سورية الآن

في رثاء حلب بعد عامٍ من سقوطها

في خريف العام الماضي، شاهدنا بشار الأسد وهو يضرب شرق حلب، حيث انهالت براميله المتفجرة على المباني الحجرية تهدمها وتحولها إلى أنقاض، وتسحق سكانها بين تلك الطبقات الحجرية. أما أولئك الذين نجوا فقد تُركوا يصارعون الجوع والمرض واليأس، والموت يحيط بهم من كل مكان. ومن خلال التفاصيل المؤلمة التي حصلنا عليها، فقد علّمنا الحصار المعنى الكامل لـ “الخضوع أو الجوع”، وهي استراتيجية الرئيس السوري لهزيمة “الإرهابيين”، أو أي شخص يعارضه بصورة عامة. وفي منتصف شهر ديسمبر /كانون الأول، أجلّت حافلات نظام الأسد الخضراء عشرات الآلاف من المدنيين إلى إدلب قسراً، حيث سارع العاملون في المجال الإنساني المحلي إلى إقامة خيام بلاستيكية كافية للأسر مع بدء تساقط الثلوج.
شهد العالم تلك الوقائع، حيث هيمنت أخبار حلب على عناوين الصحف الرئيسية وتصدرت الهاشتاغات المرتبطة بها مواقع التواصل الاجتماعي على مدار بضعة أشهر، ثم أدار ناظريه بعد ذلك.
لم أستطع البكاء خلال تدمير حلب، منزل طفولتي الأول، كنت بالكاد أقرأ الأخبار، وانقطعت عن تويتر، والتصقت بدلاً من ذلك بفيسبوك. بالنسبة لي، كانت الكلمات المؤثرة الوحيدة التي اهتممت بقراءتها، هي تلك الكلمات من الأصدقاء والناشطين في حلب، الذين نشروا رسائلهم المفجعة باللغة العربية، بدلاً من اللغة الإنجليزية المعتادة. لقد آلمتنا تلك الأحداث المأساوية التي وقعت في سوريا وتناقلتها وسائل الإعلام، ولكنها على الجانب الآخر، دفعتنا للتخلي عن منطقنا الساذج والفاشل؛ أنه إذا عرف الناس ما يحدث هناك، فسيتوقف الأمر. ومن خلال اختيار الحزن باللغة العربية، فقد نحتنا مساحة شبه خاصة بنا لرثاء وطننا المنكوب.
تطلب الأمر وقوع أحد أكبر الخسائر غير المتوقعة لإذابة تلك الطبقة المخدرة من التفاعل الدفاعي التي شيدتها: ففي يوم عيد الميلاد، تُوفي جورج مايكل في سن ال 53 عاماً. عندما سمعت الأخبار، تجمدت مكاني للوهلة الأولى من شدة الصدمة، ثم انخرطت بعدها في البكاء. بالنسبة لأولئك الذين نشأوا في حلب تحت الحكم الاستبدادي، كانت موسيقى البوب إحدى نوافذنا القليلة إلى العالم الخارجي. كمراهقين، كنّا نستمع إلى الكثير من الموسيقى الغربية بأسرع ما يمكن أن تصل إليه أيدينا – جورج مايكل، مادونا، مايكل جاكسون، فرقة يو تو U2، وفي وقت لاحق، آر إي إم REM، أويسس Oasis، سبايس جيرلز Spice Girls. في الواقع كان الحصول على الموسيقى نفسها يُعد عملاً كبيراً تماماً كالاستماع إليها. كنّا نحصل على تلك الألبومات الجديدة التي تصدر في أميركا وأوروبا من الأشخاص الذين سافروا خارج سوريا، أو خلال زيارة أقاربنا الذين اعتادوا على جلبها لنا.
في الغالب، كنا نكتشف فنانين جُدد في متاجر الموسيقى المحلية. وكان متجري الأول للموسيقى هو متجر كوين أو الملكة ، وهو متجر تحت الأرض في حي العزيزية في حلب. كنت أذهب إليه مع أصدقائي من المدرسة الثانوية وكنّا نقطع البهو للأسفل مروراً باللافتة النيون ثم ندخل إلى عالمٍ آخر. وبينما كنّا نختار تلك الأشرطة الممزوجة بعناية اعتماداً على الأشرطة الأصلية، وهُرِّبت على الأرجح من خلال لبنان، كنّا نتحدث عن ثقافة البوب والإشاعات التي نُشرت عن بعض المشاهير. بعد بضع سنوات انتقلنا من متجر الملكة إلى متجرٍ أكبر كان يُدعى فلويد، ثم إلى راديو وان (حيث استبدلت الأقراص المدمجة في نهاية المطاف الأشرطة التقليدية). كانت الألبومات المنسوخة والأشرطة الممزوجة هي ثقافتنا الخاصة التي تشاركناها معاً، بعيداً عن وسائل الإعلام التي تسيطر عليها الدولة. حفظنا الأغاني عن ظهر قلب واستمعنا إلى الموسيقى في غرفنا، ثم في وقت لاحق في سياراتنا باستمرار ونحن نقود في حلقات دائرية حول حلب.
عدد قليل فقط من الفنانين جعلنا نرقص أو نشعر بسعادة أكثر من تلك التي نشعر بها عند الاستماع إلى جورج مايكل، فقد كان واحداً من قلائل الفنانين الغربيين المشهورين الذين استطاعوا “العبور” حتى وصلوا إلى قناة التلفزيون الرسمية للنظام، والتي تصدر باللغة الإنجليزية. فيديوهات أغانيه مثل “Last Christmas”، و”Faith”، و”Father Figure”، وبطبيعة الحال، “Careless Whisper”، عُرضت في كثير من الأحيان. وفي أواخر الثمانينيات من القرن العشرين، انتشرت شائعات تقول بأن اللحية الخفيفة والنظارات الشمسية التي يرتديها باسل الأسد، شقيق بشار الأكبر الراحل، كانت تقليداً للموضة والمظهر المميز الذي يبدو عليه مايكل.
في رحلتي الأخيرة إلى حلب في عام 2011، قُدت سيارتي في جميع أنحاء المدينة وأنا استمع إلى ليدي غاغا على جهاز الآي بود الخاص بي. لقد عدت ذلك الصيف من منزلي في أميركا لزيارة عائلتي. في حين كانت الاحتجاجات قد اندلعت في درعا وحمص وأطراف دمشق وحماة خلال هذا الربيع المقدر للثورة، كانت حلب لا تزال هادئة وغير منزعجة. كانت المدينة كما دائماً، قديمة وهادئة، حيث لا يتغير أي شيء. نهاراً، شاهدت الاحتجاجات وارتفاع عدد القتلى في المدن التي تبعد فقط بضع ساعات بالسيارة من منزلي من خلال الأخبار المعروضة على التلفاز. وفي الليل، اعتدت على الخروج مع أصدقائي إلى أحد المقاهي الأنيقة، حيث كنّا نناقش المواضيع المختلفة من أزياء، ورياضة، وأوباما، أي شيء باستثناء السياسة المحلية. لم تظهر هذه الاحتجاجات والفظائع إلا في همسات خائفة، في حين وجد البعض الآخر أنه من الأسهل نكران حدوثها على الإطلاق.
في المنزل في غرفة نوم طفولتي، نظفت مكتبي أخيراً من مئات الصناديق المليئة بأشرطة الكاسيت البلاستيكية وألقيت بها في أكياس القمامة. لقد حان الوقت لترك الماضي والمضي قدماً نحو المستقبل. فكرت في الأشرطة كعلامة لنهاية شبابي ونهاية تكنولوجيا قديمة عفا عليها الزمن. لم أكن أعرف أنها مجرد بداية النهاية لكل شيء.
واليوم، بعد عام واحد من سقوط حلب، لا يزال العديد من أصدقائي السوريين على الفيسبوك ينشرون باللغة العربية عندما يرثون بلادهم. لقد اعتاد هؤلاء الأشخاص، ومعظمهم من الناشطين الكبار على وسائل التواصل الاجتماعي، الكتابة في المقام الأول باللغة الإنجليزية. كانت مهمتهم نقل قصة حلب إلى الجمهور الأوسع الذي يتحدث باللغة الإنجليزية. ولكن خلال حصار المدينة، بدأ العديد منهم في النشر باللغة العربية، حيث أصبحت معالجة الألم إحدى الطقوس الخاصة، والكتابة كانت لنا فقط. لم يعد يهمهم أن العديد من أتباعهم لن يفهموا رسائلهم ومنشوراتهم، فلم تعد مليئة بأخبار الثورة والحرب، وإنما تصف مدى الاكتئاب والألم، وتعبر عن اضطراب ما بعد الصدمة، ورغبة البعض في الانتحار.
إحدى الناشطات المعروفات من حلب نشرت مؤخراً على الفيسبوك بعد مناقشة كفاحها مع الاكتئاب والعلاج، “نحن أكثر من مجرد صفحات على الفيسبوك، ولم نُوجد فقط في عام 2011. ولكننا بشر، بخسائرنا، وقصصنا، وعواطفنا، وانكساراتنا. أتمنى من كل قلبي أن يجد كل أولئك المكافحين مساحة آمنة للشفاء”.
كان هناك جهد جماعي بطيء لتقييم صدماتنا. لقد عانينا من اليأس الحاد. وأعاقنا الشعور بالذنب لبقائنا على قيد الحياة، في حين يصر تفاؤلنا المرهق على وجوب مواصلتنا، وأننا لا يجب أن نستسلم. وبينما تظل هاتان القوتان في صدامٍ مستمر مع بعضهما البعض، مازال هناك سؤال غير معلن يُطاردنا جميعاً: ماذا كان الهدف من كل ذلك؟
أظهرت المعلومات المتوفرة على وسائل التواصل الاجتماعي من أولئك الذين بقوا في غرب حلب -التي لم يصبها الكثير من الدمار مقارنة بالشرق – وأولئك الذين فروا لكنهم ظلوا صامتين على مر السنين إشارة إلى واقع مختلف. هؤلاء السوريون، سواء من النخب المدافعة عن النظام، أو أولئك الذين التزموا الصمت بدافع الخوف أو اللامبالاة، لجأوا إلى الشماتة المعلنة. إنهم ينشرون صورهم الشخصية مبتسمين أمام قلعة حلب والقلعة القديمة في قلب المدينة القديمة والصور في الأحياء التاريخية المدمرة مع تعليقات مكتوبة يتعهدون فيها بإعادة بناء حلب “أفضل مما كانت عليه”. عندما أقوم بتصفح مقاطع الفيديو الخاصة بهم، أرى تعليقات مع وُجُوه تعبيرية باكية وتصريحات متوعدة من قبيل: إن شاء الله سيعاقب كل من تسبب في هذا. أنا لم أعد أتساءل عما إذا كانت تلك التصريحات جادة أم على سبيل السخرية.
إنهم ليسوا كذلك. هكذا قالت ابنة عم لي في المنفى بعد مشاهدة “جولة” على موقع إنستغرام لبعض المطاعم والمحلات التجارية العزيزة علينا في حلب، والتي نشرها أحد أصدقائها “الصامتين”: أولئك الذين لم يلتزموا الصمت “هم الذين فاتهم الكثير”. حقاً، تجلب الحرب الخوف من فوات بعض الأشياء الخاصة بها.
في بعض الأحيان، يهيمن الدمار الذي يظهر في مقاطع الفيديو على المنطقة بأكملها، حتى أنه لا يوجد شيء يمكن التعرف عليه. ولكن في ذهني، أتصور الماضي وكأنه خريطة للذاكرة: هنا حيث اشتريت أول شريط أغاني منوع. وهنا حيث تذوقت اللوز الأخضر لأول مرة. وهنا حيث تعلمت الرسم. وهنا حيث رقصنا تحت النجوم، في نادي حلب حيث استمعت لأغنية “كاريليس ويسبر” لسنوات (بعد فترة طويلة من انتشارها).
في هذه الأيام، يتحدث النقاد والسياسيون عن فوز الأسد في الحرب، وكأنه لا يهم أن فوزه جاء على حساب المدن التي تحولت الآن إلى أنقاض، وحياة مئات الآلاف من شعبه. لا يبدو أن الأمر يهم – لا اللاجئين ولا الموتى ولا المختفين. كل أولئك ليسوا على صلة بالموضوع. أولئك الذين تحدثوا عن تلك الأشياء لم يعودوا ذوو صلة بالموضوع اليوم، تُركوا للعيش ودفع الثمن بطريقة وحشية لم نستحقها، مع صدى الأغاني القديمة الذي يتكرر في أذهاننا في تلك الشوارع التي لن نراها مرةً أخرى. في السنوات السبع التي تلت ثورة الملايين من الناس في الشرق الأوسط ضد الحكام المستبدين الذين حكموهم، أصبح أولئك الذين رفضوا المشاركة، وابتعدوا عن مسرح الأحداث، وظلوا صامتين بينما يذبح أبناء وطنهم، ويختفون، وينفون، هم أصحاب الشأن، على الأقل حتى الآن.
استيقظ كل يوم وعلي أن أرضى بتلك الخسارة والدمار التي لحقت بموطني، وأنا غارقة في شعور مرير بالذنب والعار. ذكريات غير متوقعة، أغنية، رائحة، صورة، ذكرى عن الوطن، أخبار وفاة نجم مشهور محبوب، كلها أشياء تعيد الصدمة إلى الأذهان. الكثير من أصدقائي، مشتتون الآن في جميع أنحاء العالم، يعانون من نفس الألم. هذا هو ما عليه عملية أن تصبح ناجياً: أن تصبح قادراً على النظر نحو المستقبل مع الأمل في حين تحمل آلام ما تبقى من الماضي.
عندما يصيبني اليأس، أحاول التركيز على ما هو وثيق الصلة. وأعيد تعريف الأمل من شكله القمعي المطلق والساكن، إلى ممارسة الآلاف من الأعمال الصغيرة التي تمتلك القدرة على جعل الأمور أفضل على المدى البعيد، مثل إنقاذ الأطفال اللاجئين السوريين من عمالة الأطفال، أو إخبار أبنائي قصص عن مدينتي الحبيبة حتى يتمكنوا من إنشاء خرائط في ذاكرتهم الذاتية عن حلب، حتى لو كانوا قد لا يذهبون إلى هناك أبداً. الأمل هو الاعتقاد بأن تراكم هذه الأفعال سيجعل رؤيتنا لمستقبل عادل وحر ليس فقط متصلاً بنا بل حقيقة وواقع. هذه هي معركتنا الآن. وغالباً ما تكون تلك المعركة مع أنفسنا بينما نتعلم البقاء على قيد الحياة.

(*) كاتبة سورية

مقالات ذات صلة

إغلاق