أدب وفنون

رسوم علي فرزات: تفاصيل لرواية الفاجعة السورية

 

لم تكن حادثة الاعتداء الآثم، من “شبيحة” الأجهزة المخابراتية للنظام السوري على رسام الكاريكاتير السوري علي فرزات، عرضيةً، ولا بسبب رسومه الكاريكاتيرية الناقدة لنظام الأسد، والمؤيدة لثورة الكرامة السورية، وحسب؛ بل هي نتاج حقد تاريخي وكراهية له ولرسومه، منذ السنوات العجاف التي حاقت بسورية وشعبها عمومًا، من قبل وبعد صفقة التوريث في مجلس الشعب السوري سيئة الصيت والسيرة خصوصًا. وجدها الطاغية “الابن” فرصة سانحة للانتقام منه على مجمل رسومه الناقدة السابقة واللاحقة، وقد توّجتها مسيرة ابتكاره في جريدة (الدومري) التي أصدرها قبل يوميات الربيع العربي بسنوات، وسرعان ما تم توقيفها، وبما أحدثه عبرها من اختراق للواقع الثقافي السوري الشعبي والجماهيري.

الحديث موصول، ما بين ولادة الفنان ورسام الكاريكاتير علي فرزات، في مدينة حماة عام 1951، والعيش مُنتقلًا بسبب عمل والده وترحاله إلى مدينة دير الزور شابًا، ومن ثم الإقامة الدائمة في مدينة دمشق كمحطة وصل ثقافية فعّالة، متناسقة، لعائلة مُتآلفة من الأدباء والرسامين والتشكيليين، جمعتهم واحة الابتكار الفردي، بما أُوتوا من مواهب فطرية وأُخرى مُدربة ذاتيًا وأكاديميًا، في ميادين مهنية متنوعة الصنائع. ولعل فن الكاريكاتير وجد ضالته المنشودة في وعي واهتمام الفنان “علي فرزات” المُبكر، واستحوذ عليه وعلى موهبته وخبراته التراكمية المتوالدة في لحظة الطموح والرغبة، وجعلت منه رسامًا يتجاوز حدود الوطن السوري والعربي، ويحتل منصة الابتكار الدولية.

اتخذ الفنان علي فرزات من الفنون الكاريكاتيرية، والرسوم الساخرة والناقدة والتحريضية والكاشفة للمفاسد اليومية المُحيطة به، منهجَ حياة ورسالة وعي فكري وثقافي واجتماعي وسياسي؛ بما تشتمل عليه من حقائق ومواقف سرد بصري وخلفيات ورمزيات وصور حياتية متنوعة، حافلة بالنقد الثقافي والاجتماعي والسياسي، للواقع العربي والدولي بصورة بعامة والسوري بشكل خاص. خاض غماره بما أوتي من موهبة وخبرة وسعة ثقافة بصرية، وجودة مُكتسبة في طرائق معالجاته التقنية ومقدرته الفنية على رسم عمائره الشكلية، القادرة على ترجمات حسه النقدي لمكونات الحياة، والذي كرّس في رسومه الكاريكاتيرية، ذلك الكم الهائل من الأفكار والصور والمرئيات، فيها اختزال لجميع دروب المعاناة والهموم والمآسي التي حملها المواطن العربي والسوري على كاهله، منذ نكبة فلسطين الكبرى عام 1948، وما أعقبها من هزائم وموبقات، على جميع الجبهات المُحيطة بفلسطين كافة، كاشفًا رموزها المُتجلية بالدكتاتوريين من الحكام العرب الطغاة، مُرورًا بدول الربيع العربي وشعوبها، وبخاصة سورية المفجوعة بمقتلتها من قبل حكامها الدكتاتوريين وزبانيتهم.

لقد كان الهم العربي في المسألة الفلسطينية “قضية العرب المركزية” في رسومه، لا تقل عنها في بقية بلدان العرب العاربة والمستعربة، وجدت في رسومه الكاريكاتيرية حيزًا وافرًا من التعبيرات. ولكن بعد دورة المعاناة والمجازر الدامية في سورية الحزينة، فقد أخذت منه ومن رسومه كل مأخذ. وأمست المسألة الحيوية في تجلياته ورؤاه التعبيرية، ملكت حواسه ومدركاته الحسيّة والشخصية، مُنحازًا بكامل وعيه الفكري والسياسي والثقافي إلى ثورة الكرامة السورية، موضحًا ومفندًا ومُدافعًا وندًا للطغمة الحاكمة، وما تعانيه شرائح الشعب السوري وخيرات البلاد من قتل وتهجير وتعذيب واعتقال ومنافقين، وتبيان لحالات الاستلاب المكشوفة للقاصي والداني؛ فصارت القضية السورية محور تفكيره ومجال رسومه، وهي الحاضرة أبدًا في رسومه، والتي تجود بها قريحته الوصفية بمزيد من التنوع في مظاهر الصور والمرئيات، لكونها معزوفة الحزن العربي الكبير، تخرج من تجليات الحبر الأسود وتناقضاته المنثورة على  بياض الورق. بعض من المُضافات اللونية المناسبة رسوم كاشفة للعيون والعقول والقلوب، حيث يؤلف الفنان رؤاه في متنها الوصفي والتقني، في حسبة تأليف تشخيصية، مُتناغمة مع طبيعة الرؤيا للأحداث السورية الدامية والمعايشة. وتخرج من بين يديه أشبه برؤى شديدة الخصوصية، تفيض في سجل مقاماتها الوصفية الموصولة بيوميات الفاجعة السورية والقتل المنهجي لآليات القمع الأمني والعسكري والهمجي بحق السوريين، يُدونها منشورات تحريضية وبلمسات تعبيرية طافحة بالمعاني والخلفيات.

رسومه واضحة في محتواها الشكلي والتقني وطريقة بناء المواقف والشخوص ومدارات النفوس، نجد مفرداتها متناسلة من جعبة مظالم هنا ومفاسد هناك، في سلسلة متكاملة ما بين الحزب الشمولي الحاكم، والحكومة الكرتونية ومجلس النفاق الشعبي، وتناغمها التام مع توجيهات القصر الرئاسي وأجهزته الأمنية والعسكرية والمخابراتية. ترصد حركة الجميع في أقوالهم وأفعالهم، وتُشخص الواقع في حقيقته ومسارات قمعه لمواطنيه وجعلهم في حالة قلق دائم وموت سريري مُستدام، وتجعل منهم رقيقًا وعبيدًا في وطنهم المُستعبد من فئة قليلة، من القتلة المُسبحين بحمد الحاكم الطاغية والعيش على فتاته، كمخبرين صغار خدمة للمخبرين الكبار، ولا سيما حين تناوله لمواقف وصفية ذات صلة بأجهزة النظام السوري، بمختلف مراتبها الحكومية من موظفين وضباط أمن ومخبرين، وتكشف عريها وشعاراتها الخادعة “الثورجية” متناسلة بالضرورة التعبيرية من واحة نظام قمعي شمولي، وبطانته الفاسدة والمفسدة لمن حولها، مُمسكة صولجان الحقد الشخصي على سورية والسوريين، وكسب المنافع الشخصية لمجموعة من تجار الشعوب والحروب والدماء، من محدثي النعمة ومن معهم.

تتوزع رسومه في مواضيعها الكاشفة والمسرودة في عناوينها الرئيسة التالية: “أحزاب السلطة الحاكمة، الإرهاب، الأنظمة العربية، حرب حزيران، خطابات الدكتاتور، سلطة الصحافة والمثقفين والكتاب المتوهمين، العسكرتاريا، الكراسي، مافيات المجتمع ومحدثي النعمة، مفاوضات الاستسلام المهين مع العدو الصهيوني، النفاق وضروراته، فلسطين ومآسيها، القمع وأشكاله، المخابرات وأدوارها الوظيفية في حفظ النظام السوري الشمولي الدكتاتوري”، وثمة تفاصيل عديدة تجوب واحة المجتمع السوري، بمختلف طبقاته ومعتقداته ومكوناته. وتفتح غواية البحث عن مكنونها الوصفي ورسالتها التحريضية الموصولة بإنارة الوعي الحقيقي، لدى عامة الناس وخاصتهم في سورية، وتوضح طبيعة العلاقة غير المتكافئة والمتناقضة ما بين الدكتاتور الحاكم، وغالبية شعبه الفقير والمهموم، موصولة على الدوام بمنافعه الشخصية التي تختصر الوطن، وتختزله بأكمله في حجم كرسي أبدي ومتوارث في نظام الحكم البعثي الأسدي الشمولي، لا يعبأ بوطن أو مواطنة، ولا يهمه ضياع السوريين وسورية.

الحبر الأسود المنثور على نصاعة البياض، كان وما زال أسلوبه التقني المنشود في ترجمة حدسه الشخصي وتفاعله بالأحداث، ومحطة ابتكاره ومجاله الموضوعي في تفريغ رؤاه ومناطق وعيه، وتبصره في متغيرات الظروف الدولية، ولا سيما ما بعد المرحلة الأميركية العولمية، وأكاذيب مُحاربة الإرهاب.

رسوم كاريكاتيرية متبصرة لمآل الحال في ما يجري في سورية، قبل حدوث الفاجعة الكبرى للحاكم الطاغية، والدكتاتور الذي يقتل شعبه، ويُهجّره في المنافي القريبة والبعيدة، أنتجها الفنان رسومًا مُنسجمة ودرامية الواقع السوري الشعبي والاجتماعي والثقافي والسياسي. خطها الفنان “فرزات” بريشته المرنة والمُدربة تارة، أو بأدوات بحثه التقني والمتحركة والمبتكرة، في تجليات ملونة، تضيف إلى رصيده السابق ترجمات جديدة لمنشوره السياسي، بحديث التقنيات تارة أُخرى. رسومه تستحضر رموزًا وشخوصًا من وحي الواقع وتجلياته اليومية، بمختلف مسمياتهم وطبقاتهم وأدوارهم، تلوذ بالفكرة المعبرة عن حالة الاضطهاد الجماعية للسوريين، تصل جميع القضايا بأساليب تقنية وتعبيرية واحدة، وإن اختلفت الأماكن والشخوص.

 

[av_gallery ids=’105361,105362,105363,105364,105365,105366,105367′ style=’thumbnails’ preview_size=’portfolio’ crop_big_preview_thumbnail=’avia-gallery-big-crop-thumb’ thumb_size=’portfolio’ columns=’5′ imagelink=’lightbox’ lazyload=’avia_lazyload’ custom_class=”]

مقالات ذات صلة

إغلاق