مقالات الرأي

الاغتصاب

 

أثار الفيلم الوثائقي (الصرخة المكتومة) حنقَ وغضب واشمئزاز المشاهد، بوصفه إنسانًا طبيعيًا، كما خلق شعورًا بالقهر لدى السوري المنتمي حقًا إلى الوطن، وإلى الثقافة السورية الممجدة للحياة والحب والكرامة.

كانت شهادة النساء السوريات المغتصبات المتمتعات بالعزة والكبرياء والكرامة والقوة والشجاعة -بالرغم من صوت القهر الذي يخترق وجدان المشاهد- وصمةَ عارٍ مطلقة في جبين تلك الكائنات التي فقدت حسها الإنساني والوطني، واستقوت على نساء الوطن المعتقلات والعاجزات عن حماية أنفسهن من هذه الضباع التي تربت في حظائر المستبد.

كيف تأتى أن وصل الأمر بسوري أن يغتصب سورية، لأسباب سياسية وطائفية؟ هو ذَا السؤال الأهم.

الاغتصاب بالأصل هو الاستيلاء على حق الغير بالقوة وعنوةً، من اغتصاب السلطة، إلى اغتصاب المال والثروة، مرورًا باغتصاب المرأة أو الرجل.

في الحال التي تحدثت عنها السوريات المغتصبات، نحن لسنا أمام اغتصاب بدافع جنسي. فالاغتصاب بدافع جنسي جريمة بلا شك، ولكن مقصده إشباع رغبة جنسية مكبوتة أو متهيجة وبالقوة. حتى الزوج الذي يُمارس الجنس مع زوجته رغمًا عنها، رغبة في إشباع دافعه الجنسي، يعدّ فعله اغتصابًا.

نحن هنا أمام اغتصاب نساء سجينات لأسباب سياسية، أو مخطوفات من الحواجز للأسباب نفسها، وجميعهن نساء ينتمين إلى جماعة السنّة، إلى معارضات للنظام، في وعي المغتصب.

من هو المغتصِب؟ من حيث التعريف المجرد، هو رجل أمن سوري أو ما شابه ذلك، يعمل في جهاز السلطة موظفًا، ويحصل على راتب. أي إنه لا يعمل مغتصبًا للنساء المعارضات للنظام. أما من حيث التعريف المتعين، فهو جزء من جماعة اغتصبَت السلطة، وتعي ذاتها على أنها مغتصبة السلطة، وتدرك أن استمرار اغتصابها للسلطة مستحيل، من دون الاستخدام الأقصى للعنف المادي والمعنوي.

وظيفة العنف هنا هي وسيلة لإنجاب الخنوع والخضوع، لدى آخر يعي أن السلطة مغتصَبة. والاغتصاب هنا هو عنف سياسي بامتياز. وطقوس الاغتصاب طقوس التعذيب السياسي، فهو تعين عملي لاغتصاب السلطة، إنه -إذ يغتصب المرأة- يغتصب الشعبَ الذي تمرد على السلطة، وتحرر من خنوعه الطويل.

خمسة يتناوبون على امرأةٍ تنزف وهي فاقدة الوعي، رغبة في الانتقام من المعنى الذي تمثله المرأة: متظاهرة، مسعفة، حاملة رسائل، متمردة. وانتقام من ذلك الرجل: أبيها، أخيها، زوجها، الذي ينطوي على الإيمان بالعلاقة بين الشرف والمرأة.

فها هو المغتصب ينتقم من الجسد من الشرف من المختلف، عبر عنفٍ ينجب له المتعة والتشفي. إنه الغلّ بالمعنى المتعارف عليه شعبيًا. المغتصب لا يفرغ غلّه في المغتصبة فقط، وإنما خوفه أيضًا، خوفه من مستقبل لا يعود معه قادرًا على أن يكون سلطة، وها هو قد حدد طبيعة ولائه وانتمائه الضيق.

القتل وسيلة انتصار على الوطن، وانتقام من الوطن، والاغتصاب إذلال للوطن وتحطيم لشرف الوطن؛ ولا يستقيم الانتماء إلى الوطن، مع ممارسة القتل لأبناء الوطن والاغتصاب لنسائه.

لقد اتخذ المغتصب، بوصفه بنية، قرارًا باستحالة العيش المشترك في حالة طبيعية، من المواطنة والعلاقات الإنسانية، استحالة العيش مع الأكثرية، ليس هناك إلا سبيل واحد للبقاء هو سبيل الاغتصاب. من اغتصاب الوطن عبر اغتصاب السلطة، واغتصاب الثروة، واغتصاب القيم.

هذه البنية النفسية التي ولدت مع اغتصاب السلطة، وتطورت حتى أصبحت ذهنية تحولت إلى بنية شعورية ولا شعورية وحالة دفاعية لا واعية تقوم على مبدأ واحد وحيد: من أجل الاحتفاظ باغتصاب السلطة، كل شيء مباح.

بالمقابل، فإن عالَم الشرف الذكوري الذي يربط بين الشرف وعفة المرأة، لا يستطيع أن يتكيف مع امرأة انتُهك شرفها، وإنْ كان هذا الانتهاك قد تمّ بفعل الاغتصاب. هذه القسوة الذكورية اللاأخلاقية تلقي بالمغتصبة في جحيمين: جحيم الاغتصاب، وجحيم النبذ الاجتماعي. صحيح أن التعاطف الواسع مع المغتصبة من قبل الناس يخفف من آلامها، لكن النبذ من الأقربين يزيد آلامها آلامًا.

وأخيرًا، يجب الاهتمام بالمغتصبات من قبل مؤسسات صحية متخصصة؛ إذ إن المغتصَبة تعاني من متلازمة “صدمة الاغتصاب”، وهي حالة مرضية نفسية خطرة. حالة من البؤس والاكتئاب والبكاء والرجفان ومظاهر مختلفة. فالفيلم الذي يفضح همجية السلطة يجب أن لا ينسينا المغتصبات، بوصفهن ذواتٍ، لهن عالمهن وأحلامهن وآمالهن وحياتهن المستقبلية.

مقالات ذات صلة

إغلاق