ترجمات

صحيفة خبر تورك: المنتصرون في الشرق الأوسط ليسوا هم المتحاربين

إن ظهور تنظيم (داعش) -أو السماح بظهوره- على مسرح الأحداث، مع استمرار الحرب الأهلية في سورية، قد غيّر مسار الكثير من الأوضاع. ويمكن أن نحدد بكل بساطة وارتياح، مدى التعامل مع ظهور (داعش) على الساحة، بأنه كان فرصة نادرة لمن يرى أن الإسلام هو التيار السياسي الذي يجب بالضرورة مكافحته.

لقد تم استخدام واستغلال الأعمال الدموية التي ارتكبها التنظيم، في كل من الولايات المتحدة وأوروبا وروسيا، من قبل الذين أرادوا تصوير الإسلام على أنه أيديولوجية تميل إلى العنف الراديكالي، في غاية من الاحترافية. كم أن قيام الرئيس الروسي بوتين بتقديم الشكر للولايات المتحدة أمس، لمساعدتها روسيا في التصدي والحد من بعض الهجمات في بلاده، أظهر بأجلى الصور إحدى الوظائف التي لا تحصى التي يقوم بها هذا التنظيم.

بعد أن مُني تنظيم (داعش) بالهزيمة، بالتزامن مع العمل على إنهاء الصراع في سورية الآن، يتأكد دخول ليس فقط علاقة موسكو بواشنطن، وإنما دخول الكثير من التوازنات في المنطقة مرحلة جديدة. وتتصاعد يومًا بعد يوم الإشارات والدلائل التي تعدّ بجلاء كلّ أحد أو إدارة في المنطقة في المرحلة المقبلة عدوًا؛ إذا لم تنسجم أفعاله مع مصالح العقلية التي ترى بإصرار أن محاربة ومكافحة (داعش) هي بمثابة الحرب على الإسلام السياسي.

إن أوروبا التي نهشت وأكلت بعضها، طوال حروب الثلاثين عامًا التي حدثت في القرن الثامن عشر، كانت مسرحًا جديدًا للصراع بين أنصار كل من الملكية والنظام الدستوري. أوروبا هذه نفسها تحولت، بعد الحرب العالمية الثانية، إلى مركز للأزمة الكبرى بين الليبيرالية والشيوعية. ويمكننا القول إن العالم الإسلامي أيضًا بدأ يأكل بعضه منذ اليوم الذي انطلق فيه الربيع العربي، كما كانت أوروبا تأكل بعضها في الفترات الآنفة الذكر. وفي الأعوام العشر الأخيرة، نجد أنه لم تبق دولة لا في الشرق الأوسط ولا في شمال أفريقيا، بما فيها تركيا، لم تتعرض إلى انهيار سياسي (غير مسبوق) في هويتها الإسلامية. ففي بلدان كمصر وليبيا والعراق وسورية كان هذا الانهيار داميًا، إلى درجة يصعب معها إصلاحه.

من المحتمل ألا يكون طرح (داعش) في السوق، في بيئة كهذه تحت اسم “الدولة الإسلامية” مصادفة، فالتنظيم قام بأداء مهمة مفصلية بتحويله الصراع متعدد الأطراف الذي انطلق في جغرافية العالم الإسلامي، إلى نزاع ثنائي القطبين، كما حدث في التاريخ الأوروبي.

في الوقت الذي ما زالت فيه الحرب على (داعش) مستمرة، من دون صراع مع الإسلام، ومن دون الحاجة إلى التوجه إلى مسار راديكالي أو علماني أو تقليدي، بدئ بإظهار وتصوير كل التيارات السياسية التي تدّعي بإمكانية إنشاء نظام ديمقراطي، يقوم على انتخابات عادلة في العالم الإسلامي، وكأنها تيارات مناصرة للعنف والراديكالية.

إن المجموعة القائمة على رأس الإدارات الأوروبية والأميركية، والتي ترى أن الإسلام أيديولوجية سياسية محملة بالكراهية تجاه الغرب، كشفت عن وجهها الحقيقي لأول مرة بشكل سافر، عبر دعمها الكبير للانقلاب الذي حدث في مصر. أما القسم الذي ما زال يُعد في الغرب محافظًا على توازنه العقلي، أو إذا استلزم القول بعبارة أخرى: الذين يعون حقيقة أن ليس كل مسلم هو (داعش)، فإنهم -مع الأسف- وقفوا موقف الساكت والمتفرج، ولم يتمكنوا من التدخل، لمنع وصولنا إلى ما آل إليه حالنا اليوم، بعد رؤيتهم النزاعات الرعناء، ما بين إسلاميي الشرق الأوسط أنفسهم.

من حيث النتيجة، الذين يدّعون محاربة (داعش)، نجحوا مسبقًا بمد أحجار الرصيف، بعمليات غاية في الذكاء والعقلانية، تمهيدًا لإطلاق شرارة الصراع الداخلي الإسلامي الجديد، بعد القضاء على التنظيم. لذا فمن الواجب قراءة الاستقطاب الكبير الحاصل في المنطقة، من هذا المحور، وما الشجاعة على الإقدام على اتخاذ القرار التاريخي للإدارة الأميركية المتعلق بالقدس الآن إلا نتيجة لهذا الاستقطاب الذي أذكته. ومع الأسف هذا هو المشهد.

إن الحرب تجري وتدور داخل العالم الإسلامي، ولكن المنتصرين هم من خارجه، مع العلم بأن الصراعات المشابهة التي حدثت في أوروبا، كان أحد الأطراف المنتصرين في نهايتها طرفًا أوروبيًا على الأقل أيضًا، أما في الشرق الأوسط، فالذي يحدث هو العكس تمامًا، وبما أن كل الأطراف المتحاربة تخسر؛ فإن الذين يدفعونهم إلى هذه الحرب هم من يربحون!

 

عنوان المقالة الأصلي: Oradoğu’da savaşanlar kazanmıyor
اسم الكاتب: أوزجان تيكيت
المصدر وتاريخ النشر: صحيفة خبر تورك 19.12.2017
رابط المقالة: http://m.haberturk.com/yazarlar/ozcan-tikit/1760436-ortadoguda-savasanlar-kazanmiyor-amp
عدد الكلمات: 505
اسم المترجم: علي كمخ

 

Author

مقالات ذات صلة

إغلاق