هموم ثقافية

الخشبة التي يحملها الشعراء المشاكسون

 

كان ذلك في تسعينيات القرن الماضي، أيام كنت أعمل مدرّسًا في إحدى ثانويات مدينة طبرق الليبية، وعلى الرغم من المعاناة التي كنا نعيشها في سورية، من جراء الممارسات اللاتربوية في المدارس، وضيق ذات اليد الذي ألجأنا إلى ترك أولادنا وبيوتنا؛ فإنني كنت أرى السويداء خاصة، وسورية عامة، كما كان يرى ذلك العاشق الذي قيل له: ما بلغ من حبك لحبيبتك؟ فقال: “إني لأرى الشمسَ على حائطها أجملَ منها على حائط جارتها”.

غابت الحفر من شوارع السويداء، وغابت الوقفات لساعات طويلة في الطوابير للحصول على ربطة خبز أو عبوة زيت أو علبة محارم، وانحسرت ملاحقات الأجهزة الأمنية على كل كلمة نتفوه بها في الصف، في البيت، في الشارع، وحتى بين زوجاتنا وأولادنا، وربما بيننا وبين خالقنا.

لم يبق سوى تلك الصورة البهية التي في عيوننا، والتي كثّفها أحد الشعراء العاشقين، حينما قال له الخليفة: ماذا رأيت في فلانة حتى أغدقت عليها كل ذلك الحب؟ فقال له: يا مولاي، لو نظرتَ إليها بعيني هاتين؛ لقلتَ فيها أنت أبلغ ما قلتُ فيها أنا.

هكذا بدت السويداء في قصيدتي التي أطلقتها -آنذاك- ذات ليلة شجن، ومنها:

عصيــتُ فيـــــك نزوعَ القلب فاتقدا   فيا ســــويداءُ لا تغري بنـــا أحدا

ناشدتكِ اللهَ لا تغضي على ولهي    فإنني طيــفُ مشـتاقٍ قد ابتعدا

يلوذُ بالصبرِ إن هبّـــت شـــــآميةً     وينتحي جانب الشـطآنِ مبتردا

لا البحرُ يطفئُ منهُ حرَّ مهجتهِ     ولا المواعدُ تجزي العينَ ما وعدا

فيا سويداءُ كفي عن معاقبتي      أما كفاني ضياعُ الأصغرينِ سدى

ما بينَ قلبي وإيماني وأمنيتي       تواصلَ الســـعيُ وازددنا معًا عقدا

فمـــا لعينيَّ تمتـــدانِ في أرقٍ       وما لقلبي على العنقودِ قد سجدا

أكلما شــدّنا شـــوقٌ إلى جبلٍ        شــــددتِ أنتِ على أعناقِنا مسدا!

يومها حملت قصيدتي هذه إلى المدرسة، وقرأتها على زملائي في قاعة المدرسين. وكانوا جوقة من الأحباء، ما بين مصريين وسودانيين وتونسيين وفلسطينيين؛ فلاقت القصيدة هوى لدى كل منهم، لأنها عزفت على الوتر نفسه الذي كانت قلوبهم تعزف عليه، فكل واحد منهم قد احتقب وطنه، ورفع يده بتلويحة وداع، فيما غاب في لجة من الدموع، إلا زميلًا وقف يقول لي: قصيدتك جميلة، ولكن بالله عليك! هل رأيت بزمانك شاعرًا اغتنى من وراء هذا الكلام؟

ورأيتني حينئذٍ ابدأ مرافعتي عن جميع الشعراء الشرفاء، حينما قلت له: صدقتَ يا صديقي، فالشعراء الذي يحترمون كلمتهم يعيشون حياتهم في ضنك من العيش، وإضافة إلى فقرهم المدقع، تلاحقهم مقصات الرقباء حتى تأتي على كل أفكارهم الجميلة، حتى إذا شردت فكرة مشاكسة عن مقص الرقيب؛ تحولت القصيدة إلى مصيبة، وكأن الشاعر يحمل عندئذٍ صحيفة المتلمس.

بيد أن ثمة شعراء ممن يحالفهم الحظ قد ابتنوا قصورًا من وراء قصائدهم التي دبّجوها، في أمجاد بني سلطان ومآثرهم. فهموم بني سلطان تفوق لديهم جراح الرعية، كأنما لا زيد ينوح ولا عمرو، في تلك الممالك الحصينة التي ارتفعت فوق جماجم البشر، أولئك الشعراء الذين يجعلون القصيدة صالحة لكل زمان ومكان. فإذا ما حدث تبدل في العائلة السلطانية تبدّل التاريخ في القصيدة فقط، وبقيت كاف الخطاب كفيلةً بإقناع السلطان الجديد أنه:

هو البحرُ من أي النواحي أتيتَه    فلجتُهُ المعروفُ والجودُ ساحلُه

تعوّدَ بســـطَ الكــفِّ حتى لــوَ انّهُ    ثنـــاها لقبضٍ لم تطعـــهُ أنــاملُه

أولئك الذين يعيشون على موائد السلاطين، ويعتقدون أنهم حققوا بذلك سعادة الدنيا والآخرة، من دون أن يدركوا أن الواحد منهم يستطيع أن يستأجر سيارة أو طيارة، وربما مركبة فضائية، ليصل إلى حبيبه؛ لكنه لا يستطيع أن يستأجر فمًا ليقبّلها.

مقالات ذات صلة

إغلاق