ترجمات

نيو يورك تايمز: نعمة الديمقراطية

توماس مان في مكتبه في نيويورك في عام 1943. أرشيف فريد شتاين، عبر صور جيتي

في عام 1989، سقط جدار برلين، وسقطت الشيوعية معه، وبدا أنَّ الديمقراطية الليبرالية منتصرة، ونشأت الديمقراطيات في أوروبا الوسطى، كما سقط الأبارتهيد (الفصل العنصري) في جنوب أفريقيا. وبدت عملية أوسلو كأنّها تبشّر بالسلام في الشرق الأوسط.

بعدئذ، ساءت كلَّ تلك الأمور. القبلية والاستبدادية الآن تتقدم، بينما تتراجع الديمقراطيات. والأسوأ من ذلك هو انحطاط الديمقراطيات، ولا سيما في بلدنا. الكونغرس بالكاد يعمل. لدينا رئيسٌ يتجاهل الحقائق، وينتهك الأخلاق الأساسية. وفي الجامعة، وفقًا لاستطلاع أجراه معهد (بروكينغز) جامعة كاليفورنيا، يعتقد 50 في المئة من الطلاب أنَّ الخطاب “العدواني” يجب ألا يُسمَع، و20 في المئة يعتقدون أنَّه يجب أن يُسحَق بعنف.

باختصار، كان لدينا إطار معين من اللياقة عقدنا ضمنه مناقشاتنا، وبطريقةٍ ما فقدنا إطارنا. اعتبرنا قيمنا الديمقراطية الليبرالية أمرًا مفروغًا منه لفترةٍ طويلة، لقد نسينا كيفية الدفاع عنها. لقد أصبحنا ديمقراطيين بالعادة، ولم نعد ندافع عن نظامنا بإيمانٍ وحماسة.

خلال الأشهر القليلة المقبلة، سأكتب في هذا العمود، من وقتٍ لآخر، للعودة إلى المبادئ الأولى، ولأراجع مبادئ الديمقراطية الليبرالية، مع المفكرين الذين شرحوا نظامنا، وبينوا سبب عظمته.

سأبدأ مع (الانتصار المقبل للديمقراطية) لـ توماس مان. ربما يكون توماس مان أعظم الروائيين في عصره، الذين فرّوا من النازيين، وجاؤوا إلى أميركا. في عام 1938، قدم سلسلةً من المحاضرات ضد الفاشية، والشيوعية، والأميركيين الأوائل. (2)

تبدأ الديمقراطية بحقيقةٍ واحدة عظيمة، كما قال: الكرامة اللامتناهية للأفراد الرجال والنساء على حدٍّ سواء؛ فالإنسان خُلق على صورة الله. وخلافًا لبقية المخلوقات، البشر مسؤولون أخلاقيًا. نعم، البشر يفعلون أشياء وحشية (كان توماس مان قد هرب للتو من النازيين)، ولكنَّ البشر هم المخلوقات الوحيدة التي يمكن أنْ تفهم، وتسعى إلى العدالة، والحرية، والحقيقة. هذا الثالوث “هو نوعٌ من وحدةٍ غير قابلةٍ للتجزئة، مشحونٌ بالروحانية، وبقوةٍ ديناميكية أساسية”.

وكتب: “الإنسان هو سقوط الطبيعة من العلياء، غير أنَّه ليس سقوطًا، ولكنَّه تمامًا مثل سموٍّ إيجابي، مثلما الضمير هو أعلى من البراءة أو الطهارة”. الخطيئة الأصلية “هي الشعور العميق للإنسان، ككيانٍ روحاني، بعجزه الطبيعي، وحدوده التي يترفع بنفسه فوقها من خلال الروح”.

يتابع توماس مان: الديمقراطية هي النظام الوحيد الذي يقوم على الاحترام المطلق للكرامة، لكلِّ فردٍ من الرجال والنساء، بالسعي الأخلاقي لكلِّ شخصٍ من أجل الحرية، والعدالة، والحقيقة. ومن أكبر الأخطاء أن نعتقد أن الديمقراطية هي كأيّ نظامٍ إجرائيّ أو سياسيّ، أو مبدأ لحكم الأغلبية.

إنَّها “حيازةٌ روحية، وأخلاقية”، إنَّها ليست مجرّد قواعد، إنّها طريقةٌ حياة. وهي تشجّع الجميع على الاستفادة إلى أقصى حدٍّ من قدراتهم، وتثبت أنَّ علينا مسؤوليةً أخلاقية للقيام بذلك. فهي تشجّع الفنان على السعي نحو الجمال، والجار للسعي نحو المجتمع، وعالم النفس للبحث عن التصور أو الإحساس، والعالم للبحث عن الحقيقة.

تنتج الأنظمة الملكية لوحاتٍ فنية رائعة، ولكن الديمقراطية تعلّم المواطنين أن يضعوا فنهم موضع التنفيذ، وأنْ يعملوا وفق دوافعهم الخلاقة، وأنْ يبنوا عالمًا من حولهم. “الديمقراطية فكرة؛ ولكنّها فكرةٌ تتعلق بالحياة والعمل”. المواطنون الديمقراطيون لا يحلمون فقط، هم مفكرون يراقبون مجلس المدينة. وهذا مقتبس من الفيلسوف برغسون: “اعملْ كرجال الفكر، وفكر كرجال العمل”.

في أيام توماس مان -كما هو الحال في بلدنا- كان للديمقراطية أعداءٌ، وقد تبدو الملامح قاتمةً، حيث قال: إنَّ أعداء الديمقراطية ليسوا مجرد فاشيين يحملون البنادق، هم أيّ شخص يتعمد تحطيم الميدان العام، هم الدعاة والديماغوجيين. “إنهم يحتقرون الجماهير… في حين يجعلون من أنفسهم لسان حال الرأي المبتذل”. هم يوفرون الخبز والسيرك، والتغريدات والشتائم، ولكنْ ليس لديهم سوى “أفق أرنب”، كل ما يرونه هو السعي الخسيس من أجل المال، والسلطة، والجاه.

يُخضع المستبدون والديماغوجيون العملَ من خلال البلطجة، ويُخضعون الفكر من خلال إثارة علم النفس الغوغائي. “هذا هو ازدراءٌ للعقل الخالص، وإنكارٌ وانتهاكٌ للحقيقة لصالح السلطة، ومصالح الدولة، ومناشدة الغرائز الدنيا، لما يسمى” الشعور”، وإطلاق الغباء والشر بعيدًا عن صرامة العقل والذكاء”. إنهم يمتلكون “نوعًا من الازدراء الذي يسعى، بكلّ ما لديه من قوة، من أجل انحطاط، وإفساد الإنسانية، من أجل إجبار الشعب على تنفيذ إرادة هذا الانحطاط”.

لدى توماس مان الثقة في انتصار الديمقراطية، في نهاية المطاف؛ لأنَّ لديه الثقة في قدرة الديمقراطية على تجديد نفسها، من خلال “أنْ نتخلى عن اعتبارها أمرًا مسلمًا به”. التجديد يعني الإصلاح. فهو يدعو إلى الإصلاح الاقتصادي، والسياسي، ويقول نقلًا عن نائب فرنسي: “سيخلق تراتبًا حقيقيًا للقيم، ويضع المال في خدمة الإنتاج، والإنتاج في خدمة الإنسانية، والإنسانية نفسها في خدمة مثالٍ يعطي معنى للحياة”.

مساهمة توماس مان العظيمة هي تذكيرنا أنَّ الديمقراطية ليست مجرّد سياسة؛ إنّها متعلقةٌ بنضال الفرد اليومي ليكون أفضل، وأنبل، وليقاوم الرخص والابتذال. الديمقراطيون مثل توماس مان، يحملون صورةً سامية عن ازدهار الإنسان. فهم يمنحوننا توقًا عظيمًا للارتقاء بها.

………………………………………..

1- توماس مان: أديب ألماني (1875- 1955)، هاجر إلى الولايات المتحدة، بعد تسلم النازيين الحكم في ألمانيا عام 1933، سحبت منه الجنسية عام 1936، يعتبر من أبرز الأدباء الكلاسيكيين في ألمانيا بعد غوته، كما أنه مدافع شرس عن القيم الإنسانية، من أعماله: الجبل السحري، ودكتور فاوست.

2- مجموعة ضغط أميركية مؤيدة للفاشية، تأسست عام 1940، مناهضة للحرب، وضد تدخل الولايات المتحدة في الحرب العالمية الثانية.

 

اسم المقالة الأصلي The Glory of Democracy
الكاتب دافيد بروكس، David Brooks
مكان النشر وتاريخه نيو يورك تايمز، The New York Times، 14/12
رابط المقالة https://www.nytimes.com/2017/12/14/opinion/democracy-thomas-mann.html
عدد الكلمات 785
ترجمة أحمد عيشة

 

مقالات ذات صلة

إغلاق