هموم ثقافية

وداعًا أيها العابر

 

عام آخر يحزم حقائبه، وينسحب مني بالصمت ذاته الذي دخل به حياتي، صمت يضج بعلامات الاستعلاء والوعيد، وأنا لم أعد المرأة الشقراء، القوية، ألوان الرماد تكسو شعري وقلبي، والتعب يسكن عينيّ الحالمتين، بوطن يجمع شظايا روحي، وطن حر، لا قبر ولا سجن.

تمهل قليلًا، أيها الراحل، لمّا ينتهِ الكلام بيننا بعد، بتَ جزءًا من ذاكرتي، ولن أستطيع التحرر منك، أدعوكَ إلى كأس النبيذ الأخير، وأعترفُ أنك تبدو ساحرًا في معطف الوداع، مثل شمس تترك ظلها على رمال شاطئ مهجور، أعترف أني بعدك أصبح أكبر، وتزداد خطوط اليأس على قدري.

ليتكَ كنتَ مثلما تخيلتك، وأنا أتهيأ لاستقبالك بكامل زينتي وأحلى أمنياتي، ليتك مسحتني بالقليل من الحب، وقربتني، ولو خطوة، من حلمي، لكنك أغلقت نوافذك عليّ، وجعلتني ألوذ بوحدتي مثل أرامل الحرب، يلسعني الغياب والفقد، ولم أكن وحدي من احترق في حضوركَ، وانقطعت أنفاسه تحت دفق الضغوط والأخطار، أنا واحدة من ملايين المهجرين والقتلى والمعتقلين والمحكومين بأعتى الديكتاتوريات، نحن سورية التي قالت: “أريد حريتي وكرامتي”، وأنتَ من تحالفت مع طاغية الشام، وتركتنا للموت، أنتَ واحد من الكثيرين الذين فقدوا بصيرتهم وتوازنهم، أمام ألمنا العاري.

شريط الذكريات معكَ يبدأ بالقنابل وسموم السارين، وينتهي بالحصار والتجويع، وبين مجزرة وأخرى، تُعقد مؤتمرات التطبيع مع نظام الإبادة والتنكيل، وتسفر عن مسرحيات خفض التوتر التي تنفيها الوثائق المسربة من قاع الزنازين، ومشاهد الأنقاض فوق جثث المدنيين، واستغاثات المنكوبين، وتذهب قرارات مجلس الأمن ضحية ضربات الفيتو الروسي.

“سياسة التجانس” فوق كل الاعتبارات الإنسانية والقوانين: لا ثورة ولا مدافعين عن حقوق السوريين، ثمة إرهابيون يزرعون العالم بالأحقاد وبالرعب، وثمة معارضة شريفة تقبل بنظام الأسد إلى الأبد، وأركان النظام تدبج قرارًا تاريخيًا لعقاب من ينتقد أداء الحكومة، وتتوعد المهجرين الراغبين بالعودة إلى ديارهم بالانتقام، ولا تنقطع حوادث تصفية الناشطين السلميين في السجون السورية، وحتى دول الجوار واللجوء.

يُختتم فصل “السيادة القومية” بمشهد السيد الرئيس يهرول وحيدًا وراء السيد بوتين، ويمنعه الضباط من الوصول إلى حليفه، في يوم إعلان النصر على الإرهاب، وعودة بعض المقاتلين الروس إلى ديارهم سالمين ومشكورين، بعد أن أدوا واجب البطش بنا على أكمل وجه، وكانت رسالة العام الجديد من القيادة الروسية إلى السوريين، بلا أدنى لبس: أن لا يحلموا ثانية بالاستقلال أو بالديمقراطية.

في البداية، لم أصدّق أن المحرقة السورية ستمرّ هكذا بلا رادع أو حساب، لكن فصول العار تكاملت، واغتنت بالفضائح العابرة للحدود في كل مكان، من ملاذات التهرب الضريبي وصفقات الأسلحة السرية، إلى برامج اختراق الحواسيب والتلاعب بالناخبين، وحتى المجازر ضد مسلمي الروهينغا، وجريمة استرقاق اللاجئين.

أعترفُ، أيها الراحل، ونحن نحتسي آخر النبيذ، أنكَ أدخلت الرعب إلى قلبي بضرباتك القاتلة كل يوم، وكدتَ أن تُفقدني بوصلتي ويقيني، لولا أنك حين غمرتني بظلامك الطويل، علمتني كيف أجعل من عتمي طاقة تضيء، وأبصر من هم مثلي، في البرزخ الفاصل بين موتنا والحياة. عالمنا الصغير يغص بدمعه، وندائي يعانق كل المقهورين، لستُ ضعيفة بالقدر الذي يُخيل لي ولك، أستطيع أن أحلم وأرفض حتى نفسي الأخير، وسيحفظ الأثير كلماتي وصوتي بعد موتي:

نحن أبناء ثورتنا البيضاء، من زرعنا أشجار الزيتون على أرضنا، وسقيناها بدمائنا ودموعنا، لسنا إرهابين، نحن ضحايا إرهاب الدولة، وإرهاب التنظيمات المتطرفة والغزاة، نحن سفراء العذاب، نسجل اعتراضنا على صفحات الزمن المر، وندعو المجتمع الدولي أن يرسل لجانه للتحقيق في جرائم الحرب، وجرائم ضد الإنسانية تُرتكب بحقنا منذ سنين، ولا نطلب غير العدل. لا نريد دولة أمنية ولا دينية، نريدها مدنية ديمقراطية مستقلة، تحمي حقوق الإنسان، لا نرضى برئيس لم ننتخبه يحكمنا بالحديد والنار، وسنواصل حراكنا السلمي؛ حتى تشرق شمس الربيع.

مقالات ذات صلة

إغلاق