تحقيقات وتقارير سياسية

الأسد ووزراؤه الجدد

بعد أسابيع من الشائعات؛ قرر رأس النظام الحاكم في سورية أن يُغيّر ثلاثة من وزرائه، والقول “من وزرائه”، وليس من وزراء الحكومة، لأنه لا يوجد في سورية حكومة، بالمعنى المتعارف عليه عالميًا، ولا يتصرف وزراء سورية كباقي وزراء العالم، من حيث تقديم برنامجهم لمجلس الشعب كي ينالوا الثقة، كما أنه لا يحق للوزير أن يستقيل بناءً على رغبته، لأن ذلك يُشكّل إهانةً في عُرف مَن سماه وزيرًا.

في سورية الأسد، توجد حكومة الأسد، ورئيس مجلس وزراء الأسد هو عبارة عن سكرتير رئاسة الجمهورية المنتدب للحكومة، وهو أداة الوصل لنقل تعليمات رئاسة الجمهورية للوزراء فقط، حيث لا يُستشار رئيس مجلس الوزراء في تسمية الوزراء، فالجميع يتم اختيارهم من طرف الرئيس، بناءً على ترشيحات أمنية أو بعض المحسوبيات، وبطبيعة الحال ليس هناك جهة سياسية أو حزب يرشح الوزراء لتولي مناصبهم، وأما مواصفات الوزير فهي اتساع رقعة علاقاته مع الأجهزة الأمنية، ليضمن ترشيحه لهذا المنصب، وأن يكون شديد الولاء لشخص الرئيس وليس للدولة، وحتى ليس لحزب البعث، بصفته حزبًا حاكمًا ولو بشكل وهمي، بسبب تحول الحزب إلى مجرد هيكل فارغ من محتواه.

في سورية، رئيس الجمهورية هو رئيس الحكومة، فهو من يُعيّن الوزراء وهو من يقيلهم ويستبدلهم ويُعاقبهم، ولا شأن في ذلك لأي سلطة أخرى، وتؤدي الحكومة القسم أمامه، وهي ليست مضطرة إلى تقديم أي برنامج لمجلس الشعب لتنال ثقته، فثقة من سماهم تكفي، وحتى هؤلاء الذين يُسمّيهم رأس النظام السوري “وزراء”، ليسوا أصحاب قرار، وعادة يكون القرار لمتعاونين معه منتقين بعناية من طرف الجهات الأمنية.

فوق كل ما سبق، لا تُمثّل هذه الحكومة أكثر من ديكور يُزيّن الأسد به جمهوريته، فكافة القرارات المهمة والاتفاقات الدولية يتم دراستها عن طريق حكومة الظل، وحكومة الظل هذه ليست حكومة تتبع لحزب معارض، وإنما هم أفراد من مختلف الاختصاصات يعملون في مكتب زوجة الرئيس المسمى الأمانة السورية للتنمية، ولا يمكن لأي وزارة اتخاذ أي قرار دون المرور من مكتب زوجة الرئيس، فعلى سبيل المثال، في عام 2008 قامت زوجة الرئيس باختيار “حنان قصاب حسن”، لتكون رئيسةً لاحتفالية دمشق عاصمة الثقافة العربية، خلافًا لكل الأعراف التي تنص على أن يكون وزير الثقافة هو رئيس الاحتفالية، والسيدة قصاب حسن من خارج ملاك وزارة الثقافة أصلًا، فتم تهميش الوزير ووضعت وزارة الثقافة تحت تصرف رئيسة الاحتفالية، وفوق ذلك تم تخصيص مبلغ عشرة ملايين دولار ومئة مليون ليرة سورية لهذه الاحتفالية، وقد أتى في نص كتاب رئيس الجمهورية أنّ هذه المبالغ لا تخضع للرقابة والتفتيش الماليين أو أي جهة رقابية أخرى!

لاحقًا، في عام 2009، ترأست أسماء الأسد وفدًا إلى باريس، لتعقد اتفاقًا يخص الآثار السورية، من دون علم وزارة الثقافة السورية أو المديرية العامة للآثار والمتاحف، على أن يتم إعلام هذه الجهات لاحقًا من أجل التوقيع البروتوكولي فقط.

هذه هي الحكومات في عصر الأسد، مجرد دُمى يتم جلبها كواجهة فقط، لكل الأعمال التي يرتئيها الرئيس أو زوجته، وكارثة الكوارث تقوم، إن اعتذر أحدهم عن عدم استطاعته العمل كوزير؛ عندئذٍ ستكون النهاية بالنسبة إليه، فلا أحد يرفض تمنيات الأسد ورغباته في سورية.

بالعودة إلى العنوان، لم يسبق لرئيس أن احتقر وزرائه، كما يفعل الأسد، وكما فعل مع وزير الدفاع العماد فهد الجاسم، فأصول الأنظمة الديكتاتورية تقتضي دعوة وزير الدفاع وتقليده وسامًا، احترامًا للجيش الذي كان يُمثله في الحكومة، لا أن يكون سعادة الوزير ليلًا، ليصبح فخامة “اللا شيء” صباحًا، وهذه ليست المرة الأولى، ففي اجتماع حميميم، حين استدعى بوتين الأسد استدعى معه “النمر”، وتم  استثناء سعادة “اللا شيء”، وهذا ليس غريبًا، فقد درجت العادة على أن يكون وزير الدفاع شخصية كرتونية كاريكاتيرية، لا قيمة لها في الجيش، حيث كان القرار دومًا بيد رؤساء الأجهزة الأمنية الأدنى رتبةً من وزير الدفاع، أما اليوم، فالقرار يتقاسمه قاسم سليماني وميليشياته من طرف، وبوتين من خلال قاعدة حميميم من طرف آخر، منذ أن تنازل الأسد عن القرار السيادي على كافة الأراضي السورية، مقابل تمديد فترة بقائه في سدة الحكم، ولو كان مجردًا من القدرة على اتخاذ القرار.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق