أدب وفنون

الكاتبة غفران طحان ما زلت أكتب حلب، وتكتبني

 

كما تأخذك أغنية (قدك المياس يا عمري) إلى حلب، تأخذك الكاتبة غفران محمد فوزي طحّان أيضًا. الفرق بين الحالتين، أن الأولى تأخذك إلى بلاط سيف الدولة، وغفران تأخذك إلى ساحة سعد الله الجابري. فهي (كحلم أبيض)، (يغفو على مطر)، تبحث عن عالم يخصها، أثقلت روحها البيوت التي هتكت الحرب سترها، فراحت تبحث لها في قصصها عن (أبواب).

– تعددت تقنيات الكتابة وأجناسها، أين تجد غفران طحّان نفسها؟

= ليس للكتابة بُعد يمكن أن أضمه أو يضمني، ولست ممن يصنفون أنفسهم تحت أيّ باب، ولكنني دومًا أجدني في القصة.. متعة الحكي التي ما زالت تلبسني مذ كانت جدتي تزرع لنا قمح الحكايا كلّ ليلة.. كنت أقلدها وأحيانًا كثيرة أصوغ الحكاية بطريقتي، فكانت تقول لي: ستكون لك حكايات خاصة يومًا!

نبوءة جدتي ظلت هاجسي، حتى صار كل ما يجري حولي يصلح لحكاية، ولأنني ابنة وقت يأكل العمر سريعًا، كانت حكاياتي قصيرة، محض قصص أبطالها خرافة وبعض خيال..

أمّا بالنسبة إلى التقنيات، فكلّ نص يفرض عليك الطريقة التي سيخطّ روحه بها، لا يمكن التخطيط في هذا المجال، وربّما أنا التي أكتب كعاشقة لم أفرض يومًا على أبطالي طريقة حضورهم، كانوا دومًا يسكنون بي، ثمّ يقودون حرفي لكتابة حيواتهم.

الكتابة بالنسبة إليّ حالة من الصداقة الحميمة، إن لم أقِم علاقة جيدة مع الفكرة، والكائن السردي ضمن النص؛ فلن يكتمل النص يومًا.

– برأيك، هل استطاع الأدب السوري المواكب للأحداث أن يرصد تفاصيل المشهد اليومي في حياة السوريين، حلب مثالًا؟

= في ظلّ مشهدٍ مأسوي، كالذي عشناه ونعيشه؛ نعجز بحق -مهما حاولنا- عن رصد الواقع، بكل ما فيه من تفاصيل؛ بل حتى عن الإحاطة بدائرته الخارجية، فما جرى ويجري أوسع من خيالنا.

ربّما نشط الأدب وتعددت مساربه وتنوعت أساليبه، وصار أعلى صوتًا، وأكثر انتماءً إلى الواقع، وربما ما أنتجته سنوات الحرب من أدبٍ يشكل علامة مميزة في الأدب السوري، ولكننا وقعنا في مصيبة الرؤى المتباينة؛ فصار المشهد الأدبي متخبطًا مأسورًا بالسياسي، بدلًا من الإنساني.. صار لكل حدث روايات..

حلب مأساة سورية الكبرى، عاشت الحرب بكل تفاصيلها، شهدت أوجع القصص الإنسانية، وتغمس رغيف أهلها بالدم. حلب التي قسمت وتقسمت، لم تأخذ حقّها من الأدب، بل كانت المثال الأوضح على تخبط المسار الأدبي الإنساني. أحيانًا، كنت أرانا قلائل نحن الذين نرى الوجع في الجهات كلّها، ونرسمه خالصًا لوجه الإنسان فقط.

– ثمة من يتسلّح بالإثارة لاستمالة القارئ، ما هو سلاحك أنت؟

= علاقتي مع القارئ علاقة تجديد ومفاجأة، لذلك كنت أسعى دومًا لتقديم ما هو مختلف ومتميز ويخصني في آن، كنت -وما زلت- أربط لغتي بي، حتى تتحول نصوصي إلى كائنات تشير إليّ، وتفتخر بي، أضف إلى ذلك أنني أكتب -كما أشرت سابقًا- بروحي، أوطد لعلاقة حميمة مع كلّ نص، لذلك كانت تظهر شخصياتي صادقة، حتى تلك الندف النثرية التي تدغدغ الدهشة في قلوب القرّاء، فإنّ أكثر ما يصلني من تعليقات عليها يتمحور حول الصدق والعفوية، ومحاكاة الأرواح بدهشة ورقة أحيانًا، وبعنف يشعل الغضب أحيانًا أخرى!

– إلى أيّ حد وظفت غفران طحّان حياتها الشخصيّة في نصوصها السرديّة؟

= ربّما كانت حياتي الشخصيّة، بالمعنى الدقيق للكلمة، بعيدة كلّ البعد عن نصوصي، ولكنني كنت الحياة الشخصيّة لكل كائن أخلقه، أحيانًا أشعر بأن فيّ ألف أنثى، كلّهن يردن أن يرفعن صوتهنّ بطريقة مغايرة للأخرى، فأعبّر عن كلّ ما يتماشى مع آرائي، وما يخالف آرائي، بنفَس سردي واحد؛ فأغدو كتلة تناقض أمامي، وأحبني كلّما نبتت لي روح أخرى تحاورني على ورق.

ولكن خلال الحرب، كانت حلب ووجعها محور كلّ نص أكتبه، باتت يومياتها جزءًا مني، تفصيلًا لا يمكن أن يغادرني، بحال من الأحوال، إلى درجةٍ بتّ أشعر فيها بأنّ روحها تتلبس بي، وتكتبني قبل أن أكتبها، فصارت حلب أخص خصوصيات حياتي الشخصيّة.

– يقال إنّ المسرح هو الخروج من البيت إلى الفضاء العام، هل عادت القصة معك إلى البيت لاقتسام المكان، واللحظة الحميمة، وما الفكرة من ذلك؟

= القصة كما قلت، هي تلك الصديقة التي تلتقيك فجأة في أيّ مكان، فتضحك لك، وتثير فيك مشاعر الألفة، تأخذك من يدك إلى بيتك، إلى غرفتك، وتجالسك مع فنجان قهوة تحكي لك ما يرسمه الخيال، ولا ترتاح منك، أو ترتاح منها، حتى تتشكل نصًا حفيًّا بتفاصيل مرت بك فأخذتك. إن استعصَت عليك؛ فقد تسرقك منك، وتنهبك من نومك، قد تتسلى بأحلامك، وقد تعطلك عن مشاعرك، هي سارقة لطيفة.

– ما سرّ العجائبي في بعض النصوص؟

= تبدو مفردة “العجائبي” كبيرة ربّما على مقاس النص الذي أكتبه، ولكنني أفاجأ بها دومًا، كتعليق أو وصف لبعض النصوص، ربّما صحا ذاك النمط كمارد من قمقم الوجع الذي نعيشه، فالعجائبي هو محاولتنا المستمرة لحياةٍ تعيش تفاصيلها مع حرب لا تهدأ!

– ما هي مشاريعك الإبداعيّة القادمة؟ هل ننتظر رواية؟

= مشاريعي الجديدة، منها ما هو قيد الطبع: (أبواب قصص وتفاصيل)، و(عزيزي يا صاحب الظلّ الطويل- رسائل ومشاهدات)، ومنها ما أعمل عليه الآن، وهي مجموعة أسعى لتقديم العجائبي فيها، بقالب يومي مغاير ومختلف..

وعلى الرغم من أنني أجدني -كما سبق أن قلت- ابنة القصة، ولكنني حاولت محاولات كثيرة في الرواية، آخرها ما أقوم بكتابته الآن، وأظنني سأرضى عنها أخيرًا، وأسمح لها بمعانقة النور.

 

غفران محمد فوزي طحّان: قاصة سورية- حلب، خريجة جامعة حلب- كلية الآداب، حاصلة على درجة الماجستير، شاركت في عدد من الملتقيات والأمسيات الأدبية، عربيًا ومحليًا، نشرت في عدد من الصحف والمجلات العربية: العربي الجديد- القدس العربي- البيان- الرافد.

صدر لها:

كحلم أبيض، قصص عن (دار تالة) دمشق، عام 2009

عالم آخر يخصني، قصص عن (دار نون 4) حلب، عام 2014

حلم يغفو على مطر، نصوص نثرية عن (دار أرواد) طرطوس، عام 2016

لها قيد النشر، (أبواب) قصص وتفاصيل. وقد شاركت في مجموعة قصصية عربية مشتركة، صدرت عن (دار بثينة) عام 2010، بعنوان (أنطولوجيا القصة القصيرة).

مقالات ذات صلة

إغلاق