مقالات الرأي

النخب الروسية والثورة السورية

منذ أن اندلعت ثورات الربيع العربي في نهاية 2010، في تونس بداية، ثم انتقلت سريعًا إلى مصر؛ أعلنت موسكو الرسمية، على لسان وزير خارجيتها سيرغي لافروف، أنها لا ترحب بالثورات العربية. وكان ذلك موقفًا استراتيجيًا روسيًا استمر حتى اليوم.

نُذكّر بموقف المستشرق المخضرم ورجل الدولة الروسي المعروف يفغيني بريماكوف الذي قال في بداية الثورات: “لقد ظننا أن الثورات الاجتماعية ضد الأنظمة الاستبدادية باتت من الماضي، ولم نأخذ في الحسبان التطورات التي جرت في العالم، مثل تطور الإنترنت ووسائل الاتصال الحديثة”. ودافع عن الثورة المصرية، ونفى عنها شبهة ارتباطها بالولايات المتحدة الأميركية. وأشار بريماكوف إلى وجود أسباب سياسية واقتصادية واجتماعية داخلية وأضاف أن من المضحك أن نعتبر الثورات نتيجة مؤامرة خارجية. ولكن مع الحراك السوري؛ بدأ بريماكوف بالتنظير حول ضرورة التمييز، بين ثورتي تونس ومصر السلميتين، وما جرى في ليبيا ويجري في سورية من انتفاضات أخذت طابعًا مسلحًا.

كانت نتاجات المستشرقين الروس ضعيفة وفقيرة، في مجالات تحليل ما يجري في المنطقة، باستثناء كتابٍ أصدره نخبة من المستشرقين الروس في 2012، بعنوان (الشرق الأوسط.. اليقظة العربية وروسيا: ماذا بعد؟) أشرفت عليه أكاديمية العلوم الروسية. وللأسف، لم تتكرر هذه التجربة وإنما اقتصروا على نشر مقالات تدور كلها في فلك السياسة الرسمية.  واحتوى الكتاب على مقالات وبحوث لعدد من المختصين في العالم العربي والشرق الأوسط، ومنهم الدبلوماسيين والمستعربون.

ويبدو أن معظم الآراء لم تخرج عن الإطار الذي رسمه بريماكوف شيخ المستعربين وأكبر العارفين بالشرق الأوسط. ويقال إنه حضر تظاهرات 1976 في مصر في ميدان التحرير، يوم خرجت الجماهير المصرية تطالب بعودة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر عن قرار الاستقالة بعد هزيمة حزيران. وهناك من يذكر في بحثه أن الخمسينيات شهدت نهوضًا قوميًا عربيًا، أدى إلى انقلابات وثورات في مصر وسورية والعراق وغيرها.

يشير بعض الباحثين إلى أن الأسباب العميقة للثورات العربية هي وجود أنظمة شمولية حرمت المواطنين من الحقوق السياسية والاجتماعية، وحرمت الشباب المثقف من أي آفاق لبناء حياتهم بشكل لائق؛ فوصلت هذي البلدان إلى حالة متأزمة، فهناك أنظمة تدعي “الوطنية والتقدمية”، ولكنها تمارس القمع والاضطهاد بحق شعبها، حتى إنها مارست العنف المتوحش للدفاع عن سلطتها، ناسية الشعارات الطبقية والوطنية البراقة.

يذكر الكتاب أهمَّ العوامل التي استخدمت في تعبئة الناس للثورة وهي: المسجد وبخاصة بعد صلاة الجمعة. والقنوات التلفزيونية، وفي مقدمتها قناة (الجزيرة) القطرية، لما لعبته من دور في فتح ملفات وحوارات تفضح بعض الأنظمة والحكام. ومن أهم الأسباب التي أدت أيضًا إلى انتشار الثورات، الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، التي جعلت كل شيء مكشوفًا للعالم. ويلاحظ مؤلفو الكتاب بروز عامل “الشارع العربي”، لكي يؤدي دورًا حاسمًا في حياة المجتمعات، بعد أن كان في سبات عميق طوال عقود خلت.

لكن الملاحظ -كما يرى الباحثون في هذا الكتاب- أن الحراك الجماهيري الذي سبق الربيع العربي كانت تقوده حركات قومية أُطلق على بعضها “ثورية”، والأخرى “ديمقراطية” أو “اشتراكية”، مثل الحركات الناصرية والبعثية والشيوعية التي هيمنت على الأنظمة العربية حتى عام 2011.

لكن الربيع العربي فتح عصرًا جديدًا في المجتمعات العربية، وهو أن مفهوم العروبة (القومي العلماني) أخذ مسحة إسلامية، بعد أن فشلت أنظمة القومية العربية العلمانية في تحقيق تقدم حقيقي في بلدانها. فلا هي حققت الوحدة ولا الحرية ولا الاشتراكية، بل العكس هو الصحيح.

ولكن الباحثين الروس، بالنتيجة، يلتزمون بالرؤية الرسمية الروسية، فيرون أنّ محور المقاومة الموجه ضد السياسة الأميركية والغربية و”إسرائيل”، وبخاصة بعد احتلال العراق، لعب دورًا في دعم نظام الأسد. علمًا أن ثورات الربيع العربي -كما يشير الباحثون- كان هدفها الأساس هو تغيير الأنظمة المتعفنة القائمة على حكم العائلة أو الطائفة أو القبيلة، والتي استمرت في الحكم عدة عقود. وبشكل عام، كان دور الجيش في بلدان الربيع العربي مختلفًا، وكانت أبشع صوره في سورية، حيث ظهر الجيش كأداة قمعية، لحماية مصالح السلطة. وفي ليبيا أثبتت الأحداث عدم وجود جيش وطني، وإنما ميليشيات تابعة لأبناء القذافي.

يشير الباحثون الروس إلى أن التدخل الغربي في ليبيا، بالاستناد إلى القرار 1973 لمجلس الأمن، أعطى نتائج أرعبت الروس، وهي القضاء الفيزيائي على القذافي وظهور ميليشيات إسلامية متطرفة ذات خلفيات قبلية مختلفة؛ ما أشعل حربًا أهلية طاحنة. والأهم بالنسبة إلى الروس هو تضرر مصالحها الاقتصادية وصفقات الأسلحة الضخمة مع نظام القذافي. وقد سبقت حوادث ليبيا وضررها على روسيا أحداث العراق وأفغانستان ويوغسلافيا، حيث عجزت القيادات الروسية حينذاك على فعل شيء، وعن الدفاع عن المصالح الخاصة لروسيا.

يتعامل الباحثون الروس مع الأحداث في سورية من جانب واحد؛ فهم يشيرون إلى التدخل الأجنبي، والدعم بالسلاح والمال للمقاتلين، من الجيش الحر ومن المتطرفين الإسلاميين، ولا يرون التدخل السافر لإيران و”حزب الله” والميليشيات الشيعية، ويعللونه بأنه جاء بطلب من حكومة شرعية.

نلاحظ أن ما يتحدث عنه بعض الباحثين الروس في مقالاتهم لا يجد صدًى له في السياسة الرسمية. وعلى ما يبدو فالتحليلات التي قدّمها الخبراء الموثوقون لدى الكرملين هي التي شجعت ما نراه اليوم من تدخل روسي سافر في سورية، دفاعًا عن مصالح روسيا الاقتصادية والجيوسياسية، ودرءًا لمخاطر “الإسلام السياسي” بشقه المتطرف.

فحتى الرئيس الروسي أعلن مرارًا أن روسيا لا يمكن أن تقف مكتوفة الأيدي، أمام موجة الإسلام المتطرف الذي يتجه نحو آسيا الوسطى والقوقاز. واعتبر بعض المفكرين مثل ألكسندر دوغين صاحب نظرية (الأوراسيا الروسية وتعدد الأقطاب) التي يؤيدها بوتين، أن “معركة دمشق هي معركة موسكو، ويجب أن ننتصر هناك؛ لأن معركتنا ضد هيمنة القطب الواحد”.

بالرغم من الآراء الموضوعية لدى بعض الباحثين الروس؛ فإن هناك مستشرقين وخبراء في الشرق الأوسط أظهروا تعاملًا سطحيًا دعائيًا مع الأحداث في المنطقة، وتحولوا إلى أبواق للدفاع عن سياسات الأنظمة الشمولية، مستخدمين أدوات فكرية وصحفية ضحلة، يندى لها الجبين. ففي إحدى الندوات قال مستعرب روسي، يحظى بتقدير في روسيا، إن معلوماته حول سورية يستقيها من الصحف السورية الرسمية! فتصوروا باحثًا علميًا يعتمد على أكاذيب الإعلام الرسمي السوري، ليثبت مقولات هي أكاذيب النظام. فلا يمكن النقاش معه ولا يمكن إقناعه بأي حقيقة، لأنه مسبقًا اتخذ موقفًا متعصبًا، فهو يصدق كل شيء يصدر عن الإعلام الأسدي، ويشكك بصحة أي شيء تقوله المصادر الأخرى التي تنتقد جرائم الأسد.

يخيل إليّ أن معظم الباحثين والخبراء الروس يتلقون توجيهات مدروسة مسبقًا لنشرها حول الوضع في سورية، من دون أي اعتبار لحقيقة ما يجري هناك. ففي إحدى المشاركات التلفزيونية، قال لي شخص يدّعي أنه خبير في الشرق الأوسط، وتبين أنه يعمل لحساب المخابرات الروسية تحت اسم وكالة أنباء (أنا) المسجلة في أبخازيا!!، قال لي إنه يعرف سورية أكثر مني، لأنه يزور سورية كل شهر، بينما أنا لم أرَ سورية منذ سنتين (كان ذلك عام 2012).

النخب السياسية اليسارية والشيوعية وقفت أيضًا إلى جانب السياسة الخارجية الروسية، بحجة أن ما يحدث في سورية هو صراع مع الإمبريالية والصهيونية والتنظيمات الإرهابية. أما النخب الليبرالية التي انتقدت سياسة موسكو تجاه أوكرانيا، فإنها لم تؤيد الثورة السورية بوضوح، والسبب يعود إلى أمرين: الأول أن تأييدهم للثورة السورية يتناقض مع مصلحة (إسرائيل)، والثاني هو أن الدعاية الروسية والغربية تقول إن الثورة السورية هي ثورة إسلامية، ويتهمونها بالتطرف إلى درجة أن البعض يدمج (داعش)، وجبهة النصرة (القاعدة) في المعارضة السورية.

في كل الأحوال، إن الأنظمة الشمولية لا يمكن أن تدعم الحراك الشعبي الحقيقي، لأنه يتناقض مع بنيتها السلطوية، ولهذا السبب فإن النظام السوري لا يمكنه أن يحقق إصلاحات، لأنها تشكل خطرًا على وجوده، ولذلك اتجه نحو الحل العسكري، وهو الطريق الوحيد أمامه للحفاظ على سلطته. ونحن نفهم لماذا دعم الروس الأسد، لكننا لا نفهم الموقف الغربي من الثورة السورية الطامحة للحرية والديمقراطية، في وقتٍ يدّعون فيه أنهم يناصرون الديمقراطية، ويتشدقون بالقيم الإنسانية ومفاهيم الحرية.

مقالات ذات صلة

إغلاق