تحقيقات وتقارير سياسية

المتظاهرون في إيران: “غادروا سورية.. فكروا فينا”

 

نظم مئات الإيرانيين احتجاجات، ضد ارتفاع الأسعار ومعدلات البطالة في مدينة مشهد، ثاني أكبر المدن الإيرانية، وبلدات أخرى. وهذه هي أكبر احتجاجات تشهدها إيران، منذ الاحتجاجات الحاشدة ضد الحكومة عام 2009. ووفقًا للتقارير الواردة من داخل إيران، فقد امتدت التظاهرات التي بدأت في مدينة مشهد، الخميس الماضي، إلى 40 مدينة على الأقل، بما في ذلك العاصمة طهران، وأدت المواجهات مع الشرطة إلى مقتل 17 شخصًا حتى الآن. ويظهر التقرير المسرب خشية القادة الإيرانيين من تحول مطالب المتظاهرين من اقتصادية إلى سياسية، لا سيما مع رفع المتظاهرين شعارات سياسية، من بينها “الموت للديكتاتور”، في إشارة إلى خامنئي.

كانت أهم هذه الدعوات تلك التي وجهتها زعيمة المعارضة الإيرانية في المنفى مريم رجوي التي قالت:[1] إن “الحل الوحيد للخلاص من المشكلات الاقتصادية والاجتماعية هو إسقاط نظام الملالي”.

وتواصلت التظاهرات المنددة بسياسات الحكومة الاقتصادية والسياسية، وطالب خلالها المحتجون السلطات، بوقف دعمها للنظام في سورية ولحلفائها في لبنان وغزة، والالتفات إلى أوضاع المواطنين بالداخل. وركزت الكثير من الاحتجاجات على التدخل الإيراني في سورية، حيث رفع المتظاهرون خلالها شعارات تندد بالتدخل الإيراني بسورية، من بينها شعارات خاطبوا فيها خامنئي وروحاني، “اترك سورية وفكر في حالنا”.

قال الناشط والكاتب الإيراني يوسف عزيزي[2] لموقع (الحرة): إن التظاهرات الأخيرة “ليست وليدة اليوم”، مشيرًا إلى “احتجاجات وإضرابات نظمها، في الأشهر الثلاثة أو الأربعة الأخيرة، معلمون وعمال”، وأضاف أن التظاهرات في المدن الإيرانية “أصبحت سياسية اجتماعية، والدليل الهتافات ضد خامنئي وروحاني، وضد مساعدة النظام السوري”. وقد أظهرت مشاهد فيديو -نشرها ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي- تظاهرات حاشدة، طالب المتظاهرون بخروج قوات بلادهم من سورية: “غادروا سورية.. فكروا فينا”.

أكّد ياسر الزعاترة [3] “إن المحافظين سيدركون -إن لم يكونوا قد أدركوا- أن مغامرتهم في سورية هي أسوأ قرار اتخذوه منذ الثورة، فقد وضعتهم في مواجهة طويلة ومكلفة مع الغالبية في المنطقة، من دون أن تحقق لهم شيئًا غير النزيف الرهيب، وما لم يبلغوا لحظة الرشد، ويأتوا إلى تسوية متوازنة مع الجار التركي والعربي؛ فسيتواصل نزيفهم، ومعهم كل المنطقة”.

كما أكد الكاتب السعودي جمال خاشقجي[4] أن الاحتجاجات الإيرانية لها تداعيات خطيرة على المنطقة، وخصوصًا في سورية واليمن. وقال، في تغريدة له على حسابه (تويتر): “إن استمرت مظاهرات إيران وتوسعت؛ فسوف تغير كل قواعد اللعبة بالمنطقة. الملالي مستعدون لحرب أهلية ولا يتركون السلطة، ولكن في كل الأحوال، قد تخفف وطأتهم على أهلنا بسورية واليمن”.

لماذا تدخلت إيران في سورية؟

قال خبراء بالشأن السوري، في حديثهم لموقع (ديارنا)[5]: إن تدخل إيران في سورية أدى إلى إطالة النزاع، وتأجيج الصراع المذهبي، وفتح المجال أمام التنظيمات الإرهابية للتغلغل بالأراضي السورية، وهو ما أدى إلى ارتفاع فاتورة الحرب بالنسبة إلى الشعب السوري، مع ارتفاع عدد الضحايا والخسائر الاقتصادية.

ويظل الملمح الأساسي للتدخل الإيراني في سورية هو اتسامه بالنزوع الطائفي، أو البعد الديني/ المذهبي (الشيعي). حيث قدّمت إيران دعمًا كبيرًا للحكومة السورية في الحرب، بما في ذلك الدعم اللوجستي والتقني والمالي وتدريب الجيش السوري، وإرسال بعض القوات المقاتلة الإيرانية لسورية.  حيث تعتبر إيران بقاء الحكومة السورية ضمانًا لمصالحها الإقليمية. فعلى سبيل المثال، تنفق إيران في سبيل دعم النظام السوري نحو 35 مليار دولار سنويًا، على شكل مساعدات مالية وأخرى عسكرية، حسب صحيفة (كريستيان ساينس مونيتور) الأميركية.

أما أسباب التدخل الإيراني في سورية فتختصرها رندا سليم[6] مديرة مبادرة الحوار في مؤسسة (الشرق الأوسط) في واشنطن بثلاثة أسباب:

1- الدفاع عن ممرات عبور السلاح إلى “حزب الله” في لبنان.

2- التصدّي للمحور الإقليمي العربي بقيادة السعودية، الذي يهدف لاحتواء القوة الجيوسياسية المتزايدة لإيران.

3- دعم حليف قديم، حيث دعم حافظ الأسد إيران، خلال سنوات حربها الثمانية مع العراق، وفقدان هذا الحليف يعني صعود مجموعات مناهضة لإيران تتصدّر المشهد.

تدعم إيران سورية في عدة مجالات؛ ففي إحدى المراسلات التي جرت بين العميد حسين همداني، والأمين العام لـ “حزب الله” حسن نصر الله، التي أوردها كتاب “رسائل الأسماك” (التي نقلها وثائقي الجزيرة)، أعدّت إيران بقيادة “فيلق القدس” خطةً مكونة من خمسة أبواب (عسكرية، أمنية، اقتصادية، سياسية، ثقافية)، وتتضمن 100 بند عملي. وإن لم يكن واضحًا ما تضمنته تلك الخطة، فإنها على الأرجح تعكس ما يصطلح على تسميته بـ “سورية المفيدة”، بالنسبة إلى طهران. حيث تسعى كل من إيران و”حزب الله” إلى إعادة توطين شيعة (غالبًا) فيها، لإنشاء منطقة شيعية تحيط بالعاصمة دمشق والحدود مع لبنان، تصل حدودها إلى مدينة حمص؛ لتصبح منطقة حماية، فكانت مدن الزبداني ومضايا والقلمون والقصير مشاهد لعملية “الترانسفير”.

كما نشرت صحيفة (الأوبزرفر) البريطانية تقريرًا استقصائيًا في عام 2016، بعنوان (وسط الفوضى السورية، خطة اللعب الإيرانية تنشأ: ممر إلى البحر المتوسط). يتناول التقرير جهود إيراني الحثيثة لإنشاء ممر بري، يبدأ من إيران ويمر بوسط وشمال العراق حتى شمال سورية وصولًا إلى سورية وسواحلها. ووفقًا لما نقله تقرير (الأوبزرفر)، يرى مسؤولون عراقيون وأوروبيون مطلعون أن ملامح الممر البري الذي تسعى إيران لإنشائه بدأت تظهر منذ عام 2014.

في المجال الاقتصادي، جاءت الاتفاقات التي أُبرمت بين إيران والنظام السوري، سريعةً فقد وقّعت إيران مع رئيس الحكومة “عماد خميس” على خمسة اتفاقات، نشرت وكالة (سانا) بنودها، وأكدت أنها دخلت حيز التنفيذ بمجرد التوقيع عليها. وعلى ما يبدو، يشعر النظام بأنه يتوجب تسديدها لإيران، نظير دعمها له، وهي خطوة استباقية من قبل إيران لفرض تلك الاتفاقات على النظام، قبل أن يغادر السلطة، ليكون لها النفوذ الأقوى في سورية حتى إذا تغير نظام الحكم.

على صعيد متصل، قال مسؤولون لبنانيون[7] إنهم لاحظوا عمليات إحراق منظمة لمكاتب السجل العقاريّ التي تحتوي سجلات بملكية الأراضي، وتندرج هذه الخطوة في إطار محاولة النظام تعقيد مهمة إثبات الملكية على المقيمين، والجدير بالذكر أنه تم حرق مكاتب السجل العقاريّ في الزبداني وداريا وحمص والقصير التي تقع على الحدود اللبنانية وقد سيطر عليها “حزب الله” في سنة 2013.

وتجدر الإشارة إلى أنّ إعادة التوزيع الديموغرافي[8]، يُعدّ العنصر الأبرز في خطة إيران التي ترمي إلى إحداث تغييرات ديموغرافية في بعض المناطق السورية، وبالتالي، تقسيم سورية إلى مناطق نفوذ، تمكن الموالين وعلى رأسهم طهران من ممارسة السيطرة المباشرة فيها، وذلك لتحقيق مصالح أوسع.

لقد دفعت إيران ثمنًا باهظًا لتدخلها في سورية، وهي تحصد ثماره اليوم. وقد أكد موقع (ساسة بوست) أن الكثير من الدول الغربية[9] أعلنت بأن الأمور ليست جيدة لإيران، وأنها قد وقعت في “الوحل السوري”، فهي مجبرة على الالتزام بحرب مستنزفة لا تملك “استراتيجية خروج” تجاهها، ضمن معركة يستحيل النصر فيها، كما أنها قد تورطت عسكريًا وماليًا أكثر مما ينبغي، حيث إن مهمتها تجاوزت أهدافها الأصلية بأشواط.

لقد أعلن الشعب الإيراني غضبه علنًا أخيرًا، ونزل إلى الشارع، وأصبح يصرخ بأعلى صوت، ويندد بالتدخل الإيراني بسورية، ويطالب بإصلاحات سياسية واجتماعية واقتصادية، ويقول: “غادروا سورية.. فكروا فينا”.

كما أكد المراسلون الصحفيون[10] أن “من المبكر الحديث عن تغير المعادلة السياسة في إيران، لكن من الواضح أن مزاج الشارع الإيراني بدأ يتغير، ونظرته إلى السياسة التي تتبعها حكومته لم تعد كما كانت، والحراك السياسي القائم اليوم يدلّ على أن الناس بدؤوا يشعرون بأنهم يخسرون في الداخل، مقابل مغامرات تقدم عليها سلطتهم المنهمكة في حروب تتوزع في كل مكان، ولن يجني منها الشعب إلا المزيد من الفقر، والبطالة”.

[1] زعيمة المعارضة الإيرانية تدعو لدعم “انتفاضة مشهد”.. ودعوات للتصعيد الجمعة

https://www.eremnews.com/news/world/1128876

[2] موقع الحرة التلفزيوني

[3]  رسائل الاحتجاج في الشارع الإيرانيhttps://eldorar.com/node/117346

[4] https://eldorar.com/node/117335

[5] http://diyaruna.com/ar/articles/cnmi_di/features/2016/08/18/feature-01

خبراء: تدخل إيران في سوريا أجج الحرب

[6] سقوط دمشق يعني سقوط طهران: لماذا تتمسك إيران بالنظام السوري

سقوط دمشق يعني سقوط طهران: لماذا تتمسك إيران بالنظام السوري؟

[7] الغارديان: ما الذي تطمح إليه إيران من خلال الزحف الشيعي في سوريا؟

http://www.islamtoday.net/nawafeth/artshow-41-236995.htm

[8] المرجع نفسه

[9]   https://www.sasapost.com/irans-role-in-syrian-war/

سقوط دمشق يعني سقوط طهران: لماذا تتمسك إيران بالنظام السوري؟

[10] صحف عربية: الحراك الشعبي في إيران قد يتحول إلى غضب شامل

13 ربيع الثاني 1439

http://almoslim.net/news/284658

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق