هموم ثقافية

خصوصياتنا وخصوصياتهم

 

منذ عقود، دَرَجَ الأسد الأب ووسائل إعلامه على استخدام تركيب “خصوصيتنا الثقافية”، ردًّا على تقارير المنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان، كلما أشارت إلى انتهاكات نظامه لها.

ألا يعني ذلك أنّ “خصوصيتنا الثقافية” تقبل، وربما تحبِّذ القمع والاضطهاد والانتهاكات الأخرى المتعلقة بحقوق الإنسان؟!

هذا المنطق ليس أعوج فحسب، وإنما هو استعباطيّ ولا أخلاقي بالطبع.

وحديث الأسد عن “خصوصيتنا الثقافية”، في تلك الفترة، ترافق مع الحديث عن “الغزو الثقافي” الذي تتعرّض له “أمتنا”، وكذلك الأمر مع تركيب “الكيل بمكيالين”.

أمّةٌ وراءها الله والقرآن والأسد والرسالة الخالدة، وتخشى على خصوصيتها الثقافية، أو تخشى من “الغزو” الثقافي، بكل ما تنطوي عليه لفظة “الغزو” من عقليه عصبية قبَلية، ودلالات بدائية غرضها تحريك المشاعر وردّات الأفعال وليس العقل.

كيف وفَّق الإعلام الأسدي بين تركيب الغزو الثقافي وبين تركيب سورية الحديثة؟ أليست الحداثة والغزو على طرفَي نقيض؟

تنهض هذه التراكيب على مساحات واسعة من الزَنَخ والاستهتار والتذاكي والاستغباء. ولا تكمن الخطورة هنا في الأسد فقط، بل في مَنْ انتقلت إليه العدوى، أو أنه في الأصل يحمل الجين أو الفايروس نفسه.

قرأت مؤخرًا كتابات كثيرة، تتحدث عن سوء الوضع الإنساني، في كندا أو السويد، والسبب أن السويد مثل كندا، حرمَت والدَين من أبنائهما.

بعض الكتابات لأشخاص مع الثورة -يُفْتَرَض أن لديهم حدًا ما من الرغبة في التغيير أو التطوير- كتبوا عن سوء السويد التي لا تدرك “خصوصيتنا” في علاقاتنا العائلية. ذلك يعني أنه من المعتاد والطبيعي عندنا أن نؤدِّب أطفالنا عبر الضرب المبرِّح. وهذا حقًا وللأسف واقع حال الكثير من العوائل.

من المعتاد عندنا، أن يذهب الوالد مع صغيره في أول يوم إلى المدرسة، ليقول للمعلم “يا أستاذ.. اللحم لك والعظم لنا”. هكذا هي طريقتنا في التربية، وعلى السويد أن تتفهَّم ذلك وتحترمه، وربما عليها أن تقتدي بنا في التعامل مع أطفالها.

أرى أن هذه العقلية هي امتداد أو استجرار لعقلية الأسد، في رؤيته لخصوصيتنا الثقافية.

ضجت مواقع التواصل الاجتماعي بقصة حرمان والدَين سوريين من أبنائهما، وهناك فيديو يصوِّر الأب، وهو مغلوب على أمره، ويبثّ شكواه وظلامته. الأمّ في الفيديو لم تنبس بأي حرف.

الأب يقول في الفيديو إن البوليس جاء إلى منزلهم وانتزع الأطفال منهم، وإن المترجِمة ربما زوَّرتْ في كلام الوالد في أثناء ترجمتها بينه وبين رجال الشرطة؛ ما أوقعهم في هذه الورطة.

الأب الساذج، وربما المتساذج، ربما لا يعرف أن هناك قرارًا صادرًا من المحكمة، وأن المترجمة جاءت فقط لتبلغهم قرار المحكمة بالعربية، ولا علاقة لها بتزوير ترجمة أو غيره.

هذه مشكلة يعانيها كثير من العوائل الأجنية. ولأن السلطات السويدية تدرك أن الأولاد أسرع من والديهم في معرفة حقوقهم وفق القوانين، وبالتالي إمكانية ادعائهم ضد الوالدين، فقد لجأت السلطات منذ سنوات طويلة إلى الاعتماد على موظفين أو خبراء أو دارسين، ليشرحوا للأهالي، أن ادعاء أطفالهم عليهم لا يعني شيئًا، إلا إذا كانت هناك آثار بادية على ضرب أو تعذيب. ومع ذلك، إذا كان الضرب بسيطًا؛ فإن السلطات المعنية تقوم بإنذار الأهل مرة واثنتين وأحيانًا ثلاثًا، فإن لم يستجيبوا؛ تقرر السلطات أخذ الأولاد من الأهل، فإن طالب الأولاد بأهلهم؛ أعادوا الأولاد وأنذروا الوالدين مجددًا.

في الحالة الأخيرة، وهي الأكثر شهرة في السويد عام 2017، عائلة سورية، سحبت منها السلطات أبناءها. الواقع الذي لا يعرفه كثيرون أن السلطات أنذرت الأب ثلاث مرات، ليتوقف عن ضرب أولاده، ولكنّ “خصوصيته” التربوية، التي تربّى عليها، لم تسمح له بالتوقف عن ضرب الأولاد.

وَضْع الأولاد في المدرسة كان واضحًا وشديد البؤس. المدرسة، وكذلك الجيران، أبلغوا السلطات بما رأوا. جاءت السلطات المعنية وأخذت الأمّ والأولاد إلى مكان آمن، وأُبْلِغت الأم بعدم العودة مع الأولاد إلى الأب، فتلك مسؤولية ستحاسَب عليها قانونيًا، إن هي لم تتقيّد بالتعليمات.

لاحظ المعنيون أن الأمّ تخطّط لأمر فيه مخالفة، فأنذروها، ولكن الأمّ في المحصلة أخذت الأولاد وهربت بهم إلى الأب. لا أدري إن كان الأب قد فرض على الأم أن تفعل ذلك، أم أن الأم قامت بذلك من تلقاء نفسها. لاحقًا صدر قرار المحكمة بأخذ الأولاد من الأب والأمّ معًا.

حالات سورية كثيرة، ادّعى فيها الأبناء على الآباء، وفي الغالب عادت الادعاءات خائبة. ويتعرّف الأولاد على القوانين السويدية من خلال المدرسة، وأحيانًا من خلال قيل عن قال؛ فتستيقظ رغبتهم في الانتقام من آبائهم، وتدفعهم إلى تقديم بلاغات كاذبة، لتوهمهم أن البوليس في السويد سيقف بالضرورة إلى جانبهم.

وكذلك يجري الأمر بين زوجات وأزواج، إذ يقوم هذا الطرف أو ذاك بتقديم ادعاءات أو بيانات كاذبة، غير أن السلطات ليست ساذجة. وإذا افترضنا أن هناك شخصًا ما، تعرَّض لظلم أو حُكم جائر، وهذا احتمالٌ ممكن، فإنه ببساطة يستطيع توكيل محامٍ يردّ له حقه.

المحامي في السويد لا يخشى من المخابرات، ولا تغريه رشوة أحد، وبالتالي يستطيع استرداد حقّ موكّله، إن كان لموكّله حقّ.

هل هي خصوصياتنا وخصوصياتهم، أم أن الأمر متعلّق بضعف الوعي، أم ضعف الأخلاق أم المنطق، أم الكيل بمكيالين؟

كان الأسد الأب يعتقد أنه في منتهى الذكاء والعبقرية، عندما لمع في ذهنه، أو ذهن أحد مستشاريه، تركيب “الكيل بمكيالين”. الكيل بمكيالين الآن صار يعني أن العالم بمعظمه في صف الأسد الولد واقعيًا، ولكنه افتراضيًا مع الشعب السوريّ الثائر أو المنتفض.

بعض المعارضين، ممن جاء إلى السويد بعد الثورة، يكيل أيضًا بمكيالين. بعضهم يقول إن السويد تستقبل من اللاجئين السوريين، الذين هم مع نظام الأسد، أكثر مما تستقبل من السوريين الذين هم ضد الأسد. ولا أعتقد أن أحدًا استطاع إثباتَ هذه الواقعة، وإن كنت أظنُّها العكس. ولكن لنفترض أن ذلك صحيح، فأين المشكلة؟

قوانين السويد وأخلاقها تقول إن السويد ملزمة باستقبال كل شخص مهددة حياته بالخطر. قناعة السويد، وقناعتي أيضًا، أن حياة كلّ سوري مهدّدة بالخطر، فلماذا إذن على السويد أن تستقبل السوريين الذين هم ضد الأسد، وترفض كل طالب لجوء هو مع الأسد؟!

المنطق القانوني والأخلاقي والمقنِع -بالنسبة إلى السويد- هو حماية حياة البشر أولًا، بغض النظر عن أفكارهم ومعتقداتهم. عقلية أنّ أنصار الأسد المدنيين أو الأبرياء، ينبغي أن يموتوا، وأنصار الثورة ينبغي أن يعيشوا، هي عقلية لا تحترم نفسها ولا المنطق ولا الأخلاق.

وعندما تقوم السلطات السويدية باعتقال أي طالب لجوء، ثبتَ عليه أنه قام بجرائم قتل أو حرب، أو ضد الإنسانية؛ فإن ذلك يعني أن الكيل واحد.

اعتقلت السويد عددًا من طالبي اللجوء السوريين، بعضهم من شبيحة الأسد، وبعضهم من شبيحة الثورة. أما من كان من الجيش الحرّ أو جيش النظام، وحمل السلاح دفاعًا عن نفسه، ولم يرتكب أي جريمة، فقد قبلته السويد، كغيره من اللاجئين، أو للأمانة كغيره من طالبي الحماية. في السويد يعتبرون أن لفظة اللجوء تنطوي على إساءة للمشاعر، لذلك حين يقول أحدهم لموظف دائرة الهجرة أنه يطلب اللجوء، يجيبه الموظف: تقصد أنك تطلب الحماية، أليس كذلك؟

مقالات ذات صلة

إغلاق