قضايا المجتمع

إسقاط الحضانة عن الآباء في أوروبا.. مزايا وعواقب

 

يصعب عادة، ضمن الاعتبارات والأعراف المجتمعية في البيئات العربية، قياسُ مصالح الأطفال والأفضل لهم ولمنبتهم، ولذلك نرى كثيرًا من الحالات التي يعيش فيها الأزواج، بحالة من الجبرية، للحفاظ على الأسرة وضمان نشأة الأبناء ضمن النسق العائلي، غير أن الغرب الذي خاض قبل المجتمعات العربية كثيرًا من التجارب، يرى أن بقاء الأبناء في كنف أسرة فاشلة أسوأ لهم، لذا تقوم الجهات المُختصّة، في عموم الدول الأوروبية، بسحب حضانة عدد من أطفال اللاجئين العرب من آبائهم؛ إذا لحظوا أيّ ممارسات سيئة بحقهم أو نابعة من تفكّك أسري يضرّ بهم.

يؤكد ناشطون سوريون مقيمون في أوروبا أن ظاهرة أخذ الأبناء من آبائهم السوريين موجودة، لكنها ليست منتشرة بكثرة، فيما يعتقد خبراء نفسيون أن هذا التصرف هو الأنجع للحفاظ على توزان الطفل ومستقبله.

نشر موقع (دويتشه فيله) مؤخرًا توضيحات حول أسباب سحب حضانة الأطفال من ذويهم، على خلفية سحب الجهات المسؤولة، في ألمانيا والسويد، ثلاثة أطفال سوريين من عائلاتهم، حيث أكد الحقوقي جلال محمد أمين أن “سحب حضانةِ الأطفال لا يرتبط فقط بسوء المعاملة الظاهر، كالضرب أو التقصير بتوفير الحقوق الرئيسة، وإنما يتعداه ليشمل الإساءة النفسية، أو وجود أجواء غير مناسبة لنشأة الأطفال، كالنزاعات والشجارات المستمرة التي تحصل بين الأزواج، والتي تؤثر حتمًا على الأطفال ووعيهم”.

أوضح محمد أمين أيضًا أن “هذا الإجراء لا يُتّخذ بشكل تعسفي ومباشر، بل يوضع الأهل بصورةِ ما يمكن أن يحدث، إذا استمر الوضع (غير المناسب) للأطفال، كما هو عليه، وتُوجّه لهم نصائح وتحذيرات عدّة قبل التنفيذ، ويُعدّ هذا الإجراء أمرًا جيدًا وفرصة أمام الأهل للتعديل والتقويم”.

يُوضع الأطفال المسحوبون من أهلهم عادةً في مكان مناسب، يوفر لهم شرط المنشأ السليم (أسرة أخرى، أو جهات تعمل برعاية الأطفال) كما يحقّ للأهل رؤيتهم وزيارتهم بشكلٍ دوري، ويحق لهم أيضًا الاعتراض على الحكم، ومن ثمّ من الممكن إعادة الطفل إلى ذويه؛ إذا أثبت القضاء أن شروط سحب الحضانة غير مستوفاة.

في هذا الموضوع، قالت المختصة الاجتماعية باسمة دواليبي، وهي مقيمة في هولندا، لـ (جيرون): “إن ظاهرة سحب حضانة الأطفال ليست منتشرة بكثرة داخل الأوساط السورية في أوروبا، وهي لا تتعدى الحالات الفردية الخاصة التي يثبت فيها تعرّض الطفل لأذى جسدي أو نفسي، ويُعطى الأهل فرصة للتعديل والتقويم، وفي المرحلة الأخيرة، تُسحب الحضانة من الأهل، بعد إثباتهم عدم كفايتهم وجدارتهم لأبنائهم”.

وأضافت موضحةً: “حصلتْ حادثة سحب حضانة طفل من أمه في هولندا، وكانت الأم صغيرة جدًا (لا يتجاوز عمرها 20 عامًا)، وتتعامل مع ابنها بقسوة مفرطة، ولا تهتم به وبشؤونه اليومية”، مشيرةً إلى أن “المجتمع السوري يألف العنف والضرب في التعامل مع الطفل، وهذا غير مسموح البتة في العرف الأوروبي، حيث إن الطفل في هذه المجتمعات يحظى باحترام واهتمام من كل الفئات”.

في سياق آخر، لفتت باسمة إلى أن كل ما يُشاع حول رغبة الأوربيين في سحب الأطفال اللاجئين العرب من أهلهم وذويهم، لتبنيهم ودمجهم في تركيبتهم السكانية ولزيادة أعدادهم على اعتبار أنهم يواجهون نقصًا في التعداد البشري، هو تصوّر خاطئ ومغرض، ولفتت إلى أن الحريات المُعطاة للطفل السوري في هذه البلدان، من الممكن أن تؤثر على طرق تعاطيه مع أبويه، وهو ما يمكن أن يسوق إلى مزيد من العنف، وقالت في هذا الصدد: “تضع طرق التربية والتنشئة في المدارس الأوروبية الأهالي السوريين في مأزق؛ حيث يتعلم الطفل أمورًا محظورة في مجتمعاتنا العربية، ومحاولة الطفل تطبيق هذه الأمور أو تبنيها والدفاع عنها داخل أسرته، تؤدي إلى تعنيفه من قبل والديه اللذين يصعب عليهم تقبّل الواقع الجديد”.

أكدت أيضًا في هذا الجانب أن المراهقين أكثر عرضة للاصطدام مع ذويهم، وتحدث حالات عديدة، تفصل الجهات المسؤولة الأبناء المراهقين عن ذويهم بشكل تام، بعد إبداء الأخيرين رغبتهم في الاستقلال، كما حدثت بعض الحالات التي عاد فيها لاجئون إلى بلادهم أو بلاد عربية أخرى، بعد أن خاضوا أصعب الطرق للوصول إلى أوروبا، لعدم قدرتهم على الاندماج.

وأضافت: “لا شك أن السوريين يجدون صعوبة في الاندماج واحترام القانون، لكن سحب الحضانة من الأهل ليس دائمًا الخيار الأفضل، المطلوب هو توعية الأهل، وإعطاؤهم فرصة للتناغم مع المحيط واكتساب الجيّد منه، وهذا يتطلّب وقتًا”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضاً

إغلاق
إغلاق