مقالات الرأي

أعوام وأعياد تحت خط الفقر

 

يشارف العام على رحيله الآمن، في بلدٍ صار من أقل بلدان العالم أمنًا وأكثرها سفكًا للدماء، وسط صمت العالم الذي يبارك حضور عام إضافي لمسيرته المعنونة بأشكال أكثر تنوّعًا من الاضطهاد والإذلال للشعوب المقهورة والمرمية تحت خط فقرها المستدام.

هذا العام كغيره من سنوات الحرب، لن يكون رحيله افتتاحًا لموكب نهاية أزمات السوريين، فالأعوام لا تقدّم وعودها بحلّ الأزمات لأحد، والأمنيات أثبتت على الدوام فشلها في الخلاص من المشكلات العالقة والمتجسّدة، أما سُبّحة الدعاء، فإن فعلها في تسكين الألم لم يلغِ يومًا ألمًا، والمنجمّون “الكاذبون وإن صدقوا” أضاعوا النجوم والكواكب التي تعفّرت بغبار معارك السوريين معًا، وحروب الآخرين عليهم.

إنها الحرب، وفي الحرب لا تُحصى الأعوام إلا كمعادل لإحصاء الخسائر في الأرواح والإصابات وحجم الدمار، لكن إحصاء جرائم الحرب بكلّ كارثيتها، منذ سبع سنوات حتى اليوم، لم يتم، فهذا الملف الأخطر والأكثر تعقيدًا هو مجرد إجراء مؤجّل لتحقيق العدالة، هكذا تراه الإدراة السياسية الدولية -لم لا- فحالة الخذلان الإنساني والتواطؤ الجمعي على تسهيل تدمير سورية بكاملها وتفتيتها وتشريد شعبها، كانت واضحة مذ جرى تحويلها إلى مِكبّ للجهاديين ومرتزقة الطوائف والأديان في العالم، واستخدام شعبها وقودًا لكل الحروب المذهبية والقومية والحروب المقامة، لاسترجاع أحلام إمبراطوريات زائلة، ثم تحويلها إلى مسرح لاستعراض القوى العسكرية، وترتيب مصالح الدول الاقتصادية والسياسية والعسكرية التي شكّلت أبرز عناوين هذه الحرب، وأهم قواعد بناء وهم السلم تحت اسم التسوية. أرادوها دروسًا قاسية لكل الشعوب التي يمكنها أن تغضب وتنتفض، أولها إما الاستبداد أو الفوضى والإرهاب، وآخرها أن مصيرها لا يقرره شعبها، فمصير الشعوب المصنّفة بدول العالم الثالث لا تقرّره الشعوب نفسها، بل حكامها، أو بالأصح مافيات العالم الحاكمة التي تُحرِّك الحكام، غير عابئة بالدماء، فدم هذه الشعوب رخيص في بورصات السياسات الكبرى التي لا تنصر شعوبًا لا تملك قرارها.

ولأنه عيد الميلاد السابع عشر بعد الألفين، والسابع منذ افتتاح الحرب التي غيّرت الكثير، وصبغت الذاكرة السورية بشتى ألوان القهر والذل، وجعلت من الأعياد أشباح ماض تطوف على مهل، ولا تجد لها متسعًا للتوقف وإضفاء بعض البهجة حتى على وجوه أطفال فقدوا طعم الأعياد، طعم الحياة وطعم الوجود، ومنهم من لم يعرف غير الحرب وعنفها ولم يعِ سوى حالة التشرد واستجداء كسرات خبز أو بعض دفء على الأرصفة الباردة في الداخل وفي مخيمات اللجوء، وهؤلاء بكل تأكيد لم يسمعوا بـحكاية الميلاد وطفل المغارة، ولم يسمعوا بـ “بابا نويل -سانتا كلوز” ذلك العجوز السعيد الذي يوزع الهدايا، ولم يسمعوا ضحكته وجرسه الرنان، فما سمعوه هو طلقات مدافع ونواح يعمّ الأرجاء، ولم يحتضنوا يومًا هدية تفرحهم، فهدايا العالم لم تكن سوى دمار وسلاح لقتلهم مع أحلامهم الصغيرة التي احتضنوها بأيديهم المرتجفة، واتكؤوا على حافة قلق العالم من ظروفهم اللاإنسانية وحرمانهم من أبسط حقوقهم في الحياة والتعليم والصحة والهوية والعيش بأمان، لكنهم بعجزهم أهدوا العالم القلق لأجل سورية وأطفالها مادةً إعلامية وإعلانية، تستجرّ الدموع لتنظيف حرقة العيون الجافة، وما عادوا ينتظرون هدايا العالم القاتلة أو هدايا “بابا نويل” المحببة، فقد أدركوا على الرغم من سنّهم الصغير أن هديتهم الحقيقية بمستقبل أفضل، عليهم استعادتها من أيدي “الأربعين حرامي” بل أكثر، وأن كلّ “الحكايات القديمة” لن تنفعهم.

الاحتفاء برحيل عام أو بعيد ميلاد، أو بغير ذلك من أعياد السوريين، صار مزحة ثقيلة في زمن الحرب، ففرح العيد لا فرح فيه، خصوصًا لمن اصطادهم الفقر المدقع، وقد وصلت نسبتهم إلى 67 بالمئة من السوريين، بعد أن فقد نحو 13 مليونًا وظائفهم، في القطاعين العام والخاص، وحتى لو لم يفقدوها، فهم قابعون تحت خط الفقر، إذ تبلغ تكلفة معيشة الأسرة السورية، بالحد الأدنى 150 ألف ليرة سورية، في حين لا يزيد الدخل عن 40 ألف ليرة، بحسب اعتراف المنظمات السورية، أي أن الفتات الذي يحصلون عليه لا يكفي لسدّ الرمق أو يغني عن حاجة، وهؤلاء لا ينتظرون عيدًا صار سيل ذكريات متذبذبة مشوشة، شوهها الانتظار لأيام أفضل، يتجاوزون فيها خط الفقر الواسع والمتمدد. فخط الفقر لا يقف عند حدود انخفاض الدخل والشحّ المادي؛ إنه يلتهم الخيارات، يطال حياتنا بأكملها، يحوّل القاصرات إلى ضحايا بيع بالتراضي، والأطفالَ إلى مجنّدين في كتائب الموت لكافة الجبهات، أو ضائعين يعيشون آثار الحرب الجسدية والنفسية التي أسماها الأطباء “متلازمة الدمار البشري”، يحوّل الجميع إلى عبيد الحاجة إلى أولويات العيش وسبله، في بلدٍ أُسقط أهله عمدًا بفخ الفقر على كافة المستويات؛ ليبقوا فقراء في الثقافة وابتداع الحلول، فقراء بالتعايش والهوية الوطنية الجامعة، فقراء بالسياسة والمعارضة وتحديد المطالب والأولويات على الأرض وفي المؤتمرات، هذا الفقر المستمر والمتضاعف سيلاحق الجميع، إن لم ينتزعوا بإيديهم خطوطه القاسية ويعيدوا البناء.

سبع سنوات تشابهت فيها الأعياد، وتحوّلت تحت وطأة الحرب إلى أطياف أعياد، فلتعذرنا الأشجار، إن لم نزينها، وإن أشعلناها لنحصل على بعض الدفء، وتشابهت فيها نهاية الأعوام البائسة بحمل الأمنيات بعام قادم أجمل، وتشابهت فيها قسوة المآسي، لكنها بالرغم من مراراتها علّمت السوريين أن صنع مستقبلهم لن يكون بأيدي غيرهم، ولا باستجداء هدايا الآخرين ومنّتهم، فسورية بعمقها التاريخي والحضاري لم تصبح مجرد ذاكرة قديمة، ولا يمكن التعامل معها كدويلات طائفية وعرقية وعشائرية، أو مناطق نفوذ بإدارات دولية، ما زال مستقبلها ملك السوريين وأجيالهم، فالشعوب لا تفنى بالقرارات الدولية عسكرية أو سياسية، إنما تستمر في الدفاع عن وجودها لتستعيد مستقبلها من أيدي السارقين.

مقالات ذات صلة

إغلاق