أدب وفنون

كافكا على شاطئ “موراكامي”

 

لا يتعجّل هاروكي موراكامي (كاتب ياباني، من مواليد مدينة كيوتو عام 1949) في إتمام صفقة المعنى داخل روايته الأشهر (كافكا على الشاطئ)، يتوارى المعنى لديه حينًا، يسكت كأنما يقلّد تمهّل شخصياتهِ في حركتها، ثم ينزّ دافئًا من بين مسام الوقت المجرّد الملقى على عتبة السرد حينًا آخر، ولعلّها أيضًا أكثر روايات موراكامي إمتاعًا، كما وصفها الكاتب والصحافي مات ثورن، في صحيفة (ذي أندبندنت) البريطانيّة، لكنها روايةٌ تراوغكَ كلما اقتربتَ منها، تلاحظ ذلك ما إن تبسط قماش كلامها أمام عينيك، تفرد ألوانه لتفهم أبعاد الزمان والمكان الذين يقتادك إليهما الكاتب، وكأنه يشترط عليكَ أن تتقبّل لعبتهُ في تفكيك الأبعاد ونسبها الرياضيّة، وفي تداخل عالم الأحلام مع عالم الواقع، وكأنهما حبيبان يتبادلان القُبل على الشرفة، تلك الكتابة النموذجية التي تحرر العقل من عيوب المنطق الاستقرائي في القراءة.

يستلقي كافكا على شاطئ موراكامي أعزل إلا من أفكاره، يظهر على هذا النحو داخل لوحةٍ معلّقة في مكانٍ بعيد تثبّتهُ إليها، كما لو أنها قطعة سكرٍ تقود السرد نحوها، وهذا رتّبه موراكامي داخل نسقين متوازيين، منبعهما حي ناكانو في طوكيو، وخاتمتهما مدينة تاكاماتسو في جزيرة شيكوكو، وبينهما بعث المؤلف فطرته في استنطاق الحدود التي تفصل فصاحةَ المحسوس، عن ثِقَلِ المجرّد، رطوبةَ الحلم ومناخه السديميّ، عن الواقع المتوعّك بمقتنياته الماديّة، فلا يظهر كافكا الفتى الذي قرر هجران بيت والده في عيد ميلاده الخامس عشر بمفرده، إلى جانبه تظهر شخصيّة متخيّلة “الفتى المدعو كرو”، يظهر كما لو أنّه تجسّدٌ ملموس لأفكار كافكا، أو ظلّهُ المنطوق، يأتي من أحلامه، ثم يتوارى خلف أجمتها اللامرئيّة، فيما الفتى بطل الرواية يختار مدينةً قصيّة كوجهةٍ لهروبه، يحزمُ حاجيّاتٍ بسيطة في حقيبة ظهر، ويغادر. لديه صورةٌ قديمة تظهر فيها أمّه وأخته، ولديه قلقٌ وأسئلة، عن الهجران وقسوته، وعن ذاك الثلم الذي يتمطّى داخل روحه، حين تركته والدته صغيرًا وغادرت مع شقيقته البيت.

ثم يترك موراكامي شخصيّة كافكا تتدفق بعذوبة في أثناء هروبه، يبقيه حائرًا بين أولويّة جبايةِ الرغبة، أم جبايةِ الأجوبة عن اسئلةٍ لا تكفُّ عن التساقط أمامه، ويرسم بالتوازي معهُ ملامح شخصيّته الرئيسيّة الثانية “العجوز ناكاتا”، بادئًا بتوثيق حادثة فقدان مجموعة من الأطفال وعيهم دفعةً واحدة، في أثناء رحلةٍ مدرسيّة خلال الحرب العالميّة الثانية، في جبال ياماناشي، ثم ما لبثوا أنّ استعادوا وعيهم بعد ساعات، باستثناء الطفل ناكاتا الذي دخل في غيبوبةٍ طويلة، وحين استيقظ كان قد فقد القدرة على القراءة والكتابة، مُسحت ذاكرته، وصار له نصفُ ظلّ، وكأنه قد ترك جزءًا منه في عالمٍ آخر، وعاد بنصفهِ فقط.

ولعلّ عقل الكاتب انجذب إلى سردٍ يفككك البنية الواقعية منذ البداية، ويشكك بحتميّتها المطلقة، ثم يقترح بنيةً سرديّة تصدّق العوالم الموازيّة، وتعبرُ إليها بخفّة الحلم نفسه، فالوجود لديه استطرادٌ ذاتي، لا يحدّهُ زمانٌ أو مكان، وشخصيّاته لا تتعذّب بقدر ما تسأل، ولا تبقى سليلةَ حياةٍ ثلاثيّة الأبعاد، وهذا يمكن استنتاجه كلما اقترب السرد من الوصول إلى تاكاماتسو، إذ يسمح لكافكا أن يلتقي بالفتاة ساكورا خلال رحلته، يرغبُ بها، ويتساءل إن كانت أخته التي لا يعرفها، يصل إلى مكتبة كوميورا التذكاريّة، ويشعر بأنه قد وصل إلى مصبِّ النهر، وكأن المكتبة التقطته من ياقته وأجلسته إليها، هناك يتعرّف على أوشيما، تلك الشخصيّة التي كتبها موراكامي ببراعة، وكأنها تذكارٌ مفقود عن كمال الكائن البشري، ذكرٌ وأنثى في آن، امتزاجُ الجنسين في كائنٍ واحد، ثم يتحوّل كافكا من زائرٍ للمكتبة إلى مساعدِ أوشيما في العمل، يتعرّف لاحقًا على الأنسة ساييكي مديرة المكتبة، يكتشف من خلال أوشيما قصة حبّها القديمة لابن صاحب المكتبة، وتلك الأغنية التي أطلقتها ذات يوم، وحملت اسم (كافكا على الشاطئ)، وكعادته لا يبرر موراكامي القدريّة في سرده، يمرّرها بخفّة، وكأنها شأنٌ طبيعيّ لا يحتمل التبرير، وفي الغرفة التي سكنها كافكا داخل المكتبة تظهر لوحة “كافكا على الشاطئ” حبيب ساييكي الذي مات في مظاهرة طلابيّة، وأبقى على حبيبته معتقلة إلى لحظةٍ لا تتقدّم، فيما يمرّ الزمن بمحاذاتها وكأنه لا يمر.

يقدّم موراكامي إذًا شخصيّاتٍ لا تستجيب إلى خلاصة الزمن وتلوّناته المتعدّدة، لديهِ ساييكي، ولديه ناكاتا أيضًا، عجوزٌ فقد نصف كثافة ظلّه، يتحدث إلى القطط في حي ناكانو، ويبحث عن التائهة منها، ثم يعيدها إلى بيوت أصحابها مقابل مكافآت مالية زهيدة، وفي الليلة التي يُقتل فيها والد كافكا النحّات المعروف، يكون ناكاتا قد قتل شخصيّة “جوني ووكر” التي استدعاها الكاتب لتكون تجسيدًا للنحات في بعدٍ آخر لا يراه سوى ناكاتا. “جوني ووكر” يقتل القطط، ويصنع من أرواحها نايًا غرائبيًّا، وكان على ناكاتا أن يقتله، وهنا يصل السرد إلى لحظةٍ مربكة للغاية، تُعيد الاعتبار إلى ميوعة الزمان والمكان، بوصفهما وهمًا إدراكيًّا، فيجد كافكا نفسه ملقى إلى جانب معبد في مدينة تاكاماتسو البعيدة كليًّا عن طوكيو حيث قُتل والده، وعلى قميصه آثارُ دماءٍ لا يفهم مصدرها، ولا كيف وصل إلى هناك، هل عبر إلى أفكار ناكاتا، وقتل والده! أم هو جزء من أفكار ناكاتا!

(كافكا على الشاطئ) واحدة من أشهر روايات تيّار ما بعد الحداثة، مبنيّة على تشكيك متقن باليقين الكلاسيكيّ، حين ترمي ثوابتَ الزمان والمكان في أقرب سلّة مهملات، وموراكامي لا يكترث بتقديم أيّ إجابة تحمي سرده من انبثاق أسئلة لا تنتهي، يرتاب من كلِّ يقين يداهم العقول المستقرّة، فتتطوّر شخصيّاته ضمن أبعادها الخاصة، ولا تحمل من خصال المنطق شيئًا، إذ ينقاد ناكاتا وراء حدسه، حيث الغرائبيّة تنسج خيوط السرد، وتشبكها بعضها ببعض ضمن تمهّلٍ مناسب، فيغادر ناكاتا حي ناكانو، ويصل إلى جزيرة شيكوكو عابرًا الجسر الكبير، كما أنبأهُ حدسه أن يفعل. يصل تاكاماتسو ليبحث عن حجر المدخل، فيما لا يزال كافكا يطرح الأسئلة على نفسه، وعلى أوشيما، مستذكرًا نبوءة والده النحّات (ستقتلني ثم ستضاجع أمك، وأختك)، وفي غرفتهِ يتسلل طيف فتاة في الخامسة عشر، يقدّر بأنها الكثافة اليقينيّة للآنسة ساييكي، قبل أن تختلَّ صوابيّة الزمن، ويتوقف بها لحظة موت حبيبها، مشروعيّة السؤال لا تبارحه: ماذا لو كانت ساييكي هي أمّه! وساكورا التي التقاها هي أخته! ماذا لو قتل والده بالفعل، قبل أن يجد نفسه ممدّدًا قرب المعبد؟!

تهدم شخصيات الرواية أبعاد الفضاء الإقليدي (نسبة إلى عالم الرياضيات والفيزياء اليوناني إقليدس) مرّةً تلو مرّة، تمرّ دون أن تُحدث ضجةً بين عوالمٍ متوازيّة، ينام ناكاتا كثيرًا، وكأنه يعيش متنقّلًا بين عالمين قائمين بذاتهما، يعبر بينهما من بوابة الحلم، يتنبّأ بأن السماء ستمطر سمك السردين والأسقمري فوق حيّ ناكانو، والسماء لا تخذله، الصحافة تكتب عن الخبر، وناكاتا يواصل بحثه عن تتمّةٍ حسيّة لما يشعر به، يصل أخيرًا مكتبة كوميورا التذكارية، برفقة صديقه الجديد السائق هوشينو، يلتقي بساييكي، ويكتشف بأنها مثله، لها ظلٌّ فقد نصف كثافته منذ زمن، يتحدّثان عن إقفال خارطة الزمن بأوهامه الملتاعة، وكأن ساييكي كانت تنظر حضور هذا العجوز، لكي يفتح لها حجر المدخل (الحجر في الرواية يحمل مقاربات بوابة الزمن)، بعدها تموت ساييكي بهدوء، ثم يموت ناكاتا، وكأن تصحيح مسار حياتهما قد تمّ على أكمل وجه، وكأن مجمل السرد ينبثق من كلمات أغنية ساييكي، (كافكا على الشاطئ)، تقول الأغنية في الصفحة 301 – 302: (تجلس على حافة العالم، وأنا في بحيرة بركانيّة مبدّدة، كلمات بلا حروف، تقف في ظلال الباب. نور القمر يشعُّ على سحليّة نائمة، والسماء تمطر سمكًا صغيرًا، وخارج النافذة جنود، يسرقون أنفسهم كي يموتوا. كافكا جالس على كرسيّ على الشاطئ، يفكّر في البندول الذي يحرّك العالم، يبدو أنه، حين ينغلق قلبك، يصبح ظلّ طائر الفينيق الجامد، سكينًا يقطع أحلامك. أصابع البنت الغارقة، تبحث عن حجر المدخل، والمزيد. ترفع طرف ثوبها اللازورديّ، عيناها تحدّقان، في كافكا على الشاطئ).

مقالات ذات صلة

إغلاق