أدب وفنون

“سانتا” على خطوط العيد

لم تكن فكرة التقسيم قد وُلدت بعد…

الكلاب الشاردة تهوم حولهما.

أكثر ما يشغلنا الآن، إلهاء عيون القناصين.

في ذاك المكان وتلك اللحظة، على مسافة واحدة من ثلاثة أصوات تجاورت في دائرة واحدة، لا يتجاوز طول قطرها خمسين مترًا، وقفنا عاجزين عن سحب جثتيهما، كلما رمينا شلف الحديد المعقوف نحوهما؛ علق إما بكيس الكعك الكبير أو بكيس البالونات والزميرات وأقنعة وجوه الحيوانات المبتسمة. وعلى الفور تأتي رصاصة الراصد، ليقول: “أنا هنا”. كان يتسلى.

ها قد بدأت الكلاب تتجمع، تخبّ، تداور الجثتين ترسم دوائر حولهما، وكأنها تراجع خطة الاقتحام.

لم تكن فكرة التقسيم قد ولدت بعد.

قسمنا المهمات بيننا، أحدنا يرمي الكلاب بالحجارة، يبعدها عن الجثتين الهامدتين، وواحد يرمي شلف الحديد الطويل محاولًا اصطياد أحد الجسدين الباردين، وآخر يراقب السماء والأرض.

لم تأبه الكلاب لحجارتنا، ولم تجفلها رصاصات القناص، وقد أدركت فطرتها أنه يحميها ويبعدنا، كما اكتشفنا أنها لا تحب كعك العيد الذي انتثر حول الجسدين الممزقين بالرصاص.

لم تكن فكرة التقسيم قد ولدت بعد.

الطريقان المتقاطعان، خلفنا تمامًا، قسّما المكان إلى شرق أمامنا حيث الجثتان، يسار عامر بأضواء العيد وألوانه وتراتيله، ويمين غارق في العتمة والبؤس والآلام.

همهمات كلاب كانت وفيّة، في يوم ما، قبل أن يحوّلها هجر أصحابها وتشرّدها وجوعها ووفرة الأجساد الممزقة إلى وحوش مفترسة. وبكاء طفل حاد مصاحب لصكيك ملعقة، تقحط قعر طنجرة فارغة، وأجراس غزلان “سانتا كلوز” وبيانو كلاسيك، اجتمعت كلها في ريح باردة واحدة، تشقّها بين الحين والآخر رصاصة سريعة.

لم تكن فكرة التقسيم قد ولدت بعد.

يسارًا، من البعيد، ظهر “بابا نويل”، يهلّل ويرقص، يقرع جرسًا مسروقًا من مدرسة ابتدائية، يشق طريقه قادمًا بين العتمة والنور، بدا طويلًا ونحيفًا جدًا، مستعيضًا عن الأيائل، بدراجة هوائية صينية من ماركة “هركل”، كلما اقترب أكثر؛ ازداد عدد الأطفال المطلّين على الشارع من شبابيك نوافذ مضاءة بعناية، وعبر شرفات منازل لم تطلها الحرب، فازدانت بمفارش نجمات واسعة، ذات ألوان متعددة تتراقص بإيقاع محكم.

بدأت صيحات الأطفال تعلوا بانتظام واتساق: “بابا نويل، بابا نويل، بابا نويل….”.

شرقًا، كانت الكلاب قد بدأت بنهش الجثتين الخامدتين وسط الساحة الصغيرة مهجورة الحياة، راحت تكشط ثياب بابا نويل عنهما، فاختلط الأحمر بالأسود بالأحمر بالأبيض، لم نفلح بإبعادها عنهما، ولم ننجح بجرّهما إلينا، لم يسمح لنا القناص بذلك. لقد أصرّ على الفوز بلعبته. لو تركَنا نفلح بالعبور تلك الليلة فقط؛ لكان “بابا نويل” وصل إلى أطفال انتظروا وصوله طويلًا، لكن الريح أصرّت أيضًا، ولم توافق على لعبة القناص تلك، فحملت مزق ثياب بابا نويل، وأقنعة وجوه الحيوانات المبتسمة، وبالونات ملونة والزمّيرات إلى الداخل، وأخذت تدحرج كعكات العيد نحو الظلمة الموحشة.

لم تكن فكرة التقسيم قد ولدت بعد.

من اليمين، أطلّ طفل صغير عن سطح بناء هشّمته المدافع والصواريخ، فظهر كتفاحة وقعت بين فكي فحل ماعز جائع، أخذ الطفل الصغير يصرخ ملء صدره: “بابا نويل، بااااابااااا نويل، بابا نوييييل”.

لكن كيف لـ (سانتا) الذي بهرته الزينة الوهّاجة، والأضواء الساطعة البرّاقة، وصيحات الأولاد العالية مجتمعة، واحتفالهم به على الطرف الآخر، أن يلاحظ طفلًا واحدًا يقبع في العتمة، فوق سطح بناء متآكل متهالك.

لم تكن فكرة التقسيم قد ولدت بعد.

استسلمنا… كانت تلك ليلتنا الثالثة التي نحاول بها سحب جثتي صديقينا، “البابا نويلين” اللذين حاولا كسر الحصار، والدخول إلى فم الموت لزرع البسمة على وجوه أطفال لاكته أنيابه كل يوم.

انسحبنا من شرقنا، كان بابا نويل الحي، قد أصبح وسط الشارع، أطفال الضفة اليسرى ما زالوا يهتفون له، طفل الضفة اليمنى يئس من جذب انتباه (سانتا) له، فاستجمع صوت كل أطفال الغوطة الشرقية، وقهرهم وجوعهم، وبؤسهم في صوت واحد، أطلقه كالزلزال الهادر: “بابا خراااااااا”. التفّ (سانتا) نحو الصوت مصعوقًا، رأيت اعتذارًا في وجهه. صمت الكون. ولم نعد نسمع إلا عويل الريح، ووقع أقدامنا الخائبة.

مقالات ذات صلة

إغلاق