مقالات الرأي

نحو ديمقراطية مستدامة

 

شكّلت الديمقراطية مطلبًا أساسيًا لكافة حركات المعارضة والانتفاضات العربية، إذ إن رغبة الخلاص من الاستبداد، والنضال السياسي ضدّ أنظمة القهر التي سادت وتسود معظم الدول العربية، ترافقت بسيل من النصوص والأبحاث التي تبشّر بالديمقراطية، كحلّ لكافة المشكلات التي خلّفتها هذه الأنظمة، وعلى رأسها الولاء الأعمى لسلطة الحاكم، ولكنها لم توجّه جهدها نحو تفكيك جذور التسلط في المجتمعات العربية، وما يرافقها من منظومة السلطات التي تعمل على توطين الاستبداد، كسلطة رجال الدين وشيوخ القبائل والطوائف وغيرها، بما تنميه من سمات الخضوع، وتغييب استقلالية الفرد ودوره في الحياة والمجتمع، باعتباره أساسًا للديمقراطية.

الديمقراطية التي اتخذت حظوتها لدى الكثيرين، باعتبارها النظام السياسي الأنسب لإدارة العلاقات بين الأفراد من جهة، وبين الأفراد والسلطة السياسية من جهة أخرى، تحوّلت في البلدان العربية إلى رهينة للصراعات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي دفعت نحو تفتَّت المطالب السياسية بالتغيير، ووضعتها أمام حدّين يتعادلان في القسوة: إما الاستغراق في الفوضى والعنف وإما المصادرة والاحتواء، وهو ما كان جليًا في اختبارات مصر وتونس واليمن وليبيا، وإن بوقائع وصور متباينة، أما الانتفاضة السورية وما تلاها، حتى الآن، من مرحلة ممزوجة بالألم والدماء والدمار، فقد جعلت من مطلب الديمقراطية مطلبًا ضيّقًا، يتمّ تفصيله بما يتناسب مع الرؤى والأفكار السياسية لهذا الفصيل أو ذاك، وحوّلتها إلى مطية لجملة طروحات مختلفة، لها محدداتها حسب الفئات المنقسمة دينيًا أو سياسيًا، فالإسلامي يسعى من خلالها لتحقيق حكم الأغلبية، والأقليات تريدها للخلاص من مركزية حضور الدين في المجال العام،  والأكراد يرغبون في ما تعطيه من حق تقرير المصير، وآخرون يريدون اقترانها بالإلحاد أو بنظام اشتراكي أو بحرية السوق، أو غيرها من جملة طروحات “لديمقراطيات” معتمة، لا تقارب الطرح الديمقراطي وقيمه التأسيسية الحداثية في الحرية والمساواة والاعتراف بالآخر التي تدفع إلى القبول بكل هذه التيارات، كجزء من البناء السياسي.

هذه الطروحات بجملتها تشير إلى هشاشة التأصيل للوعي السياسي الفردي والجماعي الذي يكمن في هيكلية الدول الاستبدادية التي ابتعدت عن التغيرات الإنسانية الكبرى، في بناء العلاقات بين الأفراد وبين المجتمع والسلطة، والاكتفاء بالتركيز على المظاهر الخارجية لهذه المشكلة التي تتجلى في سيطرة أفراد أو فئات قليلة على مقاليد السلطة، وممارستهم للقمع والتعسّف السياسي، وعدم السماح للرأي المعارض بأن يعبّر عن نفسه، وقد طبعت الجماهيرَ بطابعها، بحيث لم يتَح لها تبني الديمقراطية أو ممارستها، فجذور الاستبداد الضاربة في عمق المجتمع السوري، وقد نبتت منها أنظمة القهر والاستعباد، جعلت السوريين على اختلاف أطيافهم أسرى سجونٍ تعادل، في قسوتها واغتصابها للحرية الفردية، سجونَ النظام وقمعه للحريات، وأغلب القوى التي تبنّت الديمقراطية، كردة فعل على استبداد النظام، ساهمت في تعميق التناقضات المجتمعية، بدلًا من أن تحدّ من وطأتها. وسورية التي صارت فريسة لمآزق كبيرة ومتعددة، من التأثيرات الداخلية الممتدة من العسكرة والحالة الميلشياوية السائدة، وتحكّم أمراء الحروب، إلى كونها صراعًا للهُويَّات السياسية المُتنافسة، ومن التأثيرات الخارجية المدمّرة، من تدفق اللاجئين، إلى الراديكالية بكل أنواعها وأهمها نموذج (داعش)، وما فرضته من ترتيبات دولية، غايتها إعادة تشكيل مظلّة أمنية استراتيجية، تسعى لاحتواء المشهد وتداعياته، وإن أدى ذلك إلى الإبقاء على بنية النظام، مع تجميل الصورة قليلًا، عبر تقديم إصلاحات تعطي انطباعًا عن حكم ديمقراطي، دون أن تقارب مزاياه، وبالتالي لن تشكّل حلًّا للمشكلة، فوجود حكومة ديمقراطية لا يعني بالضرورة وجود مجتمع ديمقراطي، يتم فيه ترسيخ علاقة سليمة بين الشعب والحكومات، وفق ضوابط مؤسساتية، يفرضها الأفراد عبر صناديق الاقتراع والدساتير الحرّة التي تكفّ يد الاستبداد والانفراد بالسلطة.

غياب الوعي المجتمعي والفردي لآليات التحوّل الديمقراطي، وغياب القوى السياسية القادرة على إنجاح التجربة، وتشكيل حركة سياسية منظمة قادرة على فرض شروط ‏ومسارات التغيير، واختزال تلك النخب إلى مجرد لاعبين تابعين لمنظومة إقليمية ودولية تقرر مصير سورية والسوريين، أفقدها شرعيتها في احتضان الحراك الشعبي، وتولي قيادته لتحويله ‏إلى قوة ثورية منظمة، تفرض التغيير نحو ديمقراطية حقيقية،‏ وأسفر عن خيبات كبيرة خلال السنوات السابقة، من حيث التأسيس لخوض قفزات نوعية وتطورات حياتية، تنتج جيلًا جديدًا من العلاقات والمفاهيم مبنية على أسس جديدة، تلغي معضلات التمييز الطائفي والعرقي والقومي، وتعيد إلى التنوع متطلباته، وتلغي استبداد السلطات على اختلافها، وتؤسس لخلق بيئة صالحة للتحول الديمقراطي المستدام، بحيث تكون الديمقراطية -بوصفها ثقافة وآليات ووسائل ونظم- هي السائدة في الحياة السياسية وإدارة شؤون الدولة والسلطة، كما هي جزء أساس في النسيج الاجتماعي والثقافي الذي يؤهّل لقيام دولة سورية حديثة، ويقدّم مستقبل أفضل للسوريين.

مقالات ذات صلة

إغلاق