أدب وفنون

ينسرق الحمار وما يعرف أبو خطار؟!

 

بعد الفلتان الأمني والفوضى المنتشرة هذه الأيام بشكل غير مسبوق؛ أصبح المواطن يرى ظواهر لم يكن قد رآها من قبل، ولم تكن تخطر على باله. فالتهريب تهريب على رأس السطح، والخطف والقتل والسرقة والاتّجار بالممنوعات حدّثْ ولا حرج. غير أن أغرب هذه الظواهر التي انتشرت بالبلد كانت ظاهرة سرقة الحمير. فلم يمرّ يوم إلا انتشر خبر عن سرقة حمار أو تصفيته. حتى أصبح الناس لا يكتفون بإغلاق باب الباكية، حيث يؤوون دوابهم؛ بل لجؤوا إلى إحكام إغلاق الباكية عبر جنزرتها وإقفالها بقفل متين. وكان أوّل من لجأ إلى هذا الأسلوب أبو حامد الذي كان يشفق أن يسرق حماره “أبو عرقوب” الذي كان يعادل أولاده.

وذات ليلة ذهب أبو حامد إلى الباكية كي يثنّي لحماره “أبو عرقوب”، وبعد أن انتهى من وضع العلف أمام الحمار، نادته أم حامد من الدار لأمرٍ ما، فخرج مسرعًا دون أن يغلق الباكية. ثم نسي أن يعود لأغلاقها وإحكام إقفالها.

في الصباح حينما دخل أبو حامد إلى الباكية، لإخراج الحمار كي يذهب إلى عمله؛ فوجئ؛ لا حمار ولا من يحزنون.

ولأن سرقة الحمير كانت منتشرة على قدم وساق، كما أسلفنا؛ فقد ذهب به الظن إلى أن “أبو عرقوب” سُرِق والسلام. عندئذٍ توجّه إلى المخفر لتسجيل الواقعة، وكتابة ضبط في الحادثة، مع إيمانه أن هذا الإجراء شكلي، وما هو إلا روتين درج عليه أبو خطار رئيس المخفر الذي كان يصرّ على كتابة الضبوط في هذه الحالات، من باب إقناع الناس أن الأمور ممسوكة على الآخر، وأن عين المخفر ساهرة وحاضرة. وذلك دون أن يتمكن من اكتشاف سرقة حمار واحد.

عندما وصل أبو حامد إلى المخفر، بادره أبو خطار بقوله: حتى أنت يا أبا حامد؟

ذهل أبو حامد، فظن أن رئيس المخفر سيوجه إليه اتهامًا ما، على غرار الاتهامات التي يلصقها أبو خطار بالناس، من جراء التقارير التي تصل إليه يوميًا. فقال له:

– خير سيدي؟ شوفي؟! فأجابه أبو خطار:

– حتى أنت لم تتمكن من الحفاظ على حمارك، مع أنك تحرص عليه أكثر من حرصك على أولادك؟

تهلل وجه أبو حامد، واستبشر خيرًا، فها هم قد ألقوا القبض على سارق الحمار بالجرم المشهود. فقال له ملهوفًا: أوقبضتم عليهم سيدي؟ فقال أبو خطار:

– قبضنا على من؟

– على الذين سرقوا الحمار، سيدي.

– وما الذي جعلك تعتقد أننا قبضنا عليهم.

– من كلامك سيدي. كيف عرفتم أن “أبو عرقوب” مسروق

– ها ها.. لأنه لا يأتي أحد هذه الأيام إلى المخفر إلا ليبلّغ عن سرقة حماره.

– وهلق سيدي، أنا جيت بلّغ عن سرقة حماري “أبو عرقوب”. الله يرضى عليكم سيدي. “أبو عرقوب” هو كل حيلتي وحولي. لجنى رزقي يا سيدي.

فقال له أبو خطار:

– قبل أن نكتب الضبط، هل فتشت عنه في الأمكنة التي اعتاد أن يذهب إليها. قال أبو حامد:

– “أبو عرقوب” سيدي لا يخرج قبل أن يأكل كل عليقه. وجبة العلف التي وضعتها في المعلف ما زالت كما هي، دليل على أنه سرق أقبل أن يأكل شيئًا. فقال أبو خطار:

– فإذًا على مسؤوليتك سنكتب الضبط. ويا ويلك ويا سواد ليلك، إذا اكتشفنا أن الحمار غير مسروق، سوف نوجه لك حينئذٍ تهمة بلاغ كاذب. ثم إن أبا خطار نادى الشرطي أبا رياض، وأمره بتسجيل ضبط بالواقعة.

…………..

حين عاد أبو حامد إلى البيت، وجد أم جميل تقود حماره متجهة إلى المخفر. وحينما رآها قال لها:

– الله يرد أمانتك يا أم جميل. فأجابته:

– لا يا أبا حامد! لن تستلم حمارك إلا في المخفر، بعد أن تكتب على نفسك تعهدًا أنك لن تتركه يهدّ ويرعد على حمير الناس.

وحين وصلا إلى المخفر، قال له أبو خطار:

– والله علقت، يا أبا حامد، أما قلنا لك لا يجوز أن تتهم الناس ظلمًا بسرقة حمارك. سنوقفك بتهمة تقديم بلاغ كاذب. فقال له أبو حامد:

– جيت بلّغكم سيدي حتى ما تقولوا بينسرق الحمار وما بيعرف بو خطار؟!

مقالات ذات صلة

إغلاق