ترجمات

واشنطن بوست: التهديد الحقيقي الأكبر للديمقراطية هذا العام

مرشح للجنسية يمسك علم الولايات المتحدة. (سارة فواسين/ واشنطن بوست)

دعونا نصلي من أجل الديمقراطية، ولكنْ دعونا نفعل أكثرَ من الصلاة، لنسأل أنفسنا ما معنى أنْ نعيش من خلال أخلاقياتٍ ديمقراطية. “هنا على الأرض” -كما قال جون كينيدي- “عمل الله يجب أنْ يكون حقًا عملنا”.

نحن نعلم أنَّ الديمقراطية، ولا سيما في شكلها الليبرالي، في ورطةٍ، وتواجه تهديداتٍ داخل الدول التي طالما كانت فخورةً بتقاليدها الديمقراطية، والتنافس بين الأنظمة التي تروّج لنفسها بأنّها أكثر قدرةٍ على تقديم العديد من الأشياء الجيدة في الحياة.

ولكنَّ أكبر تهديدٍ للديمقراطية قد يكون لامبالاتنا.

تُشجّع الديمقراطية بشكلٍ صحيح الانفتاح الذهني، ولكنْ هل نحن منفتحون بما يكفي، على أنّنا لا نودُّ أنْ نقول بلا لبسٍ إنَّ نظامًا يوفّر حرية التعبير، وحرية الضمير، وحرية الإعلام، وحرية الدين، وإجراء انتخاباتٍ حرّةٍ، هو حقًا أفضل -من الناحية الأخلاقية والعملية- من النظم البديلة؟ هل نحن قلقون جدًا إزاء نزوعنا إلى تأليه وعبادة ثقافتنا وتقاليدنا الخاصة، هل نحن غير مبالين بالتوسل للديمقراطية، دفاعًا عن الحروب التي كنا نعارضها، وأنَّنا غير راغبين في التأكيد على أنَّ الديمقراطية تستحق الدفاع عنها، في جميع الثقافات والأمم؟

الديمقراطية، وعلى الدوام غير مكتملةٍ عمليًا. كما قال فاكلاف هافل، المعارض والمنشق التشيكي، الذي أصبح رئيسًا لبلاده، أمام الكونغرس في عام 1990: “طالما أنَّ الناس هم ذاتهم؛ فإنّ الديمقراطية بالمعنى الكامل للكلمة ستظلُّ دائمًا وهمًا. ويمكن للمرء أنْ يقتربَ من الديمقراطية باعتبارها أفقًا، بطرقٍ قد تكون أفضل أو أسوأ، ولكن لا يمكنْ أبدًا تحقيقها بالكامل، وبهذا المعنى، أنتم أيضًا تقتربون فقط من الديمقراطية”.

في تبني الديمقراطية -كما كتب المؤرخ جيمس كلوبنبرغ- نحن ندافع عن ثلاثة مبادئ متنازعٌ عليها: السيادة الشعبية، والاستقلالية، والمساواة. ونحن نتبنى أيضًا ثلاثة مسلّمات: التداول، والتعددية، والمعاملة بالمثل.

نحن نعلم أنّ الديمقراطية، في شكلها الليبراليّ، يجب أنْ تقاوم في بعض الأحيان السيادةَ الشعبية؛ لا يمكنْ لأغلبية الشعب أنْ يصوّت بعيدًا عن حقوقه أو حقوق أيّ شخصٍ آخر، ونحن نعلم أنّ سعينا إلى الاستقلالية يمكنْ أنْ يتعارضَ مع التزاماتنا، تجاه المجتمعات التي ندين لها بالديون، ونحن نعلم أنَّ العديد من الديمقراطيات، بما في ذلك ديمقراطياتنا، هي بعيدةٌ جدًا عن المساواة الحقيقية.

ولكنْ في مواجهة هذه التوترات والعيوب، أيُّ القيم يمكن أنْ نضعها فوق السيادة الشعبية، والاستقلالية، والمساواة، وأيضًا فوق التداول، والتعددية، والمعاملة بالمثل؟ إذا كنا نتمسك بهذه الالتزامات؛ فعلينا أنْ نكون مستعدين، مثل هافل، ومعه، للدفاع عن النموذج الديمقراطي.

ينبغي لنا أيضًا أنْ نكون مستعدين للاهتمام بها والعيش وفقها. بالنسبة إلى شعبٍ متدين، فإنَّ أساس الديمقراطية هو الاعتقاد بأنَّ جميع البشر يتمتعون بكرامةٍ متساوية عند الله، ولكنْ لا ينبغي أنْ يكون المرء متدينًا ليصرَّ على المساواة في الكرامة لزملائنا البشر. يحتاج المرء فقط إلى أنْ يكون مؤمنًا بالديمقراطية من دون أنْ يكون ملتزمًا بحزب ديمقراطي.

وبالتالي، فإنّ الإخلاص للديمقراطية يجب أن يؤثر في كيفية تعاملنا مع الآخرين. وكثيرًا ما يتعين علينا التعامل مع التراتبيات، ولكن لا ينبغي لنا أن نضفي عليها ذاتنا أبدًا. أولئك الذين هم في الجزء السفلي من هياكل السلطة الرسمية يرون، ويعرفون الأشياء التي لا يُمكن أنْ تُرى من الأعالي. وينبغي لنا، كما قال البابا فرانسيس، أنْ نسعى إلى الحكمة المتاحة فقط لدى المهمشين. نحن نتعلم من التجربة -ومن الأخبار- بأنّ انتشار الفضيلة، والرحمة، والقدرة على إصدار الحكم، لا ترتبط بتوزيعات السلطة والثروة.

والديمقراطية، أخيرًا، متأصلة في حدسيين، بتطلعاتنا إلى التعالي، التي تسمح لنا بتخيّل عالمٍ أفضل، وبنزعاتنا تجاه الخطيئة والفشل، التي تتطلب حدودًا على السلطة، التي يمكنْ لأيٍّ منا أنْ يمارسها. وهكذا، فإنَّ القول المأثور لـ رينولد نيبور: “قدرة الإنسان على العدالة تجعل من الديمقراطية ممكنةً؛ لكنَّ ميل الإنسان إلى الظلم يجعل من الديمقراطية ضرورة”.

الكاتب المحافظ ويليام باكلي الابن، قال ذات مرة: إنّه يفضل أنْ يُحكَم بأول ألفي اسمٍ، من دليل الهاتف في بوسطن، على أن يُحكَم من قبل كلية (هارفارد). لا شكَّ أنَّ لديّ رأيٌ أسمى عن كلية (هارفارد) مما فعل باكلي، ولكن الغريزة وراء استفزازها يجب أنْ تبقى ملازمةً لنا.

الديمقراطية تفرض الانضباط، وتطالب بأنّه لا ينبغي لأيّ مجموعةٍ محظوظة أنْ تدعي، بحكم موقعها، أو منجزاتها التعليمية، الحق المطلق في فرض إرادتها على الآخرين. وبالاستناد إلى العبارة الجميلة لـ “بنجامين باربر”، فإنَّ العقوبات الديمقراطية الأرستقراطية الكاملة هي “أرستقراطية للجميع”. إنَّها نوعٌ من الأرستقراطية التي تستحق الصلاة.

 

اسم المقالة الأصلي The real greatest threat to democracy this year
الكاتب إ. ج. ديون الابن، E.J. Dionne jr.
مكان النشر وتاريخه واشنطن بوست، The Washington Post، 27/12
رابط المقالة https://www.washingtonpost.com/opinions/the-real-greatest-threat-to-democracy-this-year/2017/12/27/a74375e8-eb28-11e7-9f92-10a2203f6c8d_story.html?utm_term=.5cf6d93ee54a
عدد الكلمات 650
ترجمة أحمد عيشة

 

مقالات ذات صلة

إغلاق