تحقيقات وتقارير سياسية

سوتشي والتغريد خارج الوطنية السورية

 

ليس حبًّا بالرفض أو هواية أو نكاية، أن يقول كثير من المعارضين السوريين: “لا لسوتشي”.. وليس مجرد ردة فعل أن أعلنوا أنهم ضد سوتشي مشروعًا وطريقًا.. وهم يُدركون -ولا شك- أن روسيا أرادت قطف ثمار حرب الإبادة التي شنتها على المناطق المحررة وفصائل الجيش الحر. والحصائل -كما تصورتها الحربية الروسية المسيطرة على عقلية القادة، وعلى رأسهم بوتين- هي فرض أمر واقع على السوريين، يلبّي جوهر المشروع الروسي، والمصالح التي تعمل على تحقيقها، وانتزاعها في بلادنا، من منطلق منتصر ومهزوم، وقد قررت من عندها أن الثورة السورية انهزمت بعد حلب، ولم يبقَ أمامها سوى الاستسلام المُعلن على الطريقة المُعدّة روسيًا، فكانت أستانا محاولة بديلة، حققت بعض الأهداف الروسية، وتلاقت مع مطالب سورية بوقف القتل وإطلاق النار والدمار، بينما واصلت والنظام الخروقات يوميًا مستجيبة، بواقع الحال، لنهج النظام برفض أي حل سياسي، ومواصلة الحرب حتى نهايتها، كما صرّح بذلك رأس النظام وعدد من مسؤوليه.

الحجة اليوم، لدى الروس، ولدى عدد من السوريين المحسوبين على المعارضة، أو أنصافها، وأشباههم، أن جنيف وصلت إلى الطريق المسدود ولم تمنح شيئًا، وأنه يجب البحث عن سبيل آخر، ولو كان بعمل جراحي مؤلم، أو ببعض التنازلات!

فريق آخر يُصدّر لوحة المأساة السورية، ومعاناة الناس، وأنهم لم يعودوا يتحملون المزيد، وأنهم أتخموا قتلًا وجوعًا وحصارًا، وموتًا يوميًا بطيئًا، وأن حالة من الإحباط الشديد تسود، وأن ذلك يدفع الناس إلى البحث عن أي مخرج.

وهناك دعاة “ملء الكرسي الفارغ”، وأن المقاطعة سلبية، بينما للحضور فوائد كثيرة، خصوصًا أنه لا يلزم من يحضر، إذ بالإمكان الانسحاب أو الاعتراض أو التحفظ.

سنضع هذه التبريرات جانبًا، ونقف عند المشروع الروسي، وسوتشي بالتحديد.

بداية، كان الخيار قاعدة حميميم التي باتت وكأنها مستعمرة روسية خارج السيادة السورية (ما زالت صورة الأسد المدفوش من ضابط روسي شاهدًا)، وكان العنوان يحمل مضامينه: “مؤتمر الشعوب السورية”، والذي يعكس حالة قصدية لدى أصحاب القرار الروسي، لا نعتقد أنها تبخّرت لمجرد أن بعض المعترضين السوريين احتجوا، فوافق المعنيون الروس على التغيير، وكذلك موجبات نقل المكان والتأجيل والتي ترافقت مع إعلان الائتلاف والهيئة العليا والفصائل العسكرية المنضوية في الجيش الحر، وعديد القوى والتشكيلات السياسية وغيرها رفضها القاطع في المشاركة.

المشروع الروسي المستفرد بالوضع السوري يرتكز إلى الأفكار التالية:

1- عقد مصالحة واسعة بين النظام والمعارضة، على غرار المصالحات المحلية التي تُعقد في مناطق خفض التصعيد، والتي تمليها ظروف الحصار وأوضاع الناس الصعبة. وكي تبدو أن هذه المصالحة شاملة وواسعة؛ تريد روسيا أن تحشد لها أعدادًا غفيرة من المدعوين، ربما تصل إلى 1700، وربما أكثر، وتحت عناوين تمثيلية فضفاضة ومغشوشة ومُخادعة.

2- بين هؤلاء كثير ممن لا علاقة له بمعارضة، وهو يحمل أسماء تشكيلات معارضة طنانة، لم يسمع بها أحد في تاريخ المعارضة، أو عبر سنوات الثورة، في حين أن شبيحة ومناصري ومؤيدي النظام يمثلون ثقلًا بارزًا ومقررًا.

3- الأهم من ذلك أن جدول الأعمال المعلن، والذي تصرّ عليه روسيا، حتى على صعيد مسار جنيف يقتصر، أو يتركز، على بندين متداخلين: الدستور والانتخابات. ويمكن إضافة بعض البهارات من نوع “شيء من الإصلاحات، والتغييرات في صلاحيات رأس النظام”، وتلميع أو إبراز فاروق الشرع الذي يتردد اسمه كثيرًا هذه الأيام، وكأنه المنقذ البديل الذي سيتولى الإشراف على المرحلة، في حين يعرف الجميع أنه لا الشرع ولا غيره يمكن أن يكون له أي دور، بوجود العصابة الحاكمة المالكة لأجهزة الأمن ومفاصل الجيش والإدارة المحورية.

إن الاقتصار على هذين البندين يعني أن لا حاجة إلى بقية البنود التي اعتبرت أساس الحل السياسي، ونعني منها بشكل خاص تشكيل هيئة الحكم الانتقالي، وبدء المرحلة الانتقالية من خلالها، وما سيتفرّع عنها من مؤسسات، بما فيها الدستور والقضاء وإعادة تشكيل الأجهزة الأمنية والمؤسسة العسكرية، والاتفاق على حكومة انتقالية، وصولًا إلى انتخابات تشريعية ورئاسية.

باختصار؛ المشروع الروسي ينسف مسار جنيف تمامًا، حتى لو أنه صرخ كثيرًا عن الالتزام بجنيف وقرارات الشرعية الدولية، وهو يركلها بقوة، بحيث لا تبقى لها أي صلاحية واقعية، وضمن ذلك يعاد إنتاج النظام، ببعض الصبغة والترقيعات، وكأن شيئًا لم يكن، وكأن شعبًا لم يضح بملايين الشهداء والجرحى والمعطوبين والمعتقلين واللاجئين والنازحين والمهجّرين، وكأنه لا وجود لنظام سجّل أرقامًا قياسية في الإجرام وتدمير البلد، ويجب مكافأته بأن يستمر حتى الانتخابات، بل السماح له بخوض الانتخابات القادمة، كمواطن “صالح” مثل بقية المواطنين.

فوق ذلك، روسيا الدولة المحتلة لبلادنا، والوصية على النظام، والمستفردة بالملف السياسي، تُهدد وتُنذر من يرفض الذهاب إلى وليمة سوتشي، وتصنفه على أنه لن يحسب من المعارضة. بقي أن نقول إن حجم من يشارك، مهما بدت الأرقام كبيرة ومنتفخة، ومهما ازدانت بالأناقة وربطات العنق، سيبقى خارج تغريد السوريين والوطنية السورية، وسيكون كالزبد، الذي يذهب جفاء.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق