هموم ثقافية

نشيد الإنشاد في سجن صيدنايا!

 

ينتابني في وداع كل سنة، إحساسٌ مختلفٌ بالزمن. إحساسٌ له طعم البدايات والنهايات، حيث نطوي عامًا آخر من حياتنا. نهيل فوقه تراب الانكسارات، وغبار الذاكرة، ووجع الأيام، ثم نتحفّز لاستقبال الأماني، والرغبات بالعام الجديد. نكابر، ونقول على استحياء: القادم أجمل؛ إذ لا بدّ من ضوء ما في نهاية النفق. هكذا تعودنا أن نربي الأمل، كي لا نفقد ما تبقّى لنا من شهوة الحياة.

المشكلة أن ذاكرتي اللعينة مشحونةٌ بالمفارقات، وألم المتناقضات، وإذ أمشي اليوم في شوارع الاغتراب في مدينتي الألمانية، أندهش لفقدان دهشتي بالأشياء. اكتشفت أن أضواء الميلاد ورأس السنة، وأكشاك النبيذ الساخن، ومواقد الحطب التي يتحلّق حولها الرجال والنساء المحتفلون على أنغام الموسيقا… لا تحرّك في داخلي شيئًا! غريبٌ أنا بين غرباء. موائد الفرح عامرة من حولي، لكنها ليست لي. أنا جسدٌ هنا. روحي معلّقةٌ هناك، حيث رائحة الألفة، والذاكرة، والأحبة، والأصدقاء، لكن الـ “هناك” باتت اليوم مدنًا مدمّرة، ومنازل مهجورة، وشوارع مليئة بالأشباح، وأحزان بشر أمسوا جثثًا متحركة في خواء الانتظار. انتظار “غودو” الذي لا يأتي، رغم أن “الميديا” والفضائيات تضجُّ بالمنجّمين، وقارئي الطالع، ممّن يسوقون الأماني والأحلام.

يحتلُّ نجوم السياسة والفن والرياضة الشاشة الصغيرة. “من هو شخصية العام دون منازع؟! هل هو صانع سلام، يعمل من أجل سعادة البشرية.. أم هو مجرم حرب.. ولص سارق للأحلام، يتخفى خلف قناع؟!”.

لقد سقطت معايير القيم والأخلاق في عالمنا اليوم، واختفت الحدود بين هذا وذاك. تحضرني في زحمة هذا الركام، نصيحة الراهب العجوز للراهب الشاب في رواية دوستوفسكي (الإخوة كرامازوف). يقول له: “اذهب يا بني وابحث عن السعادة في ثنايا الألم”. إن تلك المقولة نابعة من رحم الألم، ومعاناة التجربة للكاتب الذي عاش ردحًا من الزمن في المنفى السيبيري، وهي في الآن ذاته تأكيدٌ على إرادة الحياة وسط العتمة، وطريق الآلام، والموت. لقد اختبرت بنفسي تلك التجربة، وإلّا؛ لماذا تتلبسني الذكريات كل سنة في مثل هذه الأيام، ولماذا باتت أكثر إلحاحًا عليّ بعد تغريبتنا التي عصفت بحياتنا، وقلبتها رأسًا على عقب؟!

يبحثٌ السجين في العتمة عن نافذة ضوء، وتذهب ذاكرته، وهو في قلب الألم والتعذيب إلى رائحة الأم، ودفء الحبيبة. تخرج روح المعتقل من جدران زنزانته الضيقة، وتحلّق في فضاءات الله الواسعة، بعيدًا عن الأسوار، والقبح، والأسلاك الشائكة. تحضر في مخيلته الأغاني، والألوان، ورنين موسيقا ضحكات الأطفال. يحضر الجمال والطهر الذي يبعث الأمل في داخله، كي يقوى على مقاومة عسف السجّان، ومحاولاته الدؤوبة لكسر إرادة السجين وإخضاعه.

جاءت لجنة أمنية، أواخر العام 1990، إلى سجن صيدنايا العسكري. اجتمعت مع السجناء اليساريين القدامى، المعتقلين في أوائل الثمانينيات. ساومتهم على تصريح شفهي، بترك العمل السياسي، مقابل الإفراج عنهم. انقسم المعتقلون في ما بينهم. البعض كان قد توصلّ أساسًا إلى عقم العمل السياسي بالأدوات الحزبية القديمة. حرّك مجيء اللجنة الأمنية المياه الراكدة، وأيقظ الأمل بإمكانية إطلاق سراحنا. تغيّر المزاج العام للمعتقلين، الذين مرّوا بمرحلتين. تميزت الأولى بالتفاؤل، والحوار النشط حول الاحتمالات الممكنة، والمناخ السياسي، ودوافع النظام في الإفراج عن بعض المعتقلين، للتغطية على التحاقه بالتحالف الدولي، الذي دعت له الولايات المتحدة، عشية حرب الخليج الأولى، في إثر غزو العراق للكويت… لكن وبعد مرور أشهر، دون الإفراج عن أحد، بدأت تظهر سمات المرحلة الثانية، التي تميزت بتضاؤل الأمل، والنكوص مجددًا، ودخول الجميع في حالة من حالات الاكتئاب الجماعي. توقف الحوار، وساد الصمت والسكون، وأصبح من النادر أن تجد شخصين يتحدثان مع بعضهما في الممرات. أمست الوجوه مكفهرة، وكل شخص يمشي وحيدًا. تراه ذاهلًا، غارقًا في تداعياته الداخلية، وصار من الصعب أن تفتح حديثًا مع آخر، دون أن تمهّد له بمقدمات، بل أصبحنا نحاذر من اختراق عوالم بعضنا البعض. صرنا نراقب وجوه بعضنا، كي نلتقط الأمزجة قبل أن يغامر الواحد بإلقاء التحية، أو السلام.

بادرت ثلة صغيرة، قبل عدة أيام من حلول رأس السنة 1991، إلى كسر حالة الصمت والجمود والاكتئاب الجماعي، كانت الفكرة بسيطة. علينا رغم كل الآلام أن نفرح، ونحتفل برأس السنة، ونتأمل تقلبات الزمن. علينا ألّا نسمح للجلاد أن يتلاعب بمصايرنا، ويكسر إرادة الحياة في دواخلنا.

بدأنا بتزيين المهاجع كخطوة أولى، ثم تحضير فقرات كوميدية ساخرة، لكسر الجليد والاكتئاب. ربما لن يصدّق أحدٌ أن تجري هذه الأشياء داخل السجن، لكن هذا ما حدث. استفدنا بطبيعة الحال من حالة الانفراج النسبي آنذاك. بدأنا صنع حبال زينة من قصاصات الورق، وصور ورسومات بعض المجلات المتوفرة. راح آخرون يهيئون مشروبات روحية، لمن يرغب، بتقطير ما توفر من مخزون الخمور، الذي اشتغلوا عليه قبل شهور من بقايا المربيات، والتفاح والعنب الذي يأتي في الزيارات. انتقلت العدوى مثل النار بالهشيم، من مهجع إلى آخر، وكأن الجميع بانتظار مثل هذه المبادرة.

من المدهش، أن تتفجر الطاقات الإبداعية الكامنة، والمتنوعة لهؤلاء البشر، التواقون للفرح والطيران والتحليق، في ظرف إنساني استثنائي، غير عابئين بالجدران، والزنازين، والأسلاك الشائكة، والحواجز النفسية والاجتماعية، التي تقيّد حركتهم، وتعوق تفجر طاقاتهم.

أخرج أحد الأصدقاء من ملفاته “نشيد الإنشاد”، الذي كان قد حوّل مضمون كلماته، بما يليق من سخرية بظروفنا، مع تأكيده على الحب والجمال وقوة الحياة. لا أدري كيف جهزّ له آخرون لباس “قسيس”، قوامها “فروة” صديق ديري سوداء، وصنعوا له قبعة خوري من الكرتون والورق المقوّى بلاصق من العجين السائل والسكر… وإلى الآن لا أعرف كيف صنعوا له مبخرة، ومن أين جاءوا بالبخور الذي ملأت رائحته فضاء المكان. كانت فقرته أن يرتل “نشيد الإنشاد” مع جوقة تردد من خلفه، في حين تنطلق من الجهة الأخرى للجناح “أ” يمين في الطابق الأول عراضة شامية، مع زفة عريس جسّدها الصديق “أبو عزيز” أحد أكثر الشخصيات الكوميدية التي مرّت علينا في سجننا الطويل.

ارتدى أبو عزيز “جاكيت” عريس، وقميصًا أبيض مع ربطة عنق أنيقة، لكنه ظلّ من تحت بلباسه الداخلي، بلا بنطال. وحتى تكتمل الصورة الكاريكاتورية، اخترنا له “إشبينين” هما أنحف وأسمن شخصين في الجناح. كان المشهد طريفًا ومفاجئًا ومثيرًا للضحك. مثّل أبو عزيز دور العريس بإتقان شديد، ورغم أن (العكيّدة) من خلفه في الزفّة، أنيطت بها مهمة حمايته، لكن أفرادها بالذات، هم من راحوا ينخزونه بقرصات متتالية، في حين أنه حافظ على وقار العريس، بما يليق بالمناسبة. ارتدى من يقود الزفة شروالًا وقبعة بيضاء، وسترة بلا أكمام، واشتعلت العراضة الشامية بكل طقوسها رقصًا ودبكةً وأهازيجًا، وراحت تتنقّل من مهجع لآخر، وفي كلّ مرة يزداد عدد المشاركين. في الحين ذاته كانت جوقة “نشيد الإنشاد” تتقدم من الطرف الآخر للجناح، مع عبق البخور إلى أن التقت الجوقتان، في الممر العريض الفاصل بين الجناحين، الذي تحوّل إلى منصة للاحتفال، الذي ضمّ حوالي مئتي سجين من أعمار، ومناطق مختلفة، يجسدون كل أطياف المجتمع السوري الديني، والمذهبي والإثني، لكن كل هؤلاء عابرون لانتماءاتهم الجزئية، يوحدهم الأمل بوطن حر معافى. الكل كانوا يضحكون ضحكًا طليقًا، ويرقصون ويغنون، وكأن تلك الأرواح المعذبة، التوّاقة للفرح والحياة خرجت دفعةً واحدة من عتمة الأسوار، والزنازين إلى فضاء الحياة الأخضر الشاسع.

وضع أحدهم طاولة من الورق المقوّى والأخشاب (صنع محلي)، وراح يقدّم فقرة ألعاب خفة سحرية، في حين راح آخرون يعزفون على آلات العود، بمصاحبة أصوات جميلة تغني الطرب الأصيل، فيما البعض يرقص، والبعض الآخر يقدّم فقرات مسرحية كوميدية. رسم أحدهم باصًا بشكل كاريكاتوري على كرتونة كبيرة، في إشارة إلى رحلتنا المتنقلّة بين الأفرع الأمنية والسجون. كان الوضع أشبه بكرنفال فرح حقيقي. انفلتت خلاله المشاعر الحبيسة، وتفجرت الطاقات الإيجابية، التي استعادت الأمل بالكينونة والمستقبل؛ إذ لا حاجز أمام إرادة الإنسان بالحب والحياة.

قد يسأل سائل أين السجانون من كل هذا؟!

أعتقد أن الحالة فرضت نوعًا من “الأنسنة” في تلك اللحظات، بين السجين والسجّان. حيث تواطأ الأخير معنا، وغضّ النظر عمّا يجري، بل ترك أبواب المهاجع مفتوحة على بعضها حتى الساعة الواحدة بعد منتصف الليل. في الوقت نفسه، قدّم السجناء لهم بعض ما لديهم من حلويات وفاكهة، من تلك التي جاءت في الزيارات، كمشاركة بهذه المناسبة. في نهاية المطاف كلنا بشرٌ، وقد نلتقي في لحظة ما، تُمحى خلالها حدود الكراهية، حيث يعود الإنسان إلى إنسانيته.

استمرت السهرة بعد دخولنا إلى المهاجع، حتى ساعات الصباح. امتدت الموائد، وصدحت آلات العود بالألحان، وغنى المغنون الشجن والأمل، بانتظار بقعة ضوء في آخر النفق المظلم!

مقالات ذات صلة

إغلاق