تحقيقات وتقارير سياسية

المعارضة السلمونية

 

قد يبدو العنوان غريبًا، لكنه يعكس جزءًا من الحقيقة؛ إذ إن أهل (سَلَمية) يُفضّلون هذه التسمية على تلك التصنيفات المذهبية، كما هو شائع بـ “معارضة إسماعيلية”، وهي تصنيفات لا تقيم وزنًا للحقيقة من جانبين:

1 – ليس للمعارضة السياسية علاقة بالمذهب، ولم تكن تعبيرًا عن حالة مذهبية إسماعيلية مثلًا، حيث إن انتماءاتها الفكرية والسياسية بعيدة عن الدين والطوائف، لدى الأغلبية الساحقة من المعارضين “السلامنة”، وكان الطابع القومي واليساري والعلماني هو الأساس والمرجعية، وإن كان لتاريخية الصراع المذهبي أثر في خلق بيئة مناسبة، سنمر عليها في هذا المقال.

2 – في (سلمية)، يوجد اختلاط مذهبي واسع داخل العائلة، وأحيانًا في الأسرة الواحدة، وهناك نسبة لا بأس بها من المعارضين على المذهب السنّي الذين يشعرون بالامتعاض، حين يُحسبون بالجملة كإسماعيليين، ينسحب ذلك على أسماء مشهورة هي من عائلات سنية من زمان، لكنها تصنف كإسماعيلية في الوسط الإعلامي، وحتى في التناول السياسي، كعائلة (الجندي) التي برز منها عدد من السياسيين والعسكريين.

لتاريخ تأسيس (سلمية) الحديث، ومجيء الأغلبية الساحقة من أصل إسماعيلي قدموا من قرى طرطوس ومصياف والقدموس، أثرٌ في تغليب الحالة “السلمونية” على المذهبية التي عرفت مناقلات لم تشهدها بقية المذاهب، بما في ذلك أسبابها السياسية والاجتماعية بدءًا، ثم توسعها نتيجة عديد العوامل المتداخلة.

المعارضة “السلمونية” لنظام التوحش الأسدي كانت مُبكّرة، وواسعة، ومؤثرة، وبنسبة عالية يمكن اعتبارها رقمًا قياسيًا في عدد المعتقلين على مدار العقود، ارتباطًا بعدد السكان ومنسوب المعارضة، فهذه المنطقة التي لها سمات خاصة، صاغت وعيها وحراكها ومنحتها بصمة خاصة، تكاد تكون متميزة (تحتاج إلى بحث مستقل)، انتشرت فيها بوقت مبكر جميع الأحزاب السياسية: القومي السوري والشيوعي والبعث والناصرية وحتى الإخوان المسلمون، وإن عرف البعث وجودًا أقوى حتى في مرحلة ما قبل الحكم، حتى اعتبرها الكثير من البعثيين القلعة المتميزة بانتماء وإخلاص وثقافة ووعي المنخرطين بالبعث عمومًا، كما أن التنظيمات الماركسية اللاحقة، وخصوصًا رابطة، فحزب العمل الشيوعي، عرفت انتشارًا كبيرًا وبرزت قيادات مؤثرة، بينما كانت السجون ممتلئة بجملة المعارضين على مدار العقود.

تناول كثير من الباحثين هذه الظاهرة، في عدد من الدراسات، وهناك من أرجعها إلى التعليم المُبكّر والثقافة المنتشرة، وبيئة المذهب الإسماعيلي الذي كان له بصمة خاصة في الفلسفة والمجادلات الفقهية والتراكم الثقافي، ونوعية القيادات المؤسسة للأحزاب التي تغلّب فيها العام على الذاتي، والمبدئي-الأخلاقي على النفعي الانتهازي، وربما عدم وجود حالة اقتصادية أو سياحية وتجارية ناشطة، وشيء من عدالة الوضع الاجتماعي، باقتراب البنية الطبقية لدى الأغلبية، كفلاحين يملكون أراض زراعية وإن كانت محدودة المساحة والدخل، بما جعل الاهتمام بالثقافة بديلًا وتعويضًا، فتكوّنت بيئة صالحة للتحزّب.

أعتقد أن الصراعات المذهبية، بين العلويين والإسماعيليين الذين يسكنون مناطق جغرافية متجاورة (ريف حماة وطرطوس)، وقصة صراع الانشقاقات فيما بينها، والخلافات والاقتتال البيني، شكّلت نوعًا من المناخ المناسب لمعارضة النظام الأسدي، بشكل مبكر وواسع، الذي أسفر عن وجهه الطائفي الممنهج، ناهيك عن موج اليسار الذي انتشر قويًا، بعد هزيمة حزيران كتعويض وبديل، وهروب إلى الأمام لدى البعض، وفي هذا الصدد، كانت نسبة البعثيين الذين عارضوا “انقلاب التفحيح” عاليةً في سلمية، وكانت بصمة هؤلاء واضحة في التنظيم السري، وفي عدد المنظمين والمعتقلين.

عند انطلاق الثورة كانت (سَلَمية) من أوائل المشاركين فيها، وبتصاعد كبير في الأعداد وصل إلى نحو 30 ألفًا من المتظاهرين، إضافة إلى مشاركة العديد منهم في المحافظات التي يقيمون فيها، أو انتقالهم للإسهام في التظاهرات في المدن السورية المختلفة، كحمص وحماة ودوما والرستن وتلبيسة، عدا عن استقبال نحو 90 ألفًا من نازحي محافظتي حمص وحماة، بترحاب عام.

لكن، قبل أن تشهد الثورة تلك التحولات الإسلاموية، وقبل انتشار العَسكرة وطغيانها في المشهد والدور، شعر هؤلاء الثائرون من (سلمية) بأن كثيرين من الثوار ينظرون إليهم نظرة خاصة لا تخلو من التصنيف المذهبي، وبعض التشكيك بـ “الأقليات” وموقفها من النظام، وسهولة إطلاق أحكام بالجملة، على أساس مذهبي لا سياسي، وبأن إهمالًا متناميًا لحراكهم ومطالبهم بدأ يظهر، وكأنه غير عفوي، وكان لكثير من التصرفات آثارها في تراجع منسوب الحراك، إضافة إلى النسبة الكبيرة من اعتقال الناشطين ومطاردة المئات منهم، واضطرار العديد إلى التواري، ثم الهجرة الواسعة لأغلبية الشباب المحسوب على الثورة.

في حمأة تعقّد المسألة السورية، وعدم انتصار الثورة وتحقيق أهدافها بإسقاط نظام الفئوية والاستبداد، ودخول أطراف كثيرة إقليمية وخارجية، ونجاح إيران والنظام -إلى درجة مهمة- في إقحام الصراع المذهبي بديلًا لجوهر الثورة؛ بدأت الحاضنة الشعبية بالتراجع مع تراجع الآمال بانتصار سريع، وازدياد تعقّد الحالة السورية وصولًا إلى التدويل، وما صاحب ذلك من حالات يأس وإحباط، وتحولات وتشوّهات.

لقد شعر عدد من المنضوين تحت لواء الثورة، والمنتمين إليها، بالغربة، حين طفت على السطح تلك المشاريع والأطروحات البعيدة عن جوهر شعارات وأهداف الثورة، وإطلاق العنان لموج إسلاموي، لم يخفِ -عند عديدين- نيّاته بإقامة إمارات إسلامية، أو بإعادة الخلافة، ترافقًا مع نوع من الاستئثار والتعامل مع الآخر، على أساس المذهب لا على أساس الخيار السياسي؛ فحدث تراجع ملموس في عدد وفاعلية المعارضين المنتمين إلى الثورة.

مع ذلك، ما تزال جذوة الثورة قوية، لدى فئات مهمة داخل سلمية، وفي أوساط اللاجئين، وهي تحتاج إلى توجيه خطاب جديد، يعيد الثقة واللحمة بين جميع الأطياف الثورية والمعارضة. خطاب يعزز الوحدة الوطنية، ويرسخ مبدأ المساواة في المواطنية بغض النظر عن الجنس والقومية والمذهب والدين.

ستبقى (سَلَمية) عصيّة على التطويع والتكييف، على الرغم من سيطرة بعض الشبيحة والمرتزقة على سطحها العام، وما يقومون به من أفعال رذيلة، خصوصًا تلك المدعومة من جهات نافذة في السلطة، ومن ضباط أمن معروفين يحاولون إحداث شروخ على أساس طائفي (خاصة بين العلويين والسلامنة، أو بين الإسماعيليين والسنة)، الأمر الذي يستوجب الاهتمام من قبل مؤسسات المعارضة، وتركيز الخطاب الجامع الذي صاغته الثورة، وانتشر في كل الميادين بأن الشعب السوري واحد.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق