ترجمات

لماذا ما تزال تركيا عضوًا في حلف (ناتو)؟

انضمت تركيا إلى (ناتو)، عام 1952، وأصبحت عضوًا فيه من ذلك الوقت. تنص المعاهدة على أنّ تعرّض أحد الأعضاءِ لهجوم، يعدّ هجومًا على جميع دول الأعضاء. وكواجب على الـ “ناتو” بعد 11 أيلول/ سبتمبر؛ حشدت الدول الدعم في الهجوم على أفغانستان. على أي حال، ماذا سيحدث إذا ما قام أحد الأعضاء المضرين بإساءة استخدام هذه السلام، في إثارة جيرانه؟ هل بالفعل بقية الدول الأوربية وأمريكا الشمالية ستدعم أردوغان، على سبيل المثال، إذا تعرضت تركيا لهجوم من إيران؟ لماذا ما تزال تركيا في حلف الشمال الأطلسي؟ لنأخذ قليلًا من التفكير، لنرى مدى مساهمة تركيا في (ناتو) في المقام الأول.

بداية حلف (ناتو)

تأسست منظمة حلف الشمال الأطلسي (ناتو) عام 1949. حيث يوجد 29 عضوًا فيها، بدءًا من الولايات المتحدة وكندا وغالبية الدول الأوروبية إلى تركيا. تركيا هي الدولة الوحيدة التي غالبية أراضيها في آسيا. انضمت تركيا، مع اليونان، عام 1952. وكانت الحرب الباردة قد بدأت للتو، وكانت الحرب الكورية ما تزال مستمرة. وقتئذ، سيطر الاتحاد السوفيتي على نصف أوروبا، بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، وسيطرت على “بلدان” آسيا الوسطى.

كان الاتحاد السوفيتي يعدّ تهديدًا. كان هناك خوف من أن السوفييت سوف يحاولون الدفع أكثر داخل أوروبا، وتضم الدول الضعيفة فيها إلى محيطها واحدة تلو الأخرى. ولمنع هذا العدوان؛ شكلت دول أوروبا الغربية، بدعم من القوة العسكرية للولايات المتحدة، تحالفًا دفاعيًا؛ ووُلد حلف (ناتو).

الصراع الروسي على الموانئ

تمتلك روسيا مساحات شاسعة من الأراضي، ولكن لا يمكنها الوصول إلى الكثير من الموانئ المفيدة. حدودها الشمالية متجمدة على مدار السنة، ويتطلب إبحار سفنها حول إسكندنافية من خلال مضيق جيوك، وهو ممر بحري بين غرين لاند (عضو في “ناتو” باعتبارها إقليمًا تابعًا للتاج الدنماركي)، أيسلندا (عضو في “ناتو” على الرغم من عدم وجود جيش لديها) والمملكة المتحدة. ومع السماح بانضمام أيسلندا إلى (ناتو)، يكون الحلفاء قادرين على قطع الممر البحري بسهولة كبيرة.

الموانئ على الساحل الشرقي، بالقرب من فلاديفوستوك، بعيدة جدًا من أن يكون لها تأثير مفيد على الصراع في أوروبا. الموانئ في سانت بطرسبورغ وكالين غراد تسمح لروسيا بالوصول إلى البلطيق، ومن بعده الولوج إلى الأطلسي، بعد المرور من مضائق بين الدنمارك والسويد. وعلى الرغم من أن السويد ليست عضوًا في (ناتو)، فإن الدنمارك والنرويج كافيتان لقطع الوصول لهذا الممر. وعلى الرغم من أن لروسيا حلمًا في أن يكون لها ميناء على المحيط الهندي، فإن غزوها لأفغانستان قد فشل، ولم يتم تحقيق هذا الحلم مطلقًا.

من هنا؛ سندرك أن الخيار الأخير لروسيا سيكون ميناء (سيفاستوبول) في البحر الأسود. الميناء الذي يقع في شبه جزيرة القرم، حيث أعطى للسوفييت إمكانية الوصول إلى البحر المتوسط. مع ذلك، قبل أن يتمكن السوفييت من الوصول إلى البحر المتوسط، سيتعين عليهم المرور عبر مضيق البوسفور: المضيق الضيق الذي يفضل بين اليابسة الأوروبية والآسيوية.

موقع تركيا

مدينة إسطنبول التركية، والمعروفة سابقًا باسم “القسطنطينية”، تقع على جانبي مضيق البوسفور. تسمح تركيا حاليًا للشحن عبر المضيق، ولكن نظريًا هي قادرة على قرار إغلاقه، في حالة الحرب. لهذا السبب، بعد ضم تركيا والدنمارك وأيسلندا والمملكة المتحدة كأعضاء في التحالف، فإنه يمكنهم قطع جميع الممرات البحرية التي يمكن للسوفييت الوصول من خلالها إلى المحيط الأطلسي.

وليس من المستغرب أن انضمت كل من اليونان وتركيا في العام نفسه: 1952. تقع اليونان بجوار تركيا، وتسيطر على البحر وكتلة الجزر الواقعة خارج مضيق البوسفور. وبإمكانهم المساعدة في إغلاق الوصول إلى المتوسط في أثناء الحرب. فضلًا عن ذلك، وجود اليونان كعضو في (ناتو) يمنعها من أن تكون حليفة للسوفييت. إذا ما أصبحت اليونان حليفًا لموسكو؛ فبإمكانها إجبار العبور عبر مضيق البوسفور بالهجوم من كلا الجانبين. ليس بالضرورة أن ينجح ذلك، ولكن وجود كل من تركيا واليونان في جانب (ناتو) يوفر المزيد من الأمن.

الصراع الأول

نحن قلقون بأن تصبح تركيا عضوًا “مارقة”، ولكن الكثيرين نسوا صراعًا من القرن الماضي، قبل وقت طويل من وصول أردوغان إلى السلطة. في عام 1974، غزت تركيا جزيرة قبرص استحوذت على النصف الشمالي للجزيرة؛ وبقي النصف الجنوبي من الجزيرة بمثابة دولة قبرص. وبما أن قبرص ليست عضوًا في ناتو، فإن الهجوم لم يؤد الى أي رد عسكري. مع ذلك قررت اليونان، التي لها علاقات وثيقة مع قبرص، مغادرة حلف الشمال الأطلسي ناتو، وعادت إليه بعد ست سنوات في عام 1980. يعدّ الاحتلال غير قانوني، واعترفت الجمهورية التركية لشمال قبرص من قبل تركيا فقط. وكان عملية الغزو تسمى: عملية “أتيلا” إشارة إلى أمير الحرب الهوني الذي غزا أوروبا، في القرن الرابع الميلادي.

تركيا تحت حكم أردوغان

كان أردوغان رئيسًا للوزراء من عام 2003 إلى عام 2014، بعد ذلك أصبح رئيسًا لتركيا. على الرغم من بداية انضمام تركيا الى عضوية الاتحاد الأوروبي، يبدو أن بعض الأحداث التي وقعت خلال عهد أردوغان أبعدت ذلك. اعتقال الصحفيين، حرية التعبير تقودك إلى السجن، تركيا تتحرك بعيدةً عن العلمانية، وتقترب نحو المدارس الإسلامية، هي تدعم (حماس)، فضلًا عن ذلك، هناك اعتقاد بأن تركيا ساعدت “الدولة الإسلامية” في الحرب في سورية، ليس فقط من خلال السماح للجهادين بالعبور، بين تركيا وسورية.

في عام 2015، أسقطت تركيا طائرة مقاتلة روسية شاركت في الصراع في سورية. كانت روسيا فعالة في سورية لدعم الرئيس الأسد وهزيمة الفصائل الجهادية. زعمت تركيا أنه تم تحذير الطائرة المقاتلة وهي تحلق فوق الأراضي التركية، على الرغم من نفي الروس لهذه الادعاءات. وقد يتساءل المرء عما سوف يحصل لتركيا، لو أنها لم تكن عضوًا في (ناتو). لاحظ أن لروسيا منفذًا على الموانئ السورية لأسطولها في البحر المتوسط، وهو سبب حاسم لها في دعم الأسد. بهذا الشكل، فإن روسيا غير محتاجة إلى المرور عبر مضيق البوسفور.

الخاتمة

العالم في عام 1952 يختلف كثيرًا عن العالم اليوم. حيث انضمت غالبية الدول الأوروبية التي كانت جزءًا من اتفاق وارسو إلى (ناتو) والاتحاد الأوروبي. انتهت الحرب الباردة من روسيا الشيوعية، وتم إزالة الستار الحديدي من القارة. ويبدو أن (ناتو) في القرن الحادي والعشرين أكثر عرضة للتهديد الإسلامي، كما رأينا في أفغانستان قبل 16 عامًا.

فهل من المنطقي أن تكون تركيا عضوًا؟ هل ينبغي علينا أن نتوقع منها أن تكون مفيدة في حالة نشوب صراع مع روسيا، أم أنها تنزع أكثر نحو الصراع مع العالم الإسلامي، حيث ربما يتغير ولائها؟ هل بقية أعضاء (ناتو) مستعدون لدعم أردوغان في حالة الحرب؟

لعل السبب، في بقاء تركيا في (ناتو)، هو -ببساطة- أنه لا توجد أسبقية في طرد أعضائها. وهو ما يثير مسألة: ما هو المطلوب بالضبط لطرد بلد من التحالف.

 

العنوان الأصلي Why is Turkey still in NATO?
الكاتب CLOVIS INSTITUTE
المصدر CLOVIS INSTITUTE
التاريخ 02/01/2018
الرابط http://clovisinstitute.org/2018/01/02/turkey-still-nato/#more-74
المترجم محمد شمدين

 

مقالات ذات صلة

إغلاق