مقالات الرأي

كل سورية مغتصبة

 

عندما لجأتْ ثلاث فتيات مغتصبات إلى مبنى التلفزيون، يشتكين لبرنامج (السالب والموجب) الذي كنت أُعدّه وأقدمه، روَين لي أن عناصر من “سرايا الدفاع” التي شكّلها رفعت الأسد نائب رئيس الجمهورية حينذاك، كانوا يتناوبون على اغتصابهن كلّ ليلة، أمام سمع وبصر والدهن، في منطقة دمّر القريبة من دمشق، من دون أن يجرؤ الأب على الاعتراض، لأن ذلك يعني قتله وقتلهن بصمت.

وروت لي سيدة صحافية معروفة قصةَ اغتصابها في مكتب أحد المسؤولين الكبار، وهي كانت مكلفةً بإجراء حوارٍ معه لصحيفتها، وكيف توسلت إليه أن لا يفعل، وهي تنشج: (أنا أمّ.. حرام عليك). كما روت سيدة أخرى كيف اغتصبت في مكتب ضابطٍ كبير برتبة لواء، في مبنى الأركان بشارع بيروت، يوم ذهبت لتتوسط عنده من أجل الحصول على راتب شقيقها الشهيد. من دون أن تتمكن الاثنتان من فضح المسؤولين الكبيرين، لأن دون ذلك قتلهما وتشويه سمعة عائلتيهما.

تتالت قصص اغتصاب لبنات وسيدات حدثت في كل المحافظات السورية، أبطالها جميعًا مسؤولون كبار، وضباط وعناصر في مؤسسات الجيش والأمن، بحيث ندر أن عفَّ أي من أولياء السلطة وسدنتها عن ممارسة جريمة الاغتصاب لأي فتاة أو سيدة ومن أي طائفة أو قومية، طالما ساقتها حاجتها إليهم، بل إن أي فتاة جميلة تسير في الشارع، كانت عرضة للاغتصاب، إن لم تكن مُحصّنة بمتنفذٍ قوي، يرتبط مع عائلتها بقرابة أو معرفة.

مثل هذه الجرائم كانت وما تزال تحدث، على مدار الساعة، في سجون الأسد أيضًا، وفق سياسة لقهر وإذلال كل أنثى وعائلتها، لأنها ناصرت الثورة من خلال تظاهرة، أو في حديث عابر مع زميلاتها، أو عملت في مجال إغاثة الجائعين، أو مداواة الجرحى، أو في توثيق جرائم الحرب.

لم يكن دافع الاغتصاب الجنسي في ظل حكم الأسدين مجرد وقائع معزولة، دافعها الكبت والغريزة الحيوانية، بل كان دافعه الأكبر هو قهر وإخضاع الشعب السوري، بكل مكوناته للسير في ركاب السلطة بقوة السلاح، وتحت ضغط خوفه من الفضيحة والعار، في مجتمع لا يرحم فتاة أو امرأة مغتصبة، وإن كانت بطلة الثورة وقائدتها.

لم يكن اغتصاب النساء وظيفة يومية لضباط الجيش والأمن والمسؤولين الأسديين فقط، وإنما كان بعض وظيفتهم فقط. لقد بدأ حافظ الأسد حياته السياسية باغتصاب السلطة، حين زج برفاق دربه في السجن وتركهم يموتون هناك، ولاحق من فرَّ منهم، وقتل من وصلت يده إليهم في أوروبا وفي الجوار العربي. واغتصب المساجد والكنائس وحوّل معظم مشايخها ورهبانها إلى إمّعات يدعون له في مواعظهم وصلواتهم. كما اغتصب المؤسسات المدنية، والقضائية، والرياضية، والثقافية، والعلمية، والنقابية، لتصبح مجرد هياكل كرنفالية، تُجيد رفع الصور والهتافات للزعيم الخالد.

ليس في “سوريا الأسد” من شخص حرّ على الإطلاق، الكل منتهك ومغتصب، سواء أكان فلاحًا أو عاملًا أو طالبًا أو موظفًا أو عسكريًا، أو وزيرًا أو نائبًا أو قاضيًا، وحده الرئيس القائد من يتمتع بحرية القول والفعل، وتقرير نوع الحياة الذليلة التي على شعبه أن يعيشها.

في الفيلم الوثائقي الفرنسي (صرخة مكتومة)، تُلخّص إحدى بطلات الفيلم قصة اغتصاب وطنها من خلال اغتصابها: “خُيّل إليَّ أننا عبيد.. سبايا.. وأن عهد الإماء والرق لم ينته بعد، لقد حولت الوحوش الأسدية الكاسرة الاغتصابَ إلى تكتيك حرب؛ لإخضاع الضحايا وإخضاع المجتمع كله”، وتصف مغتصبة أخرى مشاعرها، حين اعتقلت بعد مشاركتها في تظاهرة استمرت دقيقتين، وكانت يومها تستعد للزواج، وكان ثوب عرسها معلّقًا في خزانتها: “كنت مثل كل فتاة، أترقب ذلك اليوم الأجمل في حياتي، من أجل بناء أسرة سعيدة، ولكنهم خطفوني واغتصبوني، وقرر أولئك الوحوش أن يختطفوا حياتي وحياة أسرتي إلى الأبد”.

تروي فوزية، وهي إحدى المغتصبات من قرية الحولة بريف حمص تجربتها، وقد خرجت كاشفة عن وجهها، كيف تم اغتصاب بناتها الأربع فائقات الجمال، ثم نحرهن على أيدي وحوش الجيش خلال مجزرة الحولة الشهيرة، وروت أيضًا مشاهداتها لقتل أقاربها ذبحًا، بينهم أطفال لا تتعدى أعمارهم بضع سنوات أو شهورًا، وكانت إحدى الطفلات الصغيرات، كما روى بعض من شهد المذبحة، تُطالب قاتلها بأن يحدّ سكينه كي تكون قاطعة، فلا تتعذب.

لقد تم توثيق 300 حالة اغتصاب في السنة الأولى للثورة، وفقًا لمركز (سواسية) لحقوق الإنسان، ويمكن مضاعفة هذا الرقم مرات عديدة، نظرًا إلى صعوبة الوصول إلى المعتقلات، من جهة، وصعوبة لقاء المغتصبات من جهة أخرى.

إحدى المعتقلات المغتصبات تروي قصة اغتصابها: “في التاسعة صباحًا، من يوم 12 آب/ أغسطس 2012، بينما كنت في منزل والدتي، اقتحمَت المبنى سبعُ سيارات تابعة للمخابرات، نزل منها نحو 30 عنصرًا، وقاموا بخلع باب المنزل، واختطفوني من وسط عائلتي، وفي اليوم الرابع، بعد انتهاء التعذيب والتحقيق؛ تم اقتيادي إلى مكتب المقدم سليمان جمعة، أنا وفتاة أخرى، حيث كان معه اثنان من أصدقائه، وكانوا يضحكون بصوت مرتفع وهم يشربون الكحول، وبمجرد دخولنا أمَر المقدم إحدى عناصره النسائية بأن تخلع ملابسنا، ولم تنجح محاولاتنا بإيقافها، ومن ثم بدأ مسلسل الاغتصاب الجماعي، وسط ضحكاتهم، وكان المقدم جمعة يقول: هي الحرية اللي بدنا نعطيكم إياها، يا كلاب”.

مقالات ذات صلة

إغلاق