تحقيقات وتقارير سياسية

اللواء جاسم علوان وبعض الذكريات

 

مع رأس العام الجديد، ارتحل المناضل الصلب اللواء جاسم علوان، ابن مدينة دير الزور، من ذلك الرعيل العروبي الأصيل الذي لم تُبدّله الأمواج، وهو يحمل الكثير من الذكريات، عن رحلته الطويلة وما عرف وعاش، والتي لم تُكتب، لأن الرجل كان مُقلًا في أحاديثه لا يتعاطى الكتابة.

وُلد جاسم علوان عام 1926، وانخرط في الجيش ضابطًا اشتهر بالانضباط والصرامة العسكرية، مؤمنًا بعدم الحزبية في الجيش، لذلك لم ينخرط فعليًا في أي تنظيم، وكان في شبابه قريبًا من البعثيين، ولم يتنظّم، ثم صار ناصريًا بكليته، غير أنه رفض أن يكون أمينًا عامًا لحزب الاتحاد الاشتراكي، حين اختير وهو في القاهرة، بعذر وجوده خارج البلد، فاختير يومذاك المرحوم جمال الأتاسي.

هو من الجيل العروبي الوحدوي الذي حمل تلك الطموحات القومية الصادقة بوحدة العرب، وحين قامت الوحدة مع مصر؛ انتمى إليها بكليته ينافح عنها بشدة، ويدافع عن الأخطاء التي وقعت فيها، ويعدّها أخطاء عادية، بينما يحكم على الانفصال بأنه جريمة.

أُعجب بشخصية عبد الناصر كثيرًا، منذ لقائه الأول به، حين زار القطعات العسكرية في قطنا، ثم تكررت اللقاءات، فحُسِب على الاتجاه الناصري، وكان فخورًا بذلك، وحين قام الانفصال، حاول ثني الانقلابيين، وكان في غرفة المشير عبد الحكيم عامر، وكان مع القيام بعديد الإصلاحات في الجيش وفي بنية وممارسات الوحدة.

قاد عام 1962 محاولة انقلابية فاشلة في حلب، ضد الانفصال؛ فحكم عليه بالإعدام غيابيًا، وتوارى عن الأنظار حتى حركة – انقلاب 8 آذار/ مارس 1963 الذي قام نتيجة تحالف بين الضباط البعثيين والناصريين والمستقلين، ومن المعروف أن ذلك التحالف كان هشًّا، ويحمل داخله تناقضات كبيرة، لذلك لم يعمّر طويلًا.

كان الخلاف يتمحور حول الوحدة؛ فالبعثيون الذين اختلفوا مع عبد الناصر، وكانت لهم ملاحظات كثيرة على بنيان ومسار الوحدة، لم يكونوا متحمسين للوحدة الاندماجية، فطرحوا بديلًا بوحدة اتحادية ممرحلة، خاصة بوجود البعث حاكمًا في العراق، وكان الناصريون يطالبون بإعادة الوحدة فورًا، بغض النظر عن التناقضات البنيوية والأخطاء والنتائج السلبية، وكان عبد الناصر يخشى ثقل البعث في قُطرين وإمكانية الهيمنة، وقد اتضحت التباينات، في “محادثات الوحدة الثلاثية” التي كانت تجري في القاهرة، بين الزعيم عبد الناصر ووفود عن سورية والعراق، والتي توّجت شكليًا بصدور الميثاق الثلاثي للوحدة في 17 نيسان/ أبريل 1963، والذي مثل التفافًا على قيام أي خطوة وحدوية فعلية، ونوعًا من الإعلان الشكلي لتغطية الفشل.

قرر الناصريون الانقلابَ على شركائهم البعثيين، واختاروا -خلافًا لمواعيد الانقلابات التقليدية الفجرية- صبيحةَ 18 تموز/ يوليو، لتنفيذ انقلابهم، وعمادُهم الرئيس كتيبة فلسطينية وبعض القطعات العسكرية الصغيرة، وكان البعثيون على علم مسبق بالمحاولة؛ فتصدوا لها وأفشلوها بسرعة وسط حمّام من الدم، وحملة اعتقالات ومحاكمات ميدانية، جرى تنفيذ الإعدام عبرها بعدد من المشاركين، وكان العقيد -حتى تاريخه- جاسم علوان هو القائد لتلك المحاولة، فحُكم عليه بالإعدام، وعلى اللواء محمد الجراح، وعدد آخر من العسكريين الكبار، لكن وساطات عبد الناصر والجزائر حالت دون تنفيذ حكم الإعدام؛ فانتقل اللواء علوان إلى القاهرة، بدعوة خاصة من الرئيس عبد الناصر، ومنح مرتبة وزير، واستمر لاجئًا هناك حتى عودته إلى سورية، بعد إصدار مراسيم بإلغاء أحكام الإعدام والمنع عام 2005.

بعض الذكريات:

كنتُ عام 1969 نائبًا لرئيس اتحاد شبيبة الثورة، ومن المتحمسين جدًا لتوطيد العلاقات مع اتحاد الشباب في مصر؛ فكُلفت برئاسة وفدٍ يضمّ 25 شبيبيًا لزيارة القاهرة، والمشاركة في معسكرات العمل التطوعي التي كانت مصر تهتم بها كثيرًا، وتدعو إليها وفودًا من مختلف منظمات الشباب في العالم، وكان معنا أحد الشباب من دير الزور، وحين تجهيز أمور سفرنا قبل التوجه للمطار، لاحظت الارتباك على ذلك الشاب، وهو يقف مع رجل خمسيني يُغطي رأسه بطاقية، وحين اقتربت منهما علمت أنه اللواء علوان، وأنه ينوي إرسال رسالة لعائلته في سورية، والشاب خائف من تبعاتها، فشجعته على أخذها وأبلغته أنها عادية، وأنني أتحمل أي مسؤولية لاحقة، فشكرني اللواء علوان وكان شديد الخجل، وكانت تلك المرة الأولى التي ألتقي به.

مرّت السنوات، والتقيته مرّات سريعة في المجالس الوطنية الفلسطينية التي عقدت في الجزائر وتونس، وكان كعادته دمثًا خجولًا مُقلًا في الكلام ومختصرًا جدًا، مع ذلك الود الذي ظلّ سمة رئيسة فيه. كنا نلتقي مع السوريين القادمين من العراق “التحالف الوطني لتحرير سورية” من البعث القومي والناصريين والإخوان المسلمين، بشقيّهم (كانوا أيامها منشقين إلى تنظيمين)، ونتحدث في الجبهة العريضة، وكانت لنا ملاحظات مهمة على ذلك التحالف، وعلى وجودهم الإجباري في العراق، وكان اللواء جاسم يشاطرنا كثيرًا من الانتقادات، ويحرص على وضع مسافة بينه وبين الآخرين، على الرغم من أنه ساهم في ذلك التحالف، وكان جزءًا منه، وإن لم يكن متحمسًا كثيرًا له، ولدوره الخاص فيه.

جرت المعرفة الواسعة في “مؤتمر جنيف للتضامن مع الشعب السوري – اللبناني – الفلسطيني” الذي عُقد أوائل العام 1979 برعاية من النظام العراقي ومنظمة التحرير الفلسطينية، وبهدف تجميع، أو تصدير، قوى المعارضة السورية؛ تحضيرًا لما يمكن عمله عبر الرهان على وجود العماد ميشيل عون، وما عرف بحرب التحرير التي أعلنها.

كنا ثلاثة من البعث الديمقراطي -اللجنة المركزية- والجدد بين الحضور، لذلك كان الاهتمام كبيرًا بنا، وبعد عدة جلسات؛ تمّ الاتفاق على تشكيل لجنة لمتابعة النقاش بشأن إقامة الجبهة العريضة، واقترحت أن تكون تونس مكان اللقاء، تأكيدًا على استقلالية المشروع، وكي لا يصنف فيقتل على أنه يخرج من عباءة النظام العراقي، ووافقت اللجنة المكونة من 18 عضوًا، ورحّب الرئيس عرفات، وأمضينا في تونس نحو عشرين يومًا، كُلفت فيها بوضع مقترح لأسس قيام الجبهة العريضة، وكان الأول فيها استقلالية الجبهة عن أي نظام، وقد لاقى الأمر ترحيبًا من اللواء جاسم، والإخوان المسلمين بشقيّهم، والمرحوم أحمد محفل، مندوب الحزب الشيوعي (المكتب السياسي)، بل حتى مندوبي البعث القومي لم يكونوا معارضين في الجوهر، وكان يحضر معنا شبلي العيسمي، ومحمد عمر برهان، وإن كان يظهر عليهما حرج داخلي، فيتولى الدفاع عن النظام العراقي، وشطب فكرة الاستقلالية غيرهما.

حين احتجّت الخارجية السورية للخارجية التونسية على وجودنا، وبعد اعتذار ياسر عرفات بلباقة “كلنا ضيوف”؛ لم يعد هناك مكان للقاء سوى بغداد، فبتّ أسافر سريًا إلى بغداد، لمواصلة النقاش حول قيام الجبهة العريضة، وكان اللواء علوان دائم الحضور، وقد شكلنا ثلاثيًا متناغمًا بالأفكار والمضمون، حول بنية الجبهة وأسسها واستقلاليتها: اللواء أحمد محفل وأنا، وحين وصلنا إلى اتفاق عام؛ كلّفت لجنة من الثلاثة لصياغة مشروع الجبهة العريضة، وكنا في فندق الرشيد، وقمت بصياغة مسودة المشروع في زمن قياسي، أذهلهما كما أذهل بقية أعضاء اللجنة، وهو المشروع الذي اعتمد في إقامة الجبهة، مع بعض التعديلات الطفيفة التي جرت في الاجتماع، ثم بعض التغييرات التي تمّت في مؤتمر إعلان الجبهة، خاصة حول الاستقلالية، ولم نحضر المؤتمر لأسباب ترتبط باعتذار قوى الداخل عن المشاركة التي كان يتواصل معها الأستاذ أحمد محفل، ووجود عدد من الملاحظات لدينا، وشاركنا الموقفَ اللواء علوان، وبالطبع اللواء محفل ممثلًا لحزبه.

لم يُشارك اللواء علوان رسميًا في تلك الجبهة، وإن ظلّ مستمرًا في زياراته للعراق، خاصة بعد حرب 1991 وفرض الحصار القاتل، وكنا نلتقي هناك في “مؤتمرات القوى الشعبية”، ونتبادل الرأي والملاحظات، وكنا باستمرار متفقين في الجوهر.

تابعت -ما أمكن- أوضاعه، واتصلت باللواء عدة مرات، وعلمت بما حصل له أيام مبارك، بسحب جواز سفره الدبلوماسي، والسيارة والسائق، ومطالبته بدفع أجرة البيت الذي كان عبد الناصر قد قدّمه له، والحياة الضنكة التي عاشها، ثم عودته إلى سورية بوساطة من مصطفى طلاس، وقضاء سنواته بهدوء ومتابعة هواياته الرياضية، والصلاة وقراءة القرآن.. واستقبال الأصحاب المخلصين. الرحمة للواء جاسم علوان العروبي حتى النخاع، المخلص لمبادئه، والوفي لها.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق