تحقيقات وتقارير سياسية

مؤتمر سوتشي أو غيره..من أجل كتلة وطنية مستقلة

 

الحرب استمرار للسياسة، وأيضًا السياسة استمرار للحرب، السياسة ليس لها بداية ونهاية، بينما الحرب تبدأ عندما تعجز السياسة، وتنتهي عندما تنضج. وبالنظر إلى خارطة الميدان السوري؛ نجد أن ليس بوسع المرء -إذا كان موضوعيًا- سوى الاعتراف بتعدد الاحتلالات الخارجية، ممن يدعون الصداقة لهذا الطرف الداخلي أو ذاك، وباختلاف مصالحهم الجيوسياسية والاقتصادية، ولا يخبرَنّا أحدٌ عن المبادئ، لأن الدول تحكمها المصالح فقط. ويبدو أن مصالح اللاعبين الأساسيين تتعاكس تجاه نضوج السياسة، فالروسي على عجلة من أمره لوقف الحرب، وإنتاج حل سياسي على مقاسه لاستثماره في داخله، بعد أن مالت موازين القوى الميدانية لصالحه مؤقتًا، وحتى لا يغرق أكثر في وحول المنطقة، لأن الأميركي يدير اللعبة من خارجها، على أقل من مهله، مع وجود ميداني له مهمّ استراتيجيًا، في المنطقة المشتركة بين العراق وسورية، وباقي “اللعيبة” من دول إقليمية ايران وتركيا والسعودية وقطر ليسوا أقل عجلة من الروسي (لأن يلي فيهن مكفيهن) وهم يفصلون انتصاراتهم في سورية على مقاس مصالحهم، لأن ليس لدى أيّ منهم ما يقدمه لشعبه سوى انتصارات خلبية على الشعب السوري. وفي خضم هذه اللعبة السياسية، يأتي مؤتمر بوتين للشعوب السورية الذي لم يستقر موعد انعقاده، في منتجع سوتشي على البحر الأسود، لأن لا ضوء أخضر أميركيًا بعد لهذا المؤتمر، ولذلك فإن المعارضة السورية المتهيكلة تتنابذ حياله وتتشاتم باتجاهين متعاكسين، المرتبطة بالسعودية وقطر ترفض المشاركة، والمرتبطة بتركيا وروسيا وافقت على المشاركة. وما إن يفتح الشرطي الأميركي الإشارة الخضراء؛ حتى يتسابق الجميع على المشاركة، ويكتمل نصاب سوتشي، ولكن بغياب المفكرين وقادة الرأي والمجتمع المدني والمجتمع الأهلي، لأن الموالاة والمعارضة هما وجهان لعملة واحدة، يتحركان بإشارة من خارجهما، ولا يرغبان في وجود كتلة وطنية مستقلة ووازنة في المؤتمر (للتذكير تقاتل اللبنانيون15  عامًا، ولما توافقت خوارجهم؛ أنتجوا الطائف بثلاثة أيام، من دون كتلة وطنية مستقلة، فتحاصصوا وتلاصصوا) كما أن الدول الراعية لهذا المؤتمر، أو التي ستلتحق به بعد الضوء الأخضر، ليس من مصلحتها وجود كتلة وطنية مستقلة، لن تقبل البتة بحلول غير وطنية، سواء أكانت محاصصة أم تقسيمًا أم فيدرالية شكلية تحت الانتداب، لأنها بطبيعتها تقف مع التغيير الديمقراطي والمشاركة الواسعة والفعالة لجميع مكونات الشعب السوري، في دولة مستقلة ذات سيادة على كامل ترابها الوطني.

لقد نضجت السياسة، والحرب لم يعد لها معنى، والسياسة الناضجة هي التي تحارب من أجل إعادة الثورة إلى سكّتها التي حرفتها عنها الحرب، كون الثورة تغييرًا نحو الأفضل، لا رندحة على أبواب الجحيم. والحامل المجتمعي للسياسة الناضجة ليس هو نفسه الذي هزم الثورة من داخلها، إنما هو المولود من رحم الثورة والمعبر عن منظومتها القيمية.

ست سنوات من حرب بالوكالة، دفع السوريون فيها أثمانًا باهظة، وهم الذين ثاروا من أجلهم ومن أجل بلدهم، وليس من أجل هذا أو ذاك من الخارج، أثمانًا لم يعد بمقدورهم تحملها، ولا القبول بذرائعها السياسية التي تحكمت طيلة هذه السنوات بمسارات ثورتهم، سواء من جهة المعارضة أو من جهة النظام. فلا المعارضة وقفت على خيارات السوريين، ولو بمؤتمر واحد للمعارضة أو للثورة، ولا النظام وقف على خيارات السوريين ولو بمؤتمر واحد للموالاة. ومؤتمر سوتشي -بما له وما عليه- هو أول دعوة لمؤتمر سوري يجمع أطياف معارضة وأطياف موالية، والمؤسف حقًا أن الطرفين: المعارضة والنظام: يضعان العصي في عجلاته، قبل أن يبدأ، وكأنه حلبة حرب، كل طرف يبتغي منه تحقيق الغلبة على الطرف الآخر.

سبع سنين من الصراع، لم يستفد هذان الطرفان منها أي شيء، ولا يزالان غير مكترثين بمعرفة خيارات الشعب السوري -وكل منهما يدّعي زورًا تمثيله- والسؤال الأبرز الآن: هل فعلًا الشعب السوري منقسم، بين خيار المعارضة المتهيكلة وخيار الموالاة المتهالكة المنساقَين خلف خوارجهما؟ أم أنه مع الخيار الوطني المستقل المؤمن بالتغيير الديمقراطي والسيادة الوطنية ودولة المؤسسات.. إن الشعب السوري صار على يقين بأن ما خسره بالحرب لا يمكن أن يحصل عليه إلا بالسياسة. وهذا المسار يستحيل أن يجد طريقه إلى الحياة، من دون العمل الجاد والمخلص من المكونات المجتمعية، وخصوصًا المفكرون وقادة الرأي والمجتمع المدني والمجتمع الأهلي والوطنيون، من المعارضة والموالاة، من أجل تشكيل كتلة وطنية مستقلة تحمل المشروع الوطني للتغيير.

إن تشكيل هذه الكتلة هو ضمانة لإنجاح أي مؤتمر أو لقاء سوري-سوري، برعاية خارجية أو من دونها، وهو في الوقت ذاته صمامُ أمانٍ لتعطيل أي مكاسب شخصانية، على حساب المصالح الوطنية العليا، وما عدا ذلك، سواء انعقد مؤتمر سوتشي أو غيره، بضوء أخضر أميركي أو من دونه، وبمشاركة الجميع من معارضات متهيكلة وموالاة متهالكة أو بعضهم، أو لم ينعقد أي مؤتمر لاستمرار الانقسام الدولي حول سورية؛ فإن حصاد السياسة يتوافق مع زرع الحرب، طالما لم تتشكل هذه الكتلة الوازنة لكي تلعب دور الضامن وصمام الأمان اللذين ينهيان الحرب ويقطفان ثمرات السياسة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق