مقالات الرأي

علم الثورة السورية شرف لفلسطين يا أغبياء

 

في مدينة بريمن بألمانيا، في 16 الجاري، وخلال تظاهرة للتضامن مع فلسطين، بوجه قرار ترامب القاضي باعتراف أميركا بالقدس عاصمة لـ “إسرائيل”، والاستعداد لنقل السفارة الأميركية إليها، قام شاب تابع لأحد الفصائل الفلسطينية في التظاهرة، بالاعتداء على المهندس السوري المعارض مروان العش، وحاول إسقاط العلم الذي يرفعه، علم الثورة السورية، الذي هو علم استقلال سورية قبل سيطرة العسكر على السلطة في سورية.

حقًا هو عمل مشين لفلسطين وقضيتها، قبل أن يكون مسيئًا للثورة السورية، وللمهندس العش؛ إذ لا يعلم هؤلاء الغوغاء، الفارغين من أي وعي للقضية الفلسطينية، أن هذا العلم الذي استفزهم هو علم استقلال سورية، وعلم العهد السوري الذي تم خلاله، أيام رئاسة شكري القوتلي للجمهورية السورية، إصدارُ القانون القاضي باعتبار الفلسطينيين الذين لجؤوا إلى سورية، بحكم المواطن السوري. وأشير إلى هذا مفترضًا أن من قام بالعمل، والجماعة التي ينضوي إليها، خصومٌ لثورة السوريين لأسباب مختلفة.

حريُ بمن ينتمي إلى القضية الفلسطينية، ولا سيّما إذا كان فلسطيني النسب، أن يلمَّ بالتاريخ، وأن يعرف تاريخ قضية فلسطين، وتاريخ نضال شعبها منذ أوائل القرن العشرين، حتى يتعرَف على أن السوريين، الذين انتفضوا لنيل حريتهم من الاستبداد، هم أكثر شعب عربي انحاز قولًا وفعلًا لفلسطين، ومن حقهم على الفلسطينيين أن يقفوا معهم، وهم يواجهون أبشع استبداد إجرامي على مدى التاريخ، لا أن يقفوا على الحياد بين الضحية والجلاد، فكيف إن وقفوا مع الجلاد، ودافعوا عنه بأشكال شتى.

ولمن لا يعرف، أو يعرف ويتجاهل، نقول إن الإنسان السوري دفع من دمه وماله وكل ما يملك، من أجل فلسطين، في عهد الثورة الوطنية المعاصرة 1965، وعدد الشهداء السوريين في صفوف المقاومة الفلسطينية يكاد يكون الأعلى من بين أبناء البلدان العربية الأخرى، ومن يرد التحقق فليسأل عن ذلك في سجلات أسر الشهداء والجرحى المثبتة في جداول لدى “منظمة التحرير الفلسطينية”.

حتى في تظاهرة بريمن، كانت اللوحات الكرتونية التي يرفعها العش تمثّل أرقى تعبير عن التضامن مع القدس وفلسطين، ومن حقه الاعتزاز بهويته، هوية حرية سورية وشعبها، برفع العلم السوري: علم الاستقلال والثورة، فهو لم يرفع راية دينية أو مذهبية، كما فعل أعداء الشعب السوري في بيروت، وحتى في غزة التي تحكمها (حماس)، كما لم يكتب تلك الشعارات العنصرية الخارجة من ظلمة التاريخ، ولم يرفع صور زعماء أكذوبة “الممانعة والمقاومة”، كما فعلها فلسطينيون في رام الله “يساريون وقوميون ومتأسلمون”، وفي احتجاجات ركبت عليها الفصائل، لتقبض ثمن “وفائها” لمموليها الذين ابتاعوا آخر نقطة من ضميرها بأبخس الأثمان.

لم يرفع السوريون المنخرطون بالثورة، أو المؤيدون لها، صورةَ أحد، وهم يشاركون بالاحتجاج على قرار ترامب، من رجالات الثورة الذين استشهدوا على يد السلطة المجرمة أو حلفائها الإيرانيين وميليشياتهم كـ (حزب الله) و(عصائب) و(فاطميون) وشبيحة الارتزاق التي تحضنها مخابرات النظام، وفي كل الاحتجاجات في مدن العالم، كان السوريون الذين ينشدون الحرية لشعبهم، أكثر الفئات مشاركة في نصرة القدس وفلسطين.

غير أنني، من أجل الحقيقة، لا أحمّل الشاب/ الشبان الفلسطينيين، أو غيرهم، المنساقين وراء الديماغوجيا السياسية لحلف الممانعة والمقاومة، المسؤوليةَ عن اندفاعهم الجاهل والأرعن والغوغائي، إلى مستنقعات الإجرام والاستبداد، فالمسؤولية تقع على المرجعيات، التي هي عديمة الوفاء للشعب السوري، ومن المؤسف أن أضطر إلى تثبيت ما أعتقده حقيقة تتصل بفلسطين، فطالما يقف فلسطينيون كثر في ظلال الاستبداد، وبعضهم يقاتل مع أبشع مستبد في التاريخ “سلطة آل الأسد”؛ فإن التعويل على انتصار القضية الفلسطينية وهمٌ بوهمٍ، وإن علمت المرجعيات هذه الحقيقة وتجنبتها، فتلك مصيبة، وإن لم تعلم ذلك، فهو أمر محزن، يبين درجة الانحطاط الفكري والسياسي والأخلاقي، لأناس لم ينفكّوا عن ترداد أهداف التحرير ونيل الحقوق الفلسطينية.

يجب القول، لهذه القطعان الجاهلة: إن قلة الوفاء ونكران الجميل لا تليق بمن ينبري للصراخ وهو يلوح براية فلسطين. نعم قلة وفاء ونكران للجميل، وأشير هنا إلى ما تعرض له الشبان السوريون عام 1975، خلال تحركاتهم لاستنكار جريمة حافظ الأسد في تل الزعتر؛ فامتلأت بهم المعتقلات، وحوربوا بعملهم ووظائفهم وجامعاتهم. ولأن قبضة القمع كانت ضعيفة في مخيم اليرموك في سورية، كان مئات الشباب والصبايا من السوريين، يتسللون إلى المخيم ليشاركوا في تظاهرات الرفض لسياسة حافظ الأسد نحو فلسطين.

أخيرًا، من المؤسف أن أضطر إلى الوقوف عند حقيقة أن ما شهدته المدن، غالبية المدن العالمية والعربية أيضًا، خلال النشاطات المناهضة لقرار ترامب العدواني، لا يطمئن إلى مستوى مناسب يعادل مستوى القضية الفلسطينية، سواء بالهتافات أو الشعارات، وكل “الكرستا” المستخدمة للتعبير عن مواجهة قرار الاعتراف الأميركي بالقدس عاصمة للدولة الإسرائيلية، والحادثة سيئة الدلالة التي وقعت في مدينة بريمن، هي واحدة من الإشارات الخطيرة لانحطاط الوعي بقضية فلسطين، وهي إذ أساءت إلى المعارض العش؛ فقد أساءت أكثر وأكثر إلى القضية الفلسطينية، فلطالما كان القول: إن قضية الحرية في العالم واحدة لا تتجزأ، والأكيد أن قضية الحرية لشعوب البلدان العربية، هي أكثر التصاقًا ببعضها البعض، وأكثر تفاعلًا وتأثرًا وتأثيرًا في المسارات المتعددة. والفلسطيني، أو من يناضل لفلسطين، هو من يفترض به أن يعي هذه الحقيقة، ويجسدها قدر المستطاع.

متى ينتهي هذا الجهل والغباء؟

فلسطين وسواها من القضايا العادلة للشعوب، تتناقض مع الجهل الذي يجعل أصحابه يقفون ضد حرية السوريين، ويتبجحون بالحرية لفلسطين.

مقالات ذات صلة

إغلاق