مقالات الرأي

عن “إسرائيل” ومقاوماتنا القاصرة بمناسبة القرار الأميركي

 

منذ البداية، وفي أغلب الأحوال، تأسّست مقاوماتنا لـ “إسرائيل”، على النزعات العاطفية والرغبوية والثأرية والمزاجية، وعلى الاستهتار بـ “إسرائيل” المصطنعة، مقابل الغطرسة أو المبالغة بالذات، في انفصام مريع عن الواقع، وإنكار مدهش للحقيقة. ولعل هذا ما جعل قائدًا في فصيل فلسطيني، يعيش في غزة المحاصرة، يستنتج من إخفاق عملية التسوية، بعد الاعتراف الأميركي بالقدس كعاصمة موحدة لـ “إسرائيل”، أن لا حل إلا بالوسائل العسكرية، كأنه يظن أن وراءه الجيش الأحمر أو الأصفر أو الأخضر، أو كأنه هو الذي يحاصر “إسرائيل”، أو يمتلك ترسانتها العسكرية.

طبعًا ثمة صعوبة، اليوم، في تفهمّ أو تقبّل خطابات كهذي، بعد سبعين عامًا على إقامة هذه الدولة، وإخفاق العالم العربي في مواجهتها، أو في الاستجابة للتحديات التي تطرحها عليه، بنمط نظامها السياسي، ونموها الاقتصادي، وتطورها التكنولوجي، وقوتها العسكرية، بخاصة أن السنوات الماضية أثبتت أن “إسرائيل” هذه، أي الاستعمارية والاستيطانية والعنصرية والمصطنعة، تبدو أكثر استقرارًا، على الصعيدين المجتمعي والدولتي، من كثير من دول المنطقة.

المفارقة أن هذه الخطابات، التي تتحدث عن زلزلة الأرض تحت أقدام “إسرائيل”، أو إزالتها من الوجود، ومسح حيفا وتل أبيب، واعتبارها “أوهن من بيت العنكبوت”، والتي اعتاد بعض قادة إيران أو “حزب الله” أو فصائل فلسطينية إصدارها، بين وقت وآخر، لا تتصاحب بخطوات عملية، أي أنها تبقى مجرد فرضيات نظرية، في إطار التهديد، لإرضاء النفس، أو للاستهلاك المحلي، أو للمزايدة السياسية، أو لابتزاز الآخرين.

فوق ذلك، إن مشكلة هكذا خطابات، اليوم، أنها تأتي في وقت يشهد فيه المشرق العربي انفجارًا أو خرابًا، أو تصدعًا دولتيًا واجتماعيًا، يصعب التكهن بمآلاته، فيما تبدو “إسرائيل” الدولةَ الوحيدة الناجية من كل ذلك.

وعليه؛ فلا يمكن لعاقل في هذه الظروف أن يتصور أن صواريخ (حماس)، أو “حزب الله”، التي هدّد نصر الله بأنها ستصل إلى “حيفا، وما بعد حيفا” (وإذا بها تصل فقط إلى حلب والزبداني وحمص)، يمكن أن تزيل “إسرائيل”، أو أن تحرر الضفة أو الجليل، مثلًا. صحيح أن هذه الصواريخ يمكن أن تطلق، وأن تشكّل تهديدًا، لكن السؤال ماذا بعد إطلاق الصواريخ؟ أو ما هي تبعات ذلك على غزة أو على لبنان. وكنا شهدنا الحروب الثلاث المدمرة التي تعرض لها قطاع غزة، في سبعة أعوام (2008-2014) بأثمانها الباهظة، مع كل التضحيات والبطولات التي بذلت، وبعد حصار دام عشرة أعوام، لم تستطع فرض فتح معبر رفح (وهو مع مصر)، ولا تحسين شروط الصيد في المياه الإقليمية لمنطقة غزة، كما لم تستطع إعادة إعمار ما دمرته الحروب، لذا فمن غير المعقول تصور أن هذه الحركة تستطيع تدمير “إسرائيل”، مثلًا، أو تحرير شبر من فلسطين، في هذه الظروف العربية والدولية.

الحاصل، ومع كل التقدير للبطولات والتضحيات التي بُذلت، أن هذه المقاومة لم تغير من طبيعة موازين القوى في الصراع مع “إسرائيل”، أي أنها لم تخِل بواقع التفوق العسكري الإسرائيلي، وضمنه قدرة “إسرائيل” على التدمير، كما أنها لم تغير من قواعد الصراع مع “إسرائيل”. وكلنا يعرف أن “حزب الله” لم ينفذ، ولا مرّة، عمليات في العمق الإسرائيلي، إذ كل عملياته تركزت فى القشرة الحدودية، وبذريعة مزارع شبعا، منذ تأسيسه حتى وقف المقاومة، بعد انسحاب “إسرائيل” من الجنوب 2000، على الرغم من أنه ظل يغطي بالمقاومة طابعه، كحزب ديني ومذهبي، وكذراع إقليمية لإيران، وكميليشيا تشتغل في قتل السوريين دفاعًا عن نظام استبدادي.

المشكلة أن الخطابات السياسية التي تتأسس على التلاعب والمواربة والاستهلاك والتوظيف، لتعزيز السلطة والمكانة، تبطن وراء كلّ ذلك استخفافها بالتفكير العقلاني، وبحياة البشر، وخياراتهم الشخصية. هذا يأخذنا إلى سؤال عن العلاقة بين السياسة والأخلاق، عند مجمل القوى التي تتصدى للتغيير، أو للتحرر الوطني، والتي تغيب مصاير البشر كأفراد، وتصادر حقهم في الاختيار، مثلما تغيب حقهم في التمثيل والنقد والمساءلة والمحاسبة، مغطية ذلك بطلب التضحيات والمزيد من التضحيات، من دون إبداء أي استعداد للمساءلة أو للمشاركة في تقرير الخيارات.

قد يكون مفهومًا أن أي عملية تغيير أو تحرّر وطني تفترض أثمانًا باهظة، فهذه طبيعة الأشياء، لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا: ما هي حدود هذه الأثمان؟ وهل يجوز أن تقدم من دون تحصيل أي مقابل؟ بمعنى آخر: قد يبدو طبيعيًا بذل التضحيات والبطولات لتحقيق أهداف الحركات السياسية، لكن ما يفترض ملاحظته هنا أن تلك التضحيات والبطولات -على أهميتها وتقديرها- لا تكفي لعمليات التغيير؛ إذ ثمة أهمية كبيرة للمعطيات المحيطة، ومن ضمنها الواقعان العربي والدولي، كما أثبتت التجربة. أيضًا ثمة أهمية كبيرة للإدارة، أو القيادة، الرشيدة التي تقدر الموازنة بين الإمكانات والطموحات، كما ثمة أهمية فائقة للبنى الحاملة للمشروع الكفاحي، ولا سيما في قدرتها على مراكمة الإنجازات، والحفاظ عليها.

ما قصدته من كل ما تقدم أن ما يجري يضفي مشروعية على طرح السؤال عن المدى الذي يمكن فيه بذل التضحيات والبطولات، من دون طرح أسئلة الجدوى أو الاستثمار في إنجازات متحققة، وهو سؤال من المفترض، بل من الضرورة، طرحه على الحركات السياسية، وإلا؛ بات العمل الكفاحي غرضًا بحد ذاته أو وظيفة يقصد بها غايات أخرى. والحاصل أن وضع الحركات السياسية أمام المساءلة وخضوعها لكل ذلك، هو الذي يؤكد مشروعيتها، ويبين مدى حيويتها وصدقيتها السياسية والاخلاقية، أما عكس ذلك فهو الذي أوصلنا إلى ما وصلنا إليه. ولعل في كل ذلك ما يفترض المراجعة من قبل القوى الحية في الثورة السورية، أيضًا، بعد أن انجرفت هذه التجربة في مععمان العمل المسلح، من دون دراسة، ومن دون توضيح الاستراتيجية المناسبة لهذه التجربة، وفي ظل الافتقاد للإمكانات، والارتهان للأطراف الخارجية.

هكذا اتسمت مقاوماتنا بالقصور والاضطراب، في حين بقيت “إسرائيل”، وقويت مع قرار أميركي ومن دونه.

مقالات ذات صلة

إغلاق