مقالات الرأي

“إسرائيل” وإيران.. أين التناقض؟

 

زعمَت الخمينية، منذ الأيام الأولى لاستيلائها على السلطة في إيران، بعد ثورةٍ لم يكن الملالي وحدهم من صنعها، أن أكبر أعدائها هما الشيطان الأكبر/ أميركا، واليهود. ورفعت الكثير من الشعارات والرايات في سبيل تأكيد إصرارها على هذا الهدف. ولتعزز البروباغندا “الثورية”؛ وجدَت في شعار “تحرير القدس وفلسطين” ضرورةً، تخدم أيديولوجيتها ودعايتها. وأعلنت دعمها للفلسطينيين في مقاومتهم الاحتلال، لكن أول عمل قامت به كان الحرب مع نظام صدام حسين، بسبب عملها على تنفيذ شعار تصدير الثورة الإسلامية؛ فاستنزفت طاقة إيران والعراق معًا. وفي حربها المحتدمة مع النظام العراقي، حين تدهورت طاقتها وعجزت عن الصمود؛ اتجهت إلى كل من واشنطن و”إسرائيل”، لتتزود منهما بالسلاح، وهو ما عُرف حينئذ (1981- 1983) بـ “إيران كونترا”، وبـ “عملية سيشل”. الأولى تلقت فيها سلطة الملالي سلاحًا وتكنولوجيا من “الشيطان الأكبر/ أميركا، والثانية من اليهود أي “إسرائيل”. وحاول الإعلام الإيراني التابع للخميني نفي ذلك، غير أن المصادر كلها أكدت حدوث الواقعتين؛ فانتبه خبراء السياسة والدعاية إلى التهافت على تكذيبهم، فاضطروا إلى تقديم مسوغات غير مقنعة.

كان الدعم الإسرائيلي لسلطة الخميني فرصةً لصيد عصفورين بحجر واحد: تقويض الجيش العراقي، ومحاولة جرّ إيران إلى حظيرة المصالح الإسرائيلية. ولقد قام الطرفان بضرب المفاعل النووي العراقي، إيران أولًا، وفشلت في تدميره، ثم “إسرائيل” التي نجحت بالإجهاز على المشروع بالكامل، في عام 1981.

حاصل العمل أن بروباغندا الشيطان الأكبر واليهود وتحرير القدس وفلسطين، استمرت مقبولة عند أكثر السياسيين العرب رافعي رايات “القومية والوطنية”، وبقي تعظيم وتمجيد الخمينية يعشش في “عصاب الوعي القومجي العربي”، بل حتى “اليساري” بشكل عام، كما أن قيادات المنظمات الفلسطينية قاربت الموقف من الخمينية، قبل سقوط صدام وهزيمة العراق، بحذر، خشية من غضب صدام، وما يترتب عليه من تجفيف أحد أهم موارد الدعم المالي واللوجستي لمنظمات المقاومة. لكن أمر تلك الفصائل اختلف بعد سقوط صدام، وقامت بشدِ الرحال إلى طهران، كما قامت طهران بالعبث داخل الصف الفلسطيني، إبان الانتفاضة الأولى 1987 – 1992، بتأسيس فرع خاص بها تحت اسم “الجهاد الإسلامي”، وواظبت على ذلك، حين دعمت حركة (حماس)، ووظفتها بغرض تأكيد ادعائها دعم القضية الفلسطينية، وما زالت حتى اللحظة.

لقد قدّمت طهران نفسها، قبل الثورة السورية في آذار/ مارس 2011، كخصم “عنيد” لـ “إسرائيل”، غير أن تجربتها في العراق، بعد سقوط صدّام، كشفت عن الملامح الأولى للمشروع الفارسي-الشيعي، بتغلغلها في المجتمع العراقي أمنيًا وعسكريًا، مستندة إلى إعادة تركيب العراق على مقاس أجندتها المغطاة بالطائفية، ومع بدء الثورة في سورية، كشفت عن مخططها، بعيدًا عن مقاومة “إسرائيل”، حين استهدفت السوريين وثورتهم، دفاعًا عن الطاغية، وللقبض على القرار السياسي في سورية، وتوظيف ذلك في فرض وجودها إقليميًا ودوليًا، كدولة تمسك بالقرار في عواصم المنطقة.

في هذه الأثناء، وبسبب الموقف الإسرائيلي المعترض على التغلغل الإيراني في سورية؛ رأى عدد كبير من “النخب العربية”، ومنهم فلسطينيون وسوريون ينتمون إلى معسكر “الممانعة والمقاومة”، أن الاعتراض الإسرائيلي على وجود قوات وميليشيات إيرانية في سورية، وبمقاربة ميكانيكية سطحية، دليل على “نظافة السلاح الإيراني”، والميليشيات التي تأتمر بقرارات ملالي طهران، وراحوا يملؤون منابرهم بالصراخ الفارغ والشعبوي الأرعن، ضد الثورة السورية، باعتبارها جزءًا من “المخطط الصهيوني الأميركي”، ضد محور الممانعة والمقاومة.

يصعب على قصيري النظر، وأصحاب التفكير السطحي، أن يفهموا طبيعة التناقض بين طهران الملالي ودولة “إسرائيل”. وزوادتهم الدعاوية فارغة، إلا من المقولة البلهاء: (عدو عدوي صديقي)، بما يعيد إلى زمن الحرب الدولية الثانية، عندما وجد عدد من القادة العرب بألمانيا الهتلرية النازية، صديقًا لهم يخدم قضاياهم، فقط لأن هتلر ومحوره يحاربون ضد التحالف الغربي، الذي كانت دوله تحتل عددًا من البلاد العربية، وتقف إلى جانب الصهيونية، وأنعشت المحرقة النازية ضد اليهود حبَّ هؤلاء للنازية، وتغزلهم الفاشي الشوفيني بها، حتى تثمينهم للمحرقة النازية، التي لم تستهدف اليهود فحسب، بل شعوبًا وشرائح أخرى في المجتمع الألماني.

تبسيط التناقضات على هذا النحو، نجده اليوم في مقاربات كثيرة لطبيعة التناقض الإسرائيلي الإيراني. ويتجاهل أصحاب هذه المقاربات، و”اليساريون منهم خاصة”، أن سلطة الملالي تقوم على أيديولوجيا دينية، وعنصرية، تمامًا كما هي “إسرائيل”. وأنها أيضًا تحكم الإيرانيين بالحديد والنار والدم، ورأسمالها الوحيد هو “القوة المسلحة” لفرض وجودها داخل إيران، وبسط نفوذها في الإقليم وخارج حدودها. يُضاف إلى ذلك أن الخطاب الذي توجهه للشعوب العربية والإسلامية، خطاب أصولي طائفي رجعي، يفتت نسيج المجتمعات، ويعيدها إلى مجاهل التاريخ.

أما المضمون الحقيقي للتناقض، ولتحرير الوعي من التشوش والسطحية والالتباس، فهو نابع من محاولة طهران الملالي إقامة شأن كبير، “لإمبراطوريتها” في منطقة الشرق الأوسط، لتكون ذات اعتبار في السياسات الدولية، ولأن “إسرائيل” هي الدولة الأولى ذات الشأن في المحافل الدولية الكبرى؛ يصبح التحرش بها مدخلًا لإظهار فاعلية دولة الملالي، وإنْ وصل هذا التحرش إلى ما يبدو أنه يضع المنطقة عند حافة حرب! ولعل نموذج “حزب الله” في لبنان، وتحرشاته بـ “إسرائيل” عبر “المقاومة”، أوصل إلى نتائج عكسية لقادة طهران، حين قطفت “إسرائيل” ثمرات “النصر الإلهي” في حرب 2006، بجعل الحدود جنوب لبنان منطقة أمن إسرائيلية، مقابل أن قطفت طهران، عبر استدارة “حزب الله” بسلاحه وميليشياته إلى الداخل اللبناني، السيطرةَ على القرار السياسي في البلد.

مفاد الأمر أن التناقض الإيراني مع “إسرائيل”، لا صلة له البتة مع المصالح الوطنية والقومية للبلدان العربية، فالطرفان يسعيان، كل بوسائله، للتحكم بمصاير بلداننا، عبر إخضاع العواصم لإملاءات هذا الطرف أو ذاك. وفي الواقع السوري ما يظهر تلك الحقيقة. فبعد مضي ست سنوات على اجتياح جحافل إيران الطائفية سورية، بغرض سحق الثورة؛ كسبت “إسرائيل” دمار بنية بلد، كان يُعوَّل عليه تاريخيًا لمواجهة “إسرائيل”، فأكملت إيران ما بدأه الدكتاتور الأب منذ حرب 1967، بتخاذله في الدفاع عن “الوطن”، وانصياعه بعد حرب تشرين للاحتلال الإسرائيلي للجولان، بقيامها، تحت شعار “دعم النظام الممانع والمقاوم”، بتدمير بنية سورية، وتمزيقها؛ فكسبت “إسرائيل” انهيار سورية، ونجحت طهران حتى الآن بتعزيز وجودها على الأرض السورية، وتوسيعه. وهو ما يظهر حقيقة أن طهران تسعى لتحسين مكانتها إقليميًا ودوليًا على حساب البلدان العربية، وبطبيعة أدواتها وآليات عملها، تقدم المكسب الأكبر لـ “إسرائيل”، أي للطرف الذي ملأت جعجعتها حول السعي لمواجهته.

هكذا هو “التناقض” الإيراني مع “إسرائيل”، يجري حله على حساب بلادنا، والأقوى هو الذي يربح أكثر في مسار التناقضات الجارية. ولن تدفع “إسرائيل” أي خسارة من أجنداتها الأمنية والاستراتيجية، ولن تكون طهران هي الرابح الأول. أمّا الخاسر الأول والأكبر فهو نحن العرب، وباسم دعمنا، تهدر طهران دماء شعوبنا وتدمّر كل شيء.

مقالات ذات صلة

إغلاق