مقالات الرأي

النظام السوري والمعارضة وقضية القدس

 

تحظى ردة فعل الشارع السوري، على أي جزئية ذات علاقة بالقضية الفلسطينية، بأهمية خاصة، نظرًا إلى حالة الانقسام السياسي والجغرافي الحاصل في سورية، بعد انطلاق الثورة السورية عام 2011، إضافة إلى مدى تداخل وتشابك الشعب السوري -تاريخيًا- مع القضية الفلسطينية، سواء عبر أعداد السوريين الذين هبوا للدفاع عن فلسطين وأرضها وشعبها، منذ ما قبل النكبة الفلسطينية حتى الرمق الأخير من حركة التحرر الفلسطينية التقليدية، أو عبر العديد من أشكال الدعم المالي واللوجستي، وأشكال الاحتضان الشعبية لموجات اللجوء الفلسطينية، وكذلك من خلال التظاهرات والاحتجاجات السورية، على مدار سنيّ القضية الفلسطينية التي فرضت نصوصًا قانونية في الدستور السوري، أدت إلى تمتع الفلسطينيين داخل سورية بالعديد من الميزات التي افتقدها غالبية الفلسطينيين، في دول الجوار الأخرى، كما طالبت هذه الحركة الشعبية السورية، كثيرًا وطويلًا، بفتح باب التطوع للدفاع عن فلسطين، وبدعم المقاومة الفلسطينية، بجميع الأشكال اللوجستية والمالية والعسكرية والبشرية، وهو ما يعطي انطباعًا عن جذرية القضية الفلسطينية، في وعي الشعب السوري تاريخيًا وراهنًا، دون أي فضيلة أو دور يذكر، في تكوين هذا الوعي وهذا التوجه الشعبي، للنظام الحاكم اليوم أي نظام الأسد، على الرغم من جميع الحملات الإعلامية والخطابية التي مارسها النظام وحلفاؤه لنسب التوجه الشعبي السوري إليه فقط.

وعليه؛ لا بدّ من ملاحظة بعض الفوارق الملموسة، في ردة الفعل الشعبي السوري على القرار الأميركي الأخير، وهي تعكس كثيرًا من المعاني والقيم المهمة. ولتكن البداية في غياب أو في ضعف الرد الرسمي والشعبي، في المناطق الخاضعة لسيطرة النظام السوري، على الرغم من الهالة الإعلامية التي يتستر النظام خلفها، وهو الذي عوّدنا -دائمًا وأبدًا- على استغلال مثل هذه المصائب العربية، ليتنطح بنفسه لقيادة حركة الاحتجاج الشعبية، عبر تنظيم مسيرات شعبية ضخمة ومسيّرة، تُعرف في سورية بالتظاهرات المليونية، والتي يفتعلها النظام بإجبار جميع موظفي الدولة والقطاع الخاص، وطلاب المدارس والجامعات، على التجمع والتظاهر خلف راية النظام، بصورة تمنح النظام ثقة ومناعة، على اعتباره حاضنًا للحركة الجماهيرية، ولو عبر السطوة الأمنية، وكأن السوريين في تظاهرهم، يعبرون عن غضبهم وسخطهم من سائر الأنظمة العربية والعالمية، باستثناء النظام السوري! كيف لا، وهو قائد ومنظّم ومعِدّ ومسيّر هذه التظاهرات!! غير أن غياب هذه الممارسة اليوم، بالرغم من حجم استغلال النظام للقضية الفلسطينية إجمالًا بعد انطلاق الثورة السورية؛ يدفعنا إلى البحث عن الأسباب، وأعتقد أن مردها الوحيد هو خوف وارتعاد النظام من تجمهر أعداد كبيرة من السوريين، داخل شوارع وحارات العاصمة السورية؛ إذ قد يحسن استغلاله بعض المجموعات الشبابية المعارضة والثائرة التي أجبرتها ظروف الحرب على الإقامة داخل مناطق سيطرة النظام، كما أجبرتها الظروف على كبت ومداراة آرائها ومواقفها السياسية، لتجد في مثل هذا التجمع لحظة مواتية، لنشر بعض البيانات والشعارات التي تعري النظام، وتكشف عن دوره القذر في حماية الاحتلال الصهيوني، وفي تدمير المجتمع والاقتصاد السوري إجمالًا. غير أننا لا نلغي احتمال أن يؤدي ضغط الجموع السورية، في مناطق سيطرة النظام، وضغط الإعلام العربي والسوري المعارض -إن سلط الضوء على هذه الحالة- إلى إجبار النظام على تنظيم تظاهرات شعبية محدودة ومقيدة برقابة أمنية مكثفةً، وبعيدة من مركز العاصمة، ضمن بعض المناطق الخاضعة لمراقبة وتحكم ونفوذ أجهزته الأمنية والميليشيات الطائفية الموالية له.

على الضفة الأخرى، نجد تناقض مواقف وشعارات الجموع الشعبية في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، مع مواقف بعض الشخصيات المعارضة خارج سورية، فمن ناحية عبّرت الجموع الشعبية الثائرة عن التضامن والوحدة، بين الشعبين: السوري والفلسطيني، منطلقة من اعتبار القضيتين الفلسطينية والسورية قضية شعب واحد، ورافضةً أن تَحول ظروف السوريين الدامية والصعبة والقاسية دون أن يعبّروا عن وحدة الحال الفلسطينية-السورية، ودون أن ينددوا كذلك بمجمل النظام العربي الرسمي والفلسطيني والسوري ضمنًا، وطبعًا النظام العالمي كذلك، ليعودوا بتحركاتهم الصادقة إلى التأكيد على رفض المسار الاستسلامي، وعلى حتمية دعم ورفد المقاومة والنضال الفلسطيني حتى تحرير جميع الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ 1948. بينما نلحظ تغريد بعض الشخصيات السورية المعارضة خارج السرب الشعبي السوري، متهكمين على معاناة الفلسطينيين، وعلى تصاعد الحملات الإعلامية والجماهيرية العربية الحالية المتضامنة مع القضية الفلسطينية، مستهجنين هذا التناقض -وفقًا لتعبيرهم- ممثلًا بتجاهل معاناة السوريين لصالح تسليط الضوء على تبعات القرار الأميركي! وهو ما يعكس مقدار بُعد هذه الشخصيات -سياسيًا وعمليًا- عن نبض الشارع السوري، وافتقادهم الموضوعية والتحليل الدقيق والعلمي للأحداث وتبعاتها، كون الإعلام إجمالًا لا يتمتع بالصدقية السياسية أو الإنسانية، في تعامله مع القضيتين: السورية أو الفلسطينية، فقد شهدنا -على مدار سنوات الثورة السورية الماضية، وعلى مدار سنوات القضية الفلسطينية- انتقائية ظرفية إعلامية، تتجلى بتسليط الضوء حينًا، وإهمال مطلق حينًا آخر، على الرغم من حجم المعاناتين الإنسانيتين في الحالتين. ولذا كان من الأجدى لتلك الشخصيات المعارضة البناء على وحدة الألم والمعاناة، فمسار الحرية واحد لا يتجزأ، تمامًا كوحدة مسار المجرمين والمضطهدين الصهاينة والأسديين، ومن شابههم، وهو ما يؤكد على أهمية وفاعلية توحيد النضالين السوري والفلسطيني، استنادًا إلى وحدة حال الشعبين، في نضالهما لنيل الحرية من براثن نظاميين وكيانين إجراميين، عاثا فسادًا وإجرامًا على مدار السنوات الماضية، مع الإشارة إلى طول مدة إجرام الاحتلال الصهيوني وحجم إجرامه كذلك بحق السوريين والأرض السورية أيضًا. فضلًا عن الإشارة إلى دور الاحتلال القذر في استمرار النظام السوري حتى الآن.

بذلك، تؤكد تداعيات القرار الأميركي وظروف الثورة السورية على تلاعب النظام بالقضية الفلسطينية، وعلى عجز كثير من الشخصيات المعارضة في الخارج، عن تجسيد توجهات وأهداف السوريين عمومًا، بينما يعود الشعب السوري إلى التأكيد مجددًا على طبيعة ثورته وأهدافها الوطنية والقومية، بالرغم من ظروفه الصعبة وتكالب قوى الإجرام والاستعمار عليه وعلى سورية.

مقالات ذات صلة

إغلاق