنا مجتمعون في منزل أوس والأمل يخردقنا، صبحي يحرد لسبب مجهول، حتى بالنسبة إليه، ويغادر في الواحدة بعد منتصف الليل. سيارة (كيا) صغيرة تسير بهدوء في شوارع مشروع دمر، فيروز تغني “لملمت ذكرى لقاء الأمس بالهدب”، لانا تتقصد المرور فوق حفر الطريق، تبتسم قبل كل حفرة. غيفارا تحضر لي شامبو وأشياء أخرى، وتنتظرني خارج المسرح العسكري. صابون الجيش لا يكفي. انفجاران متتاليان في جرمانا، دراجتي الهوائية بقربي، وأنا أجلس على الرصيف بفم مفتوح، عيناي مفتوحتان لا تريان إلا الغبار والفراغ، أعود إلى البيت، أدير التلفاز على قناة إخبارية أجنبية كي أتأكد من وقوع الانفجار. قهوة في “ساروجة”، همس وتلميحات، جيل كامل يضحك، ذلك البريق في العيون لا يمكن نسيانه. أنا أذوب بين يدي وأظل حيًا. كيلو سودة نيّة على “البرندة” في بيت جدي. “الحكورة” خلفنا أنا وطارق ابن خالتي وفاء، الذي يراقبني بفرح وأنا ألتهم السودة، بعد أسبوع من خروجي من فرع فلسطين. الجثث في فرع المنطقة. غير قابل للتصديق، غير قابل للنسيان. الرائحة أيضًا. كيف يفعلها الضوء؟ أبو يوشع يعانقني بعد عودتي للخدمة العسكرية، ثلاثة شهور من الاعتقال ليست سببًا للتسريح. لم يعانقني أحد آخر في القطعة العسكرية سواه… إلا سرًا. لن أعبر الحدود، واضح أنه مزور، عليك أن تصدر لي جوازًا جديدًا. ماري إلياس، نائلة الأطرش، حنان قصاب حسن، سمير عثمان، أبي غسان، على طاولة واحدة تقريبًا في شام محل في دمشق القديمة؛ حيث سأقدم أول عرض مسرحي من إخراجي. أسامة ووفاء حضرا، اكتمل العدد، أشعر بالفرح بعد الكأس الثالث. يامن صور العرض واختفى بعد ذلك بسنة في تفجيرَي جرمانا. إنه بخير. عندما تضحك ديمة تزرّ عينيها، من أجمل الضحكات التي عرفتها في حياتي. مكتبة عتيقة، مكتبة الذهبي التي كنت أتسابق أنا وأسامة كالأطفال، في إخراج الكتب النادرة من على رفوفها. المهند حيدر سرق منها مسرحية “مستر دولار”، لم نعرف إلا لاحقًا. صرت أحتقر مهند. لم يكن مضطرًا إلى السرقة، قتيبة يثق بي لذلك تلهى بترتيب كتب مكتبته، ولكن مهند سرق المسرحية. قتيبة قتله التعذيب في أحد فروع الأمن، بعد عام تقريبًا. أبو خالد تحت الجسر يبيع الكتب المستعملة أيضًا. أمي تراني أبكي إثر استشهاد طبيب صديق لي، تقول لي بعد صمت إنها لا تعرف ما الذي أفعله، ولكن في حال حدث معي أي شيء فـ “خليك زلمة وقد حالك”. لم أتذكر هذه الجملة، حين اقتادوني إلى فرع المنطقة. سقف دير اللاتين الأحمر، أمامه تتمايل رؤوس نخلات ثلاث، وأنا في الأسفل ممدد على كرسي إسمنتي في بيجز الشعلان، أراقب حركة ظل النخلات على السقف القرميدي الأحمر. ممتلئ بالسكينة. ضوء الشمس يدخل من الزجاج دون أن يكسره، ويرتطم بالجدار دون أن يصدر أي صوت. أستيقظ. بيروت مدينة قبيحة جدًا.

 

*اللوحة للفنان السوري دلدار فيلمز

مقالات ذات صلة

إغلاق