قضايا المجتمع

السوريون في عرسال اللبنانية.. مجرّدون من الحماية*

 

لم يستطع (محمد. س)، وهو شابٌ سوري في عقده الثالث من مدينة القصير التابعة لمحافظة حمص السورية (وسط البلاد)، استيعابَ ما جرى له في أثناء اعتقاله في بيروت، إلا بعد وصوله إلى قطعة عسكرية لبنانية في مكان مجهول. عندما وُضِع في سيارة الشرطة، كان يظن أنه يحلم؛ إذ إنه خرج من سورية، واحتمالات تعرّضه للاعتقال ضئيلة، لكن بعد أن أُدخِل إلى مكانٍ مغلق، وهو مغطّى العينين ومكبّل اليدين؛ تأكّد أنه على أرض الواقع. وفي مكان يجهله، انهالت عليه الشتائم والإهانات التي كانت تدلّ على أنه متّهم بالانتماء إلى تنظيم إرهابي مسلّح في عرسال.

يعيش محمد في بيروت، وينشط في العمل الإغاثي والإعلامي، ولم يسبق له أن انتمى إلى أي تنظيمٍ عسكري، ولم يستقرّ يومًا في بلدة عرسال الحدودية، ومع ذلك، فإن اسمه كان موجودًا على لوائح الأمن اللبنانية التي اعتقلته بطريقة تعسفية، من دون التحقّق من أي معلومة حول عمله ونشاطه، قال محمد: “عرفت بعد عدة أيام، خبِرت فيها كل أنواع التعذيب والتحقير، أن قضيتي هي قضية تشابه أسماء مع شابٍ، كان ينتمي إلى الجيش الحر ويعيش في عرسال”.

تعرّض محمد في أثناء التحقيق لأنواع مختلفة من التعذيب، منها الصعق بالكهرباء، الجَلد، الحرق، وأكثرها صعوبة هو “التهديد بالأهل”، على حدّ وصفه، حيث أكد أنه “شاهد حالات يُحضِر فيها عناصرُ المخابرات عائلةَ المتهم (زوجته وأطفاله) إلى مكان التحقيق، ويبتزونه بهم”.

بعد انتهاء التحقيق وعدم التوصّل لأي معلومات تثبت أحقّية التهمة الموجهة له؛ تم تحويل محمد من وزارة الدفاع إلى النيابة العامة، وحُكِم عليه بالسجن مدة عام، أمضاه في سجن (رومية)، وخرج بعد توكيل محامٍ، دفع له ما يزيد عن 6000 آلاف دولار، بحالة صحية ونفسية مزرية، وهو حاليًا غير قارد على مزاولة حياته بشكلٍ طبيعي، ويشعر بالخطر والخوف من الاعتقال مرة أخرى.

أما سجن (رومية)، وهو أكبر السجون اللبنانية ويقع شرق العاصمة بيروت، فهو مكتظ بالسوريين الذين يشكلون نحو 60 بالمئة من القابعين فيه، وفقًا لمصادر حقوقية، وتأكيدات من محمد الذي تواصل خلال فترة سجنه مع العديد من المحامين اللبنانيين، ومعظم السوريين المسجونين فيه متهمين بملفات (إرهاب)، أكد محمد في هذا الجانب أنه “خلال أحداث عرسال الأخيرة؛ اقتيد إلى (رومية) نحو 100 مدني سوري من المخيمات، كانت واضحة عليهم آثار التعذيب الوحشي، وتنتشر فيه الأمراض الجلدية، وسط انعدام تام لأي رعاية صحية، فضلًا عن وضعِ عدد كبير من المعتقلين في غرفٍ صغيرة، طولها متران ونصف وعرضها متر ونصف”.

محمد ليس اللاجئ السوري الوحيد الذي اعتُقل بهذه الطريقة، إذ تمارس أجهزة الأمن والمخابرات اللبنانية انتهاكات عديدة بحق اللاجئين السوريين في لبنان، وتعتقلهم من دون أيّ وجه حق أو جرمٍ حقيقي، وآخرها حوادث عرسال 30 حزيران/ يونيو 2017 التي اقتحم فيها الجيش اللبناني مخيمات اللاجئين السوريين في عرسال، واعتقل ما يزيد عن 400 مدني، قتل منهم تحت التعذيب 11 مدنيًا، وفقَ محامين (فضلوا عدم الكشف عن أسمائهم خشية اعتقالهم)، وما تزال أجهزة المخابرات اللبنانية تعتقل اللاجئين السوريين بطرق عشوائية، ويتعرّض المعتقلون للتعذيب بطرق تحاكي إلى حدّ بعيد العنف الذي هربوا منه في سورية. قالت بيان القلمونية، عضو مجلس محافظة ريف دمشق، لـ (جيرون): “الاعتقالات مستمرة وبطرقٍ اعتباطية. يفوق عدد المعتقلين يوميًا من مخيمات عرسال الـ 10 مدنيين”.

تواصلت (جيرون) مع محام وناشط حقوقي من عرسال (سعيد. ز)، تولّى مهمة توثيق حوادث الاعتقالات التي وقعَت في منتصف العام الجاري، وأطلعَ سعيد (جيرون) على إحدى الدعاوى المقدّمة من معتقل سابق، لم يفضّل كشف اسمه لمخاوف أمنية جاء فيها:

“فجر يوم 30 حزيران/ يونيو2017، في أثناء نومي في خيمتي بمخيم إيواء، يقع في وادي الحصن في عرسال، يُطلق عليه (مخيم القارية)، تم اقتحام خيمتي من قِبل عناصر الجيش اللبناني، ونحن نيام بلباسنا الداخلي أنا وعائلتي وأطفالي البالغ عددهم ثلاثة، فتحتُ عيني على صراخ عناصر الجيش والمسبّات والشتائم، وأخرجوني من خيمتي وأنا شبه عارٍ، أرتدي سروالًا داخليًا قصيرًا وقميصًا داخليًا، وضعوا القميص على عيني، واقتادوني إلى الطريق بجانب المخيم، ووضعوني على الأرض، وقد شعرت بوجود أناسٍ إلى جانبي ممددين على الأرض، وكنا مكبّلي الأيدي إلى الخلف بشريطة بلاستيكية، وقد شدوها على معصمي حتى أحسست أن الدم انقطع من يديَّ، وأخذوا يكيلون الشتائم والمسبّات على أعراضنا (الأم، الأخت، الزوجة)، ويدعسون علينا ويضربوننا بالعصي والأكبال، وبقينا هكذا حوالي الساعة، حيث وضعوني في سيارة عسكرية صغيرة من نوع (همر)، ومعي عدد كبير من المعتقلين، وكانوا يضعوننا فوق بعضنا البعض، ونقلونا إلى قطعة عسكرية أجهل مكانها، وبعد أن قاموا بأخذ أسمائنا وتصويرنا؛ بطحونا أرضًا تحت أشعة الشمس الحارقة، بلا ماء، مع استمرار الضرب والرفس والشتائم، وبقينا كذلك تقريبًا إلى بعد الظهر”.

فصّلت الدعوى أيضًا: “ثمّ وضعونا في سيارة شاحنة عسكرية فوق بعضنا، ونحن مكبّلو الأيدي إلى الخلف، وتمّ نقلنا الى قطعةٍ عسكرية أخرى، وكان الضرب لا يتوقف خلال الطريق مع الشتائم، وعند وصولنا إلى القاعدة العسكرية؛ أمرونا بالركوع على طريق إسفلتي، وبدؤوا يضربوننا بأدوات مختلفة وبأحذيتهم العسكرية، ومنعوا عنّا الماء، وكانوا ينهالون بالضرب وتوجيه الشتائم لكل من يطلب الماء. بقينا كذلك حتى مغيب ذلك اليوم، ونحن مكبّلو الأيدي، ثم نقلونا إلى زنزانة ووضعونا، وكنا حوالي 150 معتقلًا فيها، أعطونا فيها جرعة ماء واحدة لكل معتقل، ولم يكن يُسمح لنا بقضاء الحاجة، وكنا نقضي حاجتنا بسراويلنا. في صباح اليوم التالي، فكّوا قيودنا من الخلف، وأعادوا تكبيلنا وأيدينا إلى الأمام، وأعطونا طعامًا ضئيلًا، وبقينا كذلك ثلاثة أيام من دون السماح بدخول المرحاض، في اليوم الثالث، قاموا بإخراجنا، وخلعوا جميع ملابسنا، وبدؤوا يرشوننا بالماء عن طريق آلة تستعمل لغسيل السيارات”.

وجاء في خاتمة الدعوى: “بعد ذلك، وضعونا في سيارة (ميكروباص) ونقلونا إلى سجنٍ، عرفتُ أنه فرع مخابرات طرابلس، وهناك كانت المعاملة جيدة، لكن في أثناء نقلنا إلى الفرع، كنا نتعرض لأشدّ أنواع التعذيب، وأجبروا الكثير من المقتادين على تقبيل الأبواط التي يلبسونها، وعند التقبيل، كنا نتعرض للرفس بها. وبعد وصولنا إلى طرابلس، فكّوا قيودنا وسمحوا لنا بالاستحمام والاغتسال والدخول إلى الحمامات وأطعمونا، وشرعوا يحققون معنا، عدة مرات في اليوم، وبقينا كذلك 4 أيام، ثم نُقلنا أنا وسبعة معتقلين إلى بيروت، ثم إلى قسمٍ للدرك عند مدخل عرسال، حيث تم إطلاق سراحي، وكان ذلك يوم الجمعة 7/ 7/ 2017، علمًا أن جسمي تعرض لأذية من الضرب، فقد تركت آثار التكبيل جروحًا على يديّ، ونزفت دمًا منها، وكذلك أقدامي، وكذلك كُسرت سنّي”.

حول هذه الحادثة، علّق سعيد: “إن الملاحقات الأمنية للسوريين في لبنان ليست جديدة، وهي قائمة منذ سنوات وبشكل ممنهج ودوري، حيت تتم المداهمات للتجمعات التي يعيش فيها اللاجئون في كافة الأراضي اللبنانية، ناهيك عن الاعتقالات التي تتم في أثناء المرور على الطرقات العامة، والتهم متعددة، أقلّها خطورة الدخول إلى الأراضي اللبنانية خلسةً، وأكثرها خطورة الانتماء أو تمويل أو دعم تنظيمات إرهابية، والدليل على هذه الجرائم اعترافات مأخوذة تحت الضغط والتعذيب، كما أن هناك مئات حالات الاعتقال التي تمت بناءً على اسم ثنائي وتشابه أسماء”.

حول الدور المنوط بالمنظمات الحقوقية والأجهزة المعنية بحقوق الإنسان، في مثل هذه القضايا، وعن أداء الجهات المذكورة دورها في أحداث عرسال الأخيرة، قال سعيد: “بالنسبة إلى المنظمات الحقوقية، نشاطها يبقى دون المستوى المطلوب؛ ذلك أن للبنان خصوصية معينة، فأغلب حالات التعذيب لا تُسجّل لدى المفوّض السامي لحقوق الإنسان، لأنه يشترط لتسجيل تلك الحالات اللجوء أولًا إلى القضاء الوطني، وهذا لا يمكن الخوض فيه في لبنان، علمًا أن لبنان موقّع على اتفاقية مناهضة التعذيب، غير أنه غير موقع على اتفاقية حماية اللاجئين، لذلك لا يعترف بأي حق للاجئين على أراضيه”.

أضاف: “بعد أحداث 30 حزيران/ يونيو 2017، سادت حالة من الرعب لدى اللاجئين، مع غياب تام لنشاط منظمات حقوق الإنسان في عرسال، واكتُفي في تلك الفترة بحملات إعلامية، لم تكن على المستوى الاحترافي المطلوب، خشيةً من ردات فعل الأجهزة الأمنية”.

شدّد سعيد على أن كل المُفرّج عنهم من المعتقلين هم عرضة للخطر والاعتقال مرة أخرى، وأضاف في هذا الصدد: “من أساليب الضغوط الأمنية على اللاجئين السوريين، حجزهم عند تجديد إقاماتهم، وبعد المماطلة يصدر قرار بالطرد خارج لبنان، غير أنه لا يُنفّذ، ولا يُبعد اللاجئ عن لبنان، ولكن هذا الشخص يصبح عرضة للاعتقال من قبل أي دورية أمنية توقفه عدّة أيام، ويترك بالحالة نفسها، ثم تمارس عليه آلية الطرد والاعتقال مرارًا”.

أما النسبة إلى الحلول، فقد نبّه سعيد إلى ضرورة “تأمين حماية دولية للاجئين السوريين في لبنان، والاعتراف بحق الحماية لهم حتى يعودوا إلى بلدهم سورية”، لافتًا إلى أنه “لا يمكن اللجوء في لبنان إلى القضاء الوطني، لمحاكمة منتهكي حقوق الإنسان”.

ينتظر محمد أن تسوّى أوضاعه القانونية، ويخشى من صدرو قرار طرد أو ترحيل بحقّه إلى سورية، حيث سيُعتقل على أيدي قوات النظام حتمًا، ويعيش حاليًا في عرسال متخفيًا عن الأنظار، ولا يستطيع العمل، وحياته معطلة كليًا، قال لـ (جيرون): “لن أعود إلى سورية، ولو أعدموني في لبنان، عندما كنت داخل سجن (رومية)، فقدتُ الأمل بالخروج، حاليًا أنا في سجن أكبر، لبنان بالنسبة إلينا هو المجهول والرعب، لم نكن نعلم أننا هربنا من جحيم إلى آخر”.

  • تم انتاج هذه القصة الصحافية بدعم من منظمة (صحافيون من أجل حقوق الإنسان) الكندية وصندوق الأمم المتحدة للديمقراطية.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق