هموم ثقافية

حين تكون الإجابات أسئلة

صاغ عدد من المفكرين العرب، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، إشكالية النهضة، كما كانوا يرونها، في سؤالٍ كان قوامه المقارنة بين النهضة الغربية الطاغية ووضع العالم العربي الآسن في زمنهم: لماذا تقدّم الغرب وتأخر العرب؟ وقد اصطدمت مختلف الإجابات التي اتخذت من هذه المقارنة أساسًا بما كانوا يظنونه، أو كما تراءى لهم، السببَ، إذ رأوا أنه يكمن في “خصوصية الثقافة العربية-الإسلامية”. هكذا تنوعت الإجابات؛ فمن قائلٍ بضرورة اقتباس منجزات الحضارة الغربية التقنية، مع ضرورة المحافظة على الهوية العربية وخصوصيتها، فبرزت فكرة “الأصالة والمعاصرة”؛ ومن منادٍ بالعودة إلى الأصول الثقافية والحضارية في القرن السابع الميلادي، التي أتاحت نمو حضارة عربية وإسلامية، كانت في أساس النهضة الغربية الحديثة، فنمت فكرة “الأصولية الإسلامية” التي بدت عقلانية في بداياتها ثم ما لبثت أن اتخذت، مع مرِّ السنين، صورًا مختلفة تفاوتت بين الانفتاح النسبي والانغلاق الصارم.

على أن الصيغة الأولى التي مالت إليها النزعات القومية في العالم العربي، لم تؤد في حقيقة الأمر إلى أكثر من مماحكات وجدالات، بقيت حبيسة فضاءات محدودة على الصعيد النظري، ولا سيما أن محاولات ترجمتها إلى مشروع سياسي اقتصرت على عملية تلفيق ساذجة، حازت شعبية واسعة، لكنها لم تقدم أو تؤخر شيئًا في مجاليْ هذه الثنائية. وهو ما فرض ضربًا من الجمود، ابتليت به حركات التحرر “التقدمية”، القومية منها واليسارية، نظريًا وعمليًا، منذ ما يقرب من نيف وستين عامًا.

أما الصيغة الثانية، فقد تفرعت بها السبل، من التطرف النظري الذي تطلع إلى إعادة نقاء وخشونة وزهد فترة الدعوة الإسلامية، مرورًا بمختلف النظريات التلفيقية التي أريدَ بها حصر الاستفادة من التقدم الغربي بمنجزاته التقنية المحضة، كما لو أن بالوسع فصلها عن سياقاتها التاريخية والاجتماعية من ناحية، وبناء دولة إسلامية على غرار دولة الخلفاء الراشدين -بوصفها المثل الأعلى في نظرهم- من ناحية أخرى؛ وصولًا إلى مختلف اتجاهات تطلعت إلى قراءة التراث الفقهي، كي تستخرج منه “ما يلائم” الحياة المعاصرة، مع البقاء ضمن حدود النص، على ألا يقتصر المراد من هذا الأخير على النصوص المؤسِّسَة، بل يتجاوزها إلى كل ما يمكن أن يدخل في باب الفقه الإسلامي على امتداد العصور. وشأن الصيغة الأولى، وجدت صور محدودة العدد من هذه الصيغة بعضَ محاولات جادة، تنم عن قدرات معرفية استثنائية، وعن بصيرة حادة في الفهم وفي التأويل، ومحاولات أخرى كانت أحيانًا صارمة في التطبيق، في عدد من البلدان العربية، لم يكن من شأنها إلا أن تكشف الكثير من التناقضات على الصُّعد الفردية والاجتماعية والمؤسساتية.

وكما سبقت الإشارة في مقال (ويحدثونك عن التنوير)، لم تكن محاولة الخروج على هذه الصيغ جميعًا غائبة عن المشهد الثقافي والسياسي العربي خلال قرنين. ولعل هذا ما يفسر بالأحرى بعض أسباب وأد المحاولتين الجذريتيْن المشار إليهما فيه. على أنه إذا كان وأد المحاولة الأولى قد نتج عن كسر المشروع السياسي الأشمل الذي انطوى عليها؛ فإن وأد المشروع الثاني جاء على أيدي كافة القوى السياسية والفكرية الفاعلة أو المؤثرة التي كان يُنتظر منها توفير كل إمكانات الاستمرار والتطوير. فما الذي جعل الطريق مسدودًا إذن في وجه هذه الصيغ الأولى، على تباعدها أو تلاقيها في بعض المجالات، سواء على الصعيد النظري أو على الصعيد العملي؟ وما السبب في الإسراع بوأد أي مشروع آخر يقف على النقيض من الصيغ الأولى، ويحاول تجاوزها؟

هل يكمن السبب فعلًا في “خصوصية الثقافة العربية” التي يؤلف الإسلام قوامها، أم في القراءة التي نقدمها عن أو لهذه الثقافة بصورة أو بأخرى؟

ربما كانت الإجابة عن هذه الأسئلة تكمن في أسئلة أخرى ذات صلة حميمة بصميم الموضوع، منها، على سبيل المثال لا الحصر: ما الذي جعل صحابة نبي الإسلام أكثر حرية في فهم آيات القرآن في سياقاتها ومدلولاتها ومراميها من كل الذين جاؤوا بعدهم، أيًا كانت صفتهم أو مراتبهم؟ أو ما الأساس الذي اعتمده هؤلاء الصحابة أنفسهم لحل المشكلة الكبرى، السياسية والاجتماعية والدينية، التي نجمت عن وفاة النبي؟ أو ما الذي يعنيه الناسخ والمنسوخ في القرآن الذي جاء به الوحي منجمًا، خلال ثلاثة وعشرين عامًا؟ ولماذا لم يجرؤ أحد على طرح السؤال الضروري من أجل فهم الدلالة والمعنى واستخلاص النتائج التي يؤدي إليها كل من الدلالة والمعنى؟ ولماذا صمَت الجميع عن قراءة أخرى وتأويل آخر للناسخ والمنسوخ، غير ما اعتدنا قراءته في كتب الفقهاء المعتمدين؟ أو كيف علينا أن نفسر، ومن ثمَّ أن نفهم، تعدد التأويلات أو القراءات في عصر واحد، ثم في عصور مختلفة؟ أو ما هي دلالات هذه الاختلافات، في القراءة وفي التأويل، ونتائجها في الزمان وفي المكان؟ ثمة كذلك، أسئلة أخرى لا حصرَ لها، تتناول “السنة النبوية” ومجموعات “صحيحها” التي ركن معظم الفقهاء إليها، ثم استقروا على اعتمادها دون أدنى نقد تاريخي أو لغوي أو نصّي، يقتضيه عادة كل نصٍّ تاريخي. وربما أخيرًا وليس آخرًا، وفي سؤال راهن مبنيٍّ على مجمل الأسئلة السابقة: ما الذي نعنيه بالشريعة الإسلامية اليوم؟ هل هي النصوص المؤسِّسَة، أي القرآن والحديث، أم هي -أيضًا- مجمل التراث الفقهي المبني على النصوص المؤسسة في عصور مختلفة وأماكن متباينة؟

لا بد من القول، في ضوء ما سبق، إن المسألة ليست هنا بالسهولة التي يظن البعض إمكان مقاربتها بها. لا بل هي أخطر من أن توضع يقينًا بين أيدي من لا يملكون الأدوات الضرورية (وهي أدوات لغوية ومعرفية، تاريخية وفقهية)، في مقاربة أمور على هذه الدرجة من الاتساع والتعقيد والخطورة. ذلك أن أي قراءة تعيد حرفيًا واحدة أو أكثر من القراءات التي تمت من قبل في زمان ومكان مختلفين، وشروط لا تمتّ إلى الحاضر بصلة، لن تكون أكثر من إضافة هامش على هوامش سابقة عليه، يبتعد بها عن المتن، وتخطئ هدفها الراهن؛ كما أن كل قراءة -ولا سيما تلك التي تتطلع إلى ضرب من القطيعة المعرفية- لا تأخذ بعين الاعتبار واقعة الإيمان بوصفها “الأيديولوجية الوحيدة المقبولة، كما هي عليه بالنسبة إلى مجموع الأمة”، كما يقول أنور عبد الملك -وهي طريقة براغماتية حقًا، لكن لا سبيل في ما أرى إلى تجاهلها- لن تبلغ مراميها المنشودة، كما أمكن للقراءات السابقة أن تبلغها في عصرها، ذلك أن أساس الإشكالية لا يكمن في الإسلام دينًا أو ثقافة، وهو الذي اجتاز عصور الانتصارات والأمجاد، مثلما عرف عصور النكبات والهزائم؛ بل في طبيعة ونهج قراءته التي قام بها، لا صحابة النبي فحسب، بل معظم الفقهاء الذين عرفهم تاريخه وهم يجيبون، عبر قراءتهم، عن الأسئلة التي كان العصر الخاص الذي يعيشون فيه يطرحها عليه وعليهم، بما أنهم كانوا يقومون بقراءته آنئذ. وهو الأمر الذي لم ينتبه إليه معظم من تصدوا لقراءة الإسلام تراثًا وفقهًا ونصوصًا مؤسِّسَة، على الأقل خلال القرن الأخير من تاريخه، من خلال حسم في الطريقة وفي المنهج.

كل ذلك، في الأساس، كي لا تبقى مسألة القطيعة المعرفية، المطروحة بإلحاح في الوضع الراهن، قصرًا على نقاش النخب في ما بينها، كما كانت عليه في الماضي البعيد والقريب.

مقالات ذات صلة

إغلاق