تحقيقات وتقارير سياسية

المعارضون العلويون

 

أعلم أن العنوان غير دقيق، وأنه يثير اللبس، وأن الكثير من المعارضين المحسوبين على الطائفة العلوية لا يقبلون تصنيفهم، حسب المذهب الذي وجدوا أنفسهم ينتمون إليه بالولادة، من دون أخذ رأيهم، وأن خيارات معظمهم الفكرية والسياسية لا علاقة لها بقصة المذهب والاصطفاف على أساسه، وإن كانت الموروثات، والبيئة، والتأثيرات المذهبية لها صلة بمواقف العديد، وتلعب دورًا مهمًا باطنيًا في هذا الذي يمكن اعتباره وسطًا عامًا، يشمل الأغلبية، وقد أسهم بدرجات محسوسة في موضعات مواقف المعارضة المحسوبة على الطائفة.

من جهة مقابلة، فقد طفت على سطح الثورة جميع النزعات والظواهر التي يمكن تصنيفها على أنها ما قبل وطنية، ومنها الدينية والمذهبية والقومية والعشائرية وما هو دونها، وانطلقت التصنيفات المذهبية الجمعية، ولو جبريًا، من دون قبول من المعنيين، فغالبًا ما بات يقترن الشخص بالمذهب أو الدين، ولو لم يقبل، ويُقال: فلان علَوي، أو درزي، أو إسماعيلي، أو مسيحي.. ولو أنه أمضى عمره في صفوف المعارضة، ضمن أحزاب وتشكيلات لا علاقة لها بالدين والمذهب.. ولعل هذا الواقع أسهم، إلى جانب غيره، في حدوث ضمور معارض من أبناء الطائفة، وتراجع مواقف الكثير عمّا كان في بداية الثورة، والتحاق أعداد كبيرة بالكتلة الصامتة، أو الوسطية، أو الأقرب من النظام إلى درجة أن هؤلاء باتوا نادرين في هيئات المعارضة.

عبر عقود عمر النظام، كانت نسبة المعارضين المحسوبين على الطائفة العلوية كبيرة، بدأت بالبعثيين الذين غدر بهم الأسد بانقلابه العسكري، وعلى أعلى المستويات، حين اعتقل أعضاء القيادتين القومية والقطرية، وكان اللواء صلاح جديد على رأسهم، وقد تمّ اغتياله في السجن بطريقة خبيثة، بعد اعتقالٍ نحو عقدين، كما أن مئات القيادات والإطارات البعثية قضت سنوات طويلة في السجون، وهي التي عرفت بـ “البعثيين الديمقراطيين”، إلى جانب المئات من التنظيمات اليسارية، بخاصة في “حزب العمل الشيوعي”، ومن أحزاب يسارية وقومية أخرى كـ “حزب الشعب”، و”البعث القومي”. وبعض التشكيلات الماركسية.

الطابع السياسي-الفكري هو الذي كان غالبًا على غيره، وعلى الرغم من وجود بعض الظواهر المَرضية حتى بين المعتقلين، لكنّ التقسيمات، على أساس الدين والمذهب، لم تكن موجودة، وإن حاول النظام اللعب بها لإحداث انقسامات داخل المعتقل بين أبناء التنظيم الواحد، وقد نجح في حالات قليلة، بخاصة في سنوات المجابهة مع “الحركة الدينية”، وأطروحاته عن الخندق الواحد ضد “الظلامية”، أو “العدو المشترك”!

لقد كتبت مرارًا عن مؤثرات الأقلوية في الفكر والمواقف، وهي حقيقة، وتجد تعبيراتها الواضحة في المنعطفات الحادة، ففي داخل تركيبة الوعي عوامل البيئة والتربية، وجملة مؤثرات متفاوتة القوة بين مذهب وآخر، وسنجدها أقوى في عموم الطائفة العلوية، ارتباطًا بما يعرف بـ “المظلومية التاريخية” حقيقة ومبالغة وتوظيفًا، والنسبة العددية إلى مجموع سكان سورية، ووجودهم الكثيف والثقيل في الحكم، منذ انقلاب 8 آذار/ مارس 1963، ثم طغيان هذا الوجود بفعل الانقلاب الأسدي الذي موضع الطائفية نهجًا واستنادًا، ودفع بها سبيلًا لتفتيت المجتمع السوري، وخلق صراعات عمودية فيه، تديم بقاء الحكم إلى أطول مدة ممكنة.

عبر هذه التركيبة، نجد في سطح البعض، أو قيعانهم، حتى لدى اليساريين والعلمانيين، خوفًا من الآخر الأكثري، ونوعًا من الفوبيا الإسلامية، ناهيك على أن الموقع الطبيعي لخيارات أغلبية من يتعاطى المعارضة هو اليسار والقومي والعلماني، وليس الإسلامي الذي لا يجد هؤلاء مكانًا لهم فيه.

في بدايات الثورة، شارك عدد كبير من المعارضين “العلويين” فيها، والتحق بها عدد كبير من النساء والرجال غير المسيسين الذين وجدوا فيها طريقًا للحرية والمساواة والاندماج مع الآخرين، وخلاصًا من الاستبداد، ومن تجيير الطائفة برمتها لصالح النظام وتحميلها مسؤولية جرائمه وقذاراته.

غير أن هذه الصورة أخذت بالتغيير إلى درجة الندرة، وقد أسهمت فيها مجموعة عوامل يعود أساسها إلى ما لحق الثورة من تشوّهات، كانت تلك الأسلمة المتشددة وما أنتجت، والعسكرة وكيف تحوّلت عاملًا مهمًا فيها، إلى جانب إهمال هيئات المعارضة لخصوصية هذه الحالة والتعاطي معها بجدّية بعيدة عن استخدام بعض الأسماء كواجهة، أو كاستجابة للضغوط الدولية التي كانت تُطالب بـ “تمثيل الأقليات”، بخاصة من الطائفة العلوية، وضرورة تصديرهم في المشهد الاستعراضي، من دون أن يترافق ذلك مع خطاب متوازن يردّ على خطاب التشدد، ويتجه إلى جميع السوريين، بمن فيهم الطائفة العلوية، كمواطنين متساوي الحقوق في الدولة المدنية الديمقراطية المنشودة، ويعزز الثقة بوحدة المجتمع السوري المافوق طائفي وعرقي، ويقطع الطريق على التلوثات التي أصابت الثورة، وجرّت إليها أعدادًا من المحسوبين عليها، الذين وقعوا في شراك النظام والمشروع الإيراني، بتحويل الثورة إلى صراع مذهبي، ومن ثم إطلاق أحكام بالجملة على جميع “العلويين”، كمجرمين ومناصرين للنظام، ناهيكم عن الشكّ المغلف والظاهر بمواقف المعارضين العلويين، وترصّد أي خطوة لإصدار أحكام ظالمة ضدهم، واتهامات بالعمالة، وغير ذلك.

لكن، إلى جانب هذه المفاعلات، هناك عوامل داخلية، وذاتية كان لها دورها في ذلك الانحسار الذي حدث، والذي يعود إلى جوهر التركيبة الأقلوية ومنسوب الخوف فيها، وحين جنحت الثورة نحو الأسلمة؛ جاءت المقارنات بين هذه الظاهرة وبين النظام، فوجد كثير المعارضين من الطائفة العلوية أن لا مكان لهم في تلك الثورة التي انتموا إليها أو التحقوا بها، أو عقدوا الآمال عليها في تخليصهم من نظام الأحادية والاستبداد، وفي إقامة النظام المدني، التعددي، الديمقراطي؛ فابتعد العديد عن مناصرة الثورة، أو العمل في هيئاتها القائمة، واقترب البعض من مناخات النظام وترجيحه على المقابل: الثورة. بينما اختار قسم مهم موقفًا وسطيًا، او إصلاحيًا، أو الدعوة للمصالحة مع النظام.

هنا، بغض النظر عن كل العوامل والمؤثرات التي دفعت هؤلاء إلى الانفضاض، أو الحيادية، أو اليأس، فإن من واجب الثورة، ومسؤوليتها، باعتبارها الأب والأم للشعب السوري بمختلف فئاته وتوزعاته، أن تتجه بخطاب موجّه للطائفة برمتها، يقوم على تفهّم واقع التركيبة ومؤثرات مواقفها، وأن تدرس هذه الوضعية بجدّية، بحثًا عن الوسائل التي تعيد الثقة والاطمئنان، وأن تجد الصيغ العملية للحوار معهم، وإقامة شبكة علاقات للتواصل والتفاعل معهم، بعيدًا عن الواجهية والاستخدام الاستعراضي.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق